Print

قصة الأستاذ

بينما كنت أخلع ثياب الخروج وارتدي شيئا بسيطا ومريحا يساعدني على الاسترخاء سمعت اطلاق نار قادما من مكان غير بعيد عن الحي. خرجت الى البلكون الصغير المطل على الحارة لأفهم سبب هذا الاطلاق. وجدت الجارة التي تسكن في العمارة التي أمامنا وقد وضعت منشفة المطبخ على رأسها لتخفي شعرها بينما تحمل طفلها الذي لم يتجاوز السنة، وكانت مثلي تحاول ان تفهم مايجري. سألتها وانا أحاول الا أنظر الى جيدها المكشوف والذي نسيت ان تخفيه بمنشفتها:

- كان في حدا عم يقوص ماهيك يا ام محمود؟

- هيك الظاهر ياجارنا.. أبصر من وين، جوزي تلفن من شوي وقال لي لاتطلعي من البيت لأنو في مظاهرة.

قلت الله يستر ثم عدت للدخول عبر الباب الذي لايمكن فتحه كاملا بسبب السرير الذي يحتل معظم عرض غرفة نومي.

في المساء وبينما كنت اتعشى ماتبقى من طعام الغداء سمعت ولاويلا وصراخا ثم زغاريدا ثم عادت الولاويل لتحتل كل الفضاء. سمعت أيضا حركة في الشارع وأناسا يتجادلون فنهضت وخرجت من جديد الى البلكون لأرى أم محمود وقد سبقتني لاستطلاع مايجري وكانت تحمل أيضا ابنها الصغير.

كانت الحارة تغص بالشبان وقد تجمعوا أمام مدخل العمارة التي تقع على صف عمارتنا. كان الجو مشحونا بينما رأيت ولدا في العاشرة يسكن هناك وهو يبكي في حين كان هناك من يحاول ان يواسيه.

هممت لأسأل أم محمود عما يجري وأنا لاأجد حرجا من النظر اليها فقد كانت ترتدي ثيابا محتشمة وتضع منشفة أخرى على رأسها، الا أنها سارعت لتنقل لي الخبر وهي تضع يدها الأخرى على خدها تعبيرا عن ألمها. لقد قتل يوسف ابن جارنا بينما كان يتظاهر اليوم في الساحة القريبة.

بعد العشاء حلقت ذقني وارتديت ثيابي وعقدت كرافاة نيليّة ثم نزلت.

كان صوت مقرئ القرآن عاليا بينما كانت الحارة ممتلئة عن آخرها بالشبان المفجوعين. كان بعضهم متفرقين بصمت هنا وهناك يدخنون بشراهة في حين كان آخرون يتحدثون بصوت خافت وهم يهزون رؤوسهم. سرت الثلاثين مترا التي تفصل مدخل عمارتنا عن مدخل عمارة أهل القتيل. راح الشبان ينظرون الي بينما كنت أسير متطلعا الى وجوههم. كانوا في معظمهم في عمر الشباب متأهبين يضمرون في نفوسهم غضبا مكظوما. على مدخل العمارة نعوة ليوسف الشاب الذي قضى في حادث أليم. وقفت اقرأ مندهشا. تطلعت حولي لعل أحدا يفسر لي ماحدث بالضبط فأم محمود قالت انه قتل بالرصاص. فهم أحد الشبان حيرتي فقال وهو ينظر الى النعوة مثلي:

- منعونا من كتابة كلمة شهيد.

هززت رأسي وقلت له انني فهمت. نظرت اليه، كانت عيناه حمراوين ويمسك بيده سيكارة. ربتُّ على كتفه ودلفت الى العمارة.

جلست الى جانب الأب. كان يضع على رأسه عرقية بيضاء ويداعب بكلتا يديه مسبحة. كان قد شاخ فجأة فظهر لي أكبر من عمره ساعد على ذلك أيضا ذقنه الخشنة. قلت له بعد أن ترحمت على الشاب:

- وين دفنتوه؟

- ما لحقنا لان الطبابة ما سلمتنا ياه الا في وقت متأخر، قال ذلك وهو يلمّح بعينيه الى المخابرات ، كمان رفقاتو رايدين يعملوله بكرا جنازة لايقة.

هززت رأسي متفهما ثم أردت أن أظهر له حقيقة عواطفي فقلت انه مات شهيدا. ردد كلمة شهيد عدة مرات وفي كل مرة بإيقاع مختلف وفي المرة الأخيرة فهمت انه يكاد ينفجر من الغضب. مسحت على ظهره وقلت الله يرحمه فقال:

- لو تشوف أمه يا أستاذ.. رح تجن.

- الله يصبرها ويصبرك يا ابو يوسف، فقال وهو يزفر لا اله الا الله.

في صباح اليوم التالي كنت أقف مع مئات الشبان الغاضبين أمام باب عمارة الجيران في انتظار نعش المرحوم يوسف. كانت الشعارات تصم الآذان في حين راح البعض يلوح بالأعلام وازداد الضغط على جسدي بسبب العدد الكبير للشبان في حارتنا الضيقة. آثرت الابتعاد الى الاطراف حيث يقف بعض رجال الحارة الأكبر سنا. سلمت عليهم فقال أحدهم لاحول ولاقوة الا بالله ثم قال آخر:

- كان لازم تنضم الينا من الأول يا أستاذ، اليوم الصدارة للشباب بينما الاطراف للشيوخ مثلنا.

وافقته الرأي بهزة من رأسي وانا أشاهد النعش وهو يخرج من مدخل العمارة الضيّق في حين تعالى التكبير وارتفعت الهتافات.

ساروا بالنعش وسرنا خلفهم وقد انضم الينا ابو يوسف. أحد الرجال زعق في اذني وهو يحسب انه يهمس:

- الله يستر يا أستاذ، هالشعارات رح تستفز المخابرات.

قلت له انني لا أظن انهم سيهاجمون الجنازة اكراما للميت. لمحت أم محمود وهي على بلكونها تنظر الى الجنازة والينا تحمل طفلها بيد وتضع يدها الأخرى على خدها. كانت تضع منديلا على رأسها وكأنها تستعد للخروج. كانت تنظر الينا بحزن وتجهم في حين كنت منشغلا مع جاري الذي كان يحادثني:

- الله يمضّي هاليوم على خير.. قول انشا الله يا أستاذ.

قلت انشاء الله وتابعنا المسير خلف الشبان الزاعقين.

عندما اقتربنا من المقبرة سمعنا اطلاق نار ولم أعرف كيف سقطتُ وتمددتُ على الاسفلت بينما سيطر الهرج والمرج على الجميع. شاهدت كيف ان الشبان استطاعوا الالتجاء الى احدى الحارات ومعهم النعش، وشاهدت أيضا بعض الشبان وهم يشيرون إلي ويصرخون دون أن يجرؤوا على الاقتراب مني.