Print

قبلة الملكة

سمعت صوتاً خشناً لرجل في الخمسينيات يقول ان الحرارة ماتزال مرتفعة وانه من الواجب ابقاء احد ما إلى جانب السرير ليسهر عليه (أي علي أنا) وليضع على جبينه كمادات ثلجية. ضحكت عليه ثم عدت الى الزحف وانا اتطلع إلى الرابية التي وقفت عليها الملكة. كانت واقفة رافعة يداً واحدة ولكن النور كان يشع من كل جسمها. خفت ان يسبقني الباقون وانا اتابع الرجل ذي الصوت الأجش. نظرت إلى جانبيّ والى خلفي. لم يكن عدد الزاحفين قد قل. جميعنا نتسابق للوصول إلى الرابية التي تبقى بعيدة رغم اننا نزحف منذ الليلة الفائتة.

- طيب، وماذا لو ظلت الحرارة مرتفعة؟ .. اسمعوا، انه يهذي..

نظرت إلى يميني. كان ضريراً وقد بترت قدماه من الكاحلين ومع ذلك كان يزحف معتمداً على ركبتيه. استغربت كيف يرى طريقه إلى الرابية. ربما لان نور الملكة يخترق العينين المطفأتين ليصل إلى تجاعيد دماغه فيبصر النور. حاولت خداعه. رحت أزحف بشكل معترض ليحسب ان عليه ان ينعطف إلى يمينه فأكسب مسافة لحسابي ولكن استغرابي زاد عندما استمر في الزحف إلى الأمام غير عابئ بي، وعندما نظرت إلى وجهه وجدته يضحك علي. هذه الخدعة جعلتني أخسر بعض الوقت. عدت إلى طريقي ورحت أزحف إلى الأمام محاولآ اللحاق به. فجأة لمستني يد باردة على جبيني. أعتقد انه الرجل الذي على يساري، أو ربما يحاولون التأكد من تلك الحرارة التي كانوا يتحدثون عنها من مكان آخر. كان الذي على يساري يجدُّ في الزحف نحو الملكة وهو ينظر إليها، لا يحيد عينيه عنها. لكنه كان يلهث. عرفت من نظرة سريعة انه يسابق الرجل الضرير ولا يأبه لي.

جاءتني موجة من البرودة قادمة من جبيني جعلتني أرتجف ثم سمعتهم:

- واحد وأربعون وشخطة.. هذا كثير.

- إذا بقي على هذه الحال، سوف نضعه في البانيو.. املئوه بالماء البارد.

كان الرجل الذي على يساري وسيماً ويعتبر رجلآ كاملآ. إذا سبقني إلى قمة الرابية فسوف أخسر لا محالة. قررت ان أسرع في الزحف، ومن أجل ذلك كان علي ان أجعل جسدي يرتجف. سوف تستغربون هذا القرار وسوف تتساءلون عن العلاقة بين السرعة وبين الارتجاف. ليس لدي وقت لأشرح نظريتي ولكنني استطعت بها ان اتقدم عليهما معاً فضحكت ورحت أصيح بصوت عال: سبقتهم.. سبقتهم.

- اسمعوا، انه يهذي، يقول شيئاً عن السباقات.

- أرجوكم.. دعونا نحمله. لم أعد استطيع الصبر.

فجأة شعرت بنفسي محمولآ وبدأت أطير إلى الأمام فسبقت الجميع بمسافة كبيرة. من علٍ شاهدت الحشد الهائل الذي كان يزحف في الخلف. نحن الثلاثة كنا نتقدمهم أما الآن فأنا اتقدم الرجل الضرير والرجل الوسيم. ظللت اتطلع إلى الخلف. انهم أشبه بعشيرة من دود الأرض الذي يزحف إلى الأمام. يزحف بعضهم فوق بعض. المهم ان يتقدموا إلى الأمام باتجاه الملكة الواقفة على قمة الرابية وهي تشع نوراً. فجأة سقطت في بحيرة صغيرة كانت تفصلنا عن الرابية. كان الماء صقيعاً خالصاً. لا خوف علي، فأنا أجيد العوم في الماء البارد. سأضحك طويلآ على الضرير وعلى الرجل الوسيم. ولكنهما نزلا إلى الماء وراحا يسبحان. كان الضرير سباحاً ماهراً رغم انه فقد قدميه. رحت أسبح كالسمكة مع أنني كنت أرتجف. الارتجاف ساعدني في الخلاص منهما وبعد لحظات خرجت من الماء وكانت أسناني تصطك وتصدر صوتاً شبيهاً بصوت نقار الخشب.

- ارفعوه جيداً.. نزلت الحرارة.. عظيم.. يارب!!

بدأت بصعود التلة في حين كان الرجلان مايزالان يسبحان. في تلك الأثناء كان الحشد الزاحف ينزل الى الماء. فرحت للنتيجة ونظرت إلى الأعلى. كان النور يزداد سطوعاً كلما اقتربت من قمة الرابية. كانت الملكة ترسل نحوي نورها الخارق فاضطر إلى اخفاء عينيّ بيديّ بينما كنت أزحف. مع ذلك كنت أنظر نحو وجهها. كانت تبتسم لي ثم مدت يداً نحوي وراحت تدعوني إليها.

- خففوا من الاضاءة من فضلكم، انظروا ماذا يفعل؟

- لماذا يتحرك هكذا بكلّيته؟ ... أنا خائفة عليه..

ظللت أزحف حتى وصلت إلى القمة. مددت يدي ولمست حذاء الملكة. كنت متعباً. لم يعد النور يضايقني فتمسكت جيداً بقدميها ثم استلقيت على ظهري. نظرت إلى الأسفل فوجدت الضرير والوسيم وجميع من كان يزحف وقد توقفوا عن الزحف وراحوا يصفعون أنفسهم وينوحون. ضحكت، فقد حصلت عليها. أنا الذي حصلت عليها أخيراً. سمعت من يقول إنه يضحك.

قرفصت الملكة. قربت وجهها النوراني من وجهي فاضطررت لإغلاق عيني من جديد. سألتني هامسة بصوت يدغدغ:

- لقد اتعبت نفسك. كان عليك ان تترك الرجل الوسيم يصل قبلك.

كانت شفتاها قرب عيني بينما كانت ترسل أنفاسها الحارة إلى عقدة الحاجبين. استمرت في ترداد انني قد اتعبت نفسي حتى سمعت من يقول انه يشكو من التعب. كان تيار من اللذة يدغدغ ما بين عيني ويمتد إلى كامل رأسي ثم إلى كتفيّ وصدري. دغدغة تتحول إلى سرور وربما شهقت من شدة ذلك الاحساس. أحسّت بسكوني وبتحريك وجهي أقرب إلى انفاسها وشفتيها فراحت تقبلني هناك، في أقرب الأماكن إلى روحي.. مابين عيني.

حاولوا ايقاظي. سمعت امرأةً تبكي. كنت ابتسم للذة الفائقة التي كانت قد سكنتني بسبب قبلات الملكة في نفس ذلك المكان عند التقاء الحاجبين. حاولوا فتح عيني عنوة ولكنني كنت أغلقهما لئلا أفقد شيئاً من اللذة.

- هل مات؟ يووولي..

أي موت هذا الذي أسمعهم يتحدثون عنه ويبكون بسببه؟ كل ما هنالك انني كنت مستمتعاً بقبلات الملكة في ما بين العينين.