Print

صبي الفندق

وضع صبي الفندق حقيبتي على حامل مخصص ثم ابتعد ووقف بكل ادب عند حافة الممر الصغير ينتظر مني منحة بعد ان اشعل المدفأة الكهربائية. في تلك الاثناء كنت اتفحص السرير وعندما انتهيت استدرت فوجدته يقف بشكل مثير للشفقة, فنقدته بقشيشا من عدة قطع معدنية دون ان اعدها فانحنى ثم غادر الغرفة.

بعد خمس عشرة دقيقة افقت من شرودي لأجد نفسي اقف في مكان الصبي اتطلع الى الخارج, عبر النافذة. كان المنظر كئيبا بسب فصل الشتاء الذي نحن فيه. لو كان الفصل ربيعا لتغير المنظر واصبح جميلا وربما اخاذا. انه عبارة عن مساحات شاسعة من الارض الجرداء التي يغبشها ضباب شفاف. لون الارض يميل الى الرمادي كلون سترتي الصوفية. الشيء الذي جعلني اتطلع بشرود نحو الخارج كان شجرة عارية الاغصان تنتصب وحيدة على مبعدة من الفندق. اثر بي المنظر الكئيب فأخذت نفسا عميقا ثم اخرجت الهواء من رئتي على شكل صوت يشبه الانين. ولكي لا اجلس على السرير اقتربت من الحامل وفتحت حقيبتي ورحت اسلي نفسي بافراغها. كنت قد حملت معي من المنزل معظم بياضاتي وقمصاني وجواربي وبعض الكتب وكمية كبيرة من الاوراق البيضاء. رتبت الملابس الداخلية في الجارور العلوي ووزعت باقي ملابسي على الجوارير السفلية ثم علقت بدلتي الاخرى, التي يميل لونها الى الاسود, في الخزانة. اما منامتي فقد وضعتها على السرير. بعد قليل كنت اتشمم رائحة المطهرات في الحمام ثم غسلت اسناني ووجهي وحاولت ان اتبسم لنفسي في المرآة ولكنني لاحظت ان العبوس يريحني اكثر فخرجت الى الغرفة وانا اتفادى النظر الى الخارج محاولا رفع معنوياتي. مع ذلك, استلقيت وانا اشعر بالقنوط. لقد جئت الى هنا لانهاء روايتي التي تهرب مني منذ اكثر من عام. كنت قد زرت الفندق بصحبة بعض الاصدقاء منذ عشرة اعوام. كان ذلك في الربيع وكانت الحقول مخضرة والطقس جميلا فظلت ذكرى الايام التي قضيناها هنا ماثلة في مخيلتي. الشيء الذي دفعني الى المجيء الى هنا للكتابة هو السكينة التي تخيم على المحيط. اما عندما اوقفت سيارتي, قبل قليل, وترجلت منها فقد لاحظت ان تغير الفصول قد يترك تغيرا جذريا على الاشياء وخاصة على الفندق, فقد كانت واجهة الفندق قد هرمت. اغفيت لما يقارب نصف الساعة واستيقظت على نقرات خفيفة على الباب. عندما نهضت شعرت بدوار خفيف اعتدت عليه بعد كل سفرة طويلة. نظرت الى ساعة يدي فكانت الثالثة والنصف, اما النهار فقد كان يتراجع مبكرا مما زاد في شعوري بالندم لأنني تركت غرفتي في المدينة واتيت الى هنا لأتمم رواية منفلتة. فتحت الباب فكان صبي الفندق. سألني بكل أدب ان كنت سأنزل لتناول طعام الغداء. مراقبة وجهه الطفولي وادبه الغريب جعلني اتأخر في اجابتي. قلت له سوف انزل فورا فاستدار وابتعد على طول الممر حتى الدرج. كان الممر مفروشا بالموكيت فلم تكن تسمع خطوات الصبي. ظللت اراقبه وهو يبتعد. كان يرتدي قميصا ابيض نظيفا وبنطالا اسود وحذاء لامعا. كان يبلغ الثانية عشرة وخطواته متزنة وبطيئة نسبة الى الاطفال في سنه. عيناه مستديرتان وسوداوان بينما شعره ينسدل على جبهته حتى حاجبيه. استدار الي قبل ان ينزل الدرج ثم اختفى. ظللت واقفا في الممر مستندا الى فتحة باب غرفتي دون ان افكر بشيء محدد. كل ما هنالك انني كنت امدد شعوري بحلاوة حضور الصبي. نزلت وانا اشعر بجوع خفيف. كانت غرفتي في الطابق الثاني من الفندق المكون من ثلاثة طوابق. توقفت في ممر الطابق الاول برهة علني اسمع حركة تنم عن وجود نزلاء اخرين فلم تلتقط اذناي اي صوت فتابعت النزول. كان صالون الفندق في الطابق الارضي هادئا وسيء الاضاءة كما وجدته حين وصولي, وان كان علي ان اصفه فيمكنني القول انه مستطيل الشكل ونظيف وارضه مكسوة بالسجاد. تقع منضدة الاستقبال في الجهة المقابلة للمدخل وهناك زاوية للجلوس صفت فيها عدة مقاعد وثيرة على شكل مستطيل, الى جانب مدفأة ضخمة تعمل على النفط. لاحظت ان معظم مفاتيح الغرف معلقة في اماكنها المرقمة بطريقة لا تلائم فندقا صغيرا ومهجورا مثل هذا, فقد كانت تبتدئ بالرقم مئة في الطابق الاول ومئتين في الطابق الثاني ونفس الشيء في الطابق الثالث. كنت اود الدردشة مع صاحب الفندق ولكنني وجدته يصلي خلف منضدته فاتجهت الى قاعة الطعام. كانت القاعة خالية تماما ونظيفة, اللهم الا من رجل عجوز محني الظهر يتناول حساءه وقد ارتدى كامل ثيابه بما فيها المعطف وقبعة مبسطة ذات رفراف في الامام. جلست الى مائدة بجانب الجدار وبشكل اواجه العجوز. تسليت بمراقبة الرجل السبعيني. بعد قليل دخل الصبي حاملا طبقا وعندما شاهدني ابطأ في مشيته قليلا ثم تابع باتجاه مائدة العجوز. وضع امامه الطبق ثم راحا يتهامسان برهة. كان الصبي يلصق فمه بأذن الرجل ويحادثه, اما هو فقد كان يهز رأسه اكثر مما يفتح فمه المشغول بالمضغ. استقام الصبي, ودون ان يأتي الي ليسألني عما سأتناول, نظر نحوي برهة ثم عاد الى المطبخ. تابعته حتى غاب خلف الباب. عدت الى النظر الى العجوز. كان منهمكا في مضغ طعامه. كان يبلل قطع الخبز في كأس الماء ليسهل عليه عجنها بأسنانه البديلة. دخل الصبي حاملا صحن حسائي. وضعه امامي بخفة ثم ناولني الملعقة وابتعد. اردت ان اسأله ان كان هو الذي يحضر الطعام ام ان هناك طباخين, فلم اكن اسمع صوتا من المطبخ, الا انني فضلت تناول الطعام فتركته يذهب ليقترب من العجوز. جلس الى جانبه واسند رأسه بقبضته وراح يهمس له. لم استطع التقاط اية كلمة لأن فم الصبي كان قريبا من اذن العجوز. عندما خرجت من قاعة الطعام كان مالك الفندق قد انتهى من صلاته وجلس ناعسا خلف طاولة الاستقبال. كنت احسب انني سأشاهد العجوز جالسا في الصالون, لأنه انهى طعامه وخرج قبلي مستندا الى كتف الصبي, ولكنني لم اجد اثرا له. فكرت ان اسأل المالك عن العجوز وعلاقته بالصبي ولكنني فضلت تأجيل ذلك لكيلا يحسبني فضوليا. استقام المالك في جلسته حين رآني ولكنه لم يكلمني. جلست في احد المقاعد التي تشكل مستطيلا بجانب النافذة. كان الظلام قد حل بكثافة, على غير عادته, بينما القى مصباح كهربائي ضعيف شيئا من النور على مساحة ضيقة خارج الفندق وانعكس على زجاج سيارتي. بسهولة عرفت ان الضباب الخفيف الذي كان يسود المكان في النهار قد زال نهائيا. احسست بدفء لذيذ الى جانبي فاستدرت. كان الصبي يهم بوضع فنجان من الشاي امامي على الطاولة القصيرة. ابتسمت له ولكن عينيه السوداوين المستديرتين اطرقتا. حاول الابتعاد بعد ان وضع طبقا فيه بعض مكعبات السكر, فسألته: ـ ما هو اسمك؟ قال ان اسمه ايوب واستدار فورا ليبتعد فاصطدم بالمالك الذي ابعده عنه بدفعة من يده. جلس المالك على مقعد قريب بينما كنت اتابع الصبي الذي استدار والقى علي نظرة سريعة قبل ان يدلف الى قاعة الطعام. شاهدني انظر اليه فقال المالك: ـ انه من القرية القريبة. ـ ولكنه صغير ليقوم على خدمة فندق. حرك المالك يده بكسل وقال: ـ في الشتاء لا يأتينا زبائن كثر, ثم انه يتيم الاب وامه هجرته وذهبت لتتزوج في المدينة. ترك المدرسة ليعيل جده. ـ وهل ذلك الرجل العجوز جده. قال نعم, ثم شرح لي كيف ان الصبي لا يكلفه سوى طعامه وطعام جده. امضيت فترة اثرثر مع المالك عن الشتاء القارس في هذه الاصقاع الوحشية. نقلت له دهشتي من بنائهم للفنادق في هذا المكان. اخبرته بأنني كنت هنا مع بعض من اصحابي قبل عشر سنين ولكن في فصل الربيع. حاول ان يتذكرني ولكن عبثا. اخبرته بأنه لم يكن هناك زبائن ايضا. لم يجيبني عن تساؤلي حول السبب الذي دفعهم لبناء الفندق في هذا المكان البعيد, فنهضت بعد دقائق, ودعته ثم صعدت الى غرفتي. جلست خلف الطاولة ورحت اتصفح فصول الرواية غير المكتملة. كنت قد قرأتها عشرات المرات بسبب رغبتي المتكررة في متابعة كتابتها فلم اجد في نفسي الرغبة في قراءتها من جديد. كنت احفظ وقائعها عن ظهر القلب. بينما كان عابد, الذي تجاوز الخمسين من عمره, يقطع احدى الحدائق العامة يوما ليختصر الطريق, واذ به يلتقي بسهام. لم يكونا قد التقيا منذ خمسة وعشرين عاما بعد ان فشل حبهما فتزوج هو من ابنة عمه وتزوجت هي من زميل لها في المدرسة الابتدائية التي كانت تعمل فيها كمدرسة. صارا يلتقيان باستمرار فيجلسان على احد المقاعد ليحاكما نفسيهما, من كان السبب في فشل حبهما ولماذا فشل؟ كانا يسترجعان سنوات حبهما ثم السنوات التي اعقبت زواجهما من شخصين آخرين زواجا تقليديا بحتا. هل كانا سعيدين في زواجهما, وكيف ينظر كل الى الاخر بعد كل هذه السنين؟ كانا يحتدان مرة بسبب المصاعب التي يلاقيها كل منهما, ويتلاطفان مرة اخرى حين يتحول الحديث الى اللحظات الحلوة التي قضياها معا في شبابهما. لقد اكتشفا انهما غير سعيدين وانهما لا يزالان يحب كل منهما الاخر. مرت الايام والاسابيع وهما على هذه الحالة. اصبحا ينتظران حلول ساعة اللقاء في الحديقة العامة ليهرعا للمناجاة والذكريات, وفي احد الايام يتغيب عابد. تنتظره سهام طوال الساعة ولكنه لم يأت. ترحل على امل ان تلقاه في اليوم التالي ولتسامحه على تغيبه لأن (الغائب عذره معه) ولكنه لن يحضر لا في اليوم التالي ولا بعده. تعرف سهام بأنه قد توفى بعد ان قرأت نعوته مصادفة. تحزن عليه وتبتئس. لقد رحل بعد ان اعاد نكئ الحب القديم والوحيد في حياتها. تتابع سهام حياتها مع اسرتها, ولكن بعادة جديدة لم تكن تملكها سابقا. اصبحت تطلق تنهدات حارة وعميقة دون سبب معروف. استيقظت صباحا وقد نمت ليلتي بعمق. مستلقيا فترة محاولا التقاط اي صوت سواء داخل الفندق او خارجه, ولكنني لم احصل على دليل على ان الحياة مستمرة. نهضت من سريري لأدخل الحمام. توقفت عند النافذة ونظرت الى الخارج. كان النهار سقيما وباردا والجو هادئا بدون عواصف بينما عاد الضباب الشفاف ليملأ الكون. لا طير يطير ولا وحش يسير والارض عادت لتكتسي بلون فضي مريع. كدت ابتعد عن النافذة لولا ان لفتت انتباهي تلك الشجرة الوحيدة عارية الاغصان. مسحت زجاج النافذة بكم منامتي ثم قربت وجهي منه. اصابتني رعشة في جسدي فقد كان هناك العجوز اياه وقد جلس على كرسي بشكل ادار ظهره المحني الى الفندق دون ان يأبه للصبي الذي كان يرتع ويلعب ويقفز في الهواء الى جانبه. فتحت النافذة غير آبه بالبرودة لأتمكن من معاينة المنظر بشكل افضل. صار الصبي يدور حول جده الجالس, الذي يبدو وكأنه غائب عن الدنيا, بهرولة بطيئة يتخللها دوران حول الذات مفتوح اليدين. شاهدني الصبي فتوقف. اقترب الى محاذاة جده ثم وقف يواجه الفندق الذي كنت اقف في احدى نوافذه المفتوحة دون ان آبة للطقس البارد. ظللنا هكذا فترة. العجوز الجالس والذي لا ارى سوى ظهره المحني, والصبي الذي يقف الى جانبه وانا الذي اقف على النافذة. ما كنت مشدودا اليه هو منظر الشجرة والعجوز والصبي يقف تحت اغصانها العارية وفي الاعلى سماء مكفهرة وفي الاسفل ارض تبدل لونها بفعل الصقيع. شعرت اننا تواجهنا لمدة كافية فاحسست بالبرد فتراجعت واغلقت النافذة. دخلت الى الحمام. وبينما كنت احلق ذقني انتبهت الى ان المنظر لا يغيب عن بالي. نزلت الى قاعة الطعام وجلست الى نفس الطاولة التي احتللتها في الامس. جاء الصبي بالافطار الذي كان عبارة عن خبز التنور وقطعة من الجبن وعدة حبات من الزيتون وشيء من مربى المشمش والشاي. لاحظت ان وجه الصبي لايزال محمرا من برودة الخارج. كان يطرق عينيه الى الاسفل حالما تلتقي بعيني. سألته عن صحة جده فقال انها لا بأس بها. سألته ان كان بامكاني التحدث اليه فقال انه ذهب الى بيته في القرية ثم اسرع في الاختفاء داخل المطبخ. تناولت افطاري بينما كانت صورة العجوز الجالس تحت الشجرة لا تبارح مخيلتي. خرجت الى صالون الفندق وتبادلت الاحاديث مع صاحبه ثم خرجت لأتنشق الهواء البارد. وقفت وظهري الى الفندق اتمعن الشجرة والمقعد المتروك تحتها. ظللت واقفا لعدة دقائق حتى شعرت بقدمي تتجمدان وبعيني تدمعان من شدة البرودة فعدت الى الصالون لأجد صاحب الفندق يصلي فصعدت الى غرفتي وقد صممت على الجلوس للكتابة. سأصف بسرعة ما كنت اشعر به حين فتحت اوراقي وامسكت بالقلم. كنت اشعر بدغدغة حلوة في صدري بسبب الهدوء والصبي وجده والشجرة والطقس الشتائي الرمادي في الخارج. اعدت قراءة عدة اسطر وكانت بالتحديد عن الحديقة العامة ولحظة لقاء بطلي ببطلتي. شعرت انني لا استطيع التواصل مع تلك اللحظة او تخيل تلك الحديقة العامة. كانت صورة الشتاء خارج الفندق والشجرة العارية تلح علي وتجعل حديقتي العامة تافهة. ماذا لو اعدت الكتابة؟ هذا محال, فقد كتبت اكثر من ثلث الرواية. علي ان اعيد ملاءمة مخيلتي مع ما كنت قد كتبته حتى الان. وجدت انني لم اتمكن من كتابة سطر واحد فتركت اوراقي وعدت للنزول الى الصالون لقتل الوقت في الحديث مع صاحب الفندق. تحدثنا عن الطقس وعن القرية وتمكنت من معرفة اين يقع بيت الجد. فكرت بالذهاب لمعاينة البيت ولكن البرد الشديد في الخارج منعني من التفكير بشكل جدي في ذلك. اخبرني ان عروسين من دمشق جاءا يقضيان شهر العسل في فندقه ولكنني لن اراهما في فترة الغداء لأنهما طلبا ان يقدم لهما الطعام في غرفتهما. صعدت الى غرفتي انتظارا لموعد الغداء فاغفيت لمدة ساعة حلمت اثناءها بأحداث روايتي ولكن بشكل مختلف عما كتبته حتى الان. حلمت بأن بطلي كان يجلس في حديقة عامة, رغم البرد الشديد مرتديا معطفا ثقيلا ويحمي رأسه بقبعة عادية بينما انحنى ظهره بفعل تقدمه في السن, فقد كان في السبعينيات. للغرابة كان هناك صبي في الثانية عشرة يلعب الى جانبه. في هذه الاثناء تقترب بطلتي آتية من احد مداخل الحديقة لتخرج الى الجهة المقابلة. كانت هي ايضا امرأة عجوز وربما بلغت منتصف الستينيات. كانت تحمل حقيبة بلاستيكية وتضع على رأسها منديلا صوفيا. حلمت بالمرأة تقترب من مكان الرجل العجوز في مشهد لأشجار عارية تحت سماء داكنة. كانت تسير وهي تنظر الى الصبي وعندما حولت عينيها الى العجوز استيقظت. ظللت لدقائق جالسا في السرير افكر في الحلم وفي وقائع روايتي المكتوبة. كان المنظر يضغط علي ولكنني آثرت النزول لتناول طعام الغداء. كانت مفاجأة حين وجدت العروسين يحتلان طاولة في صالة الطعام. جلست قبالة العجوز وعلى يسار العروسين. كان الشاب يهتم بطعام عروسه التي كانت تتمنع خوفا من ازدياد وزنها. كانا يتهامسان ويبتسمان. اما العجوز فقد كان يمضغ بصعوبة مستغرقا فيما يفعله. لاحظت انه لايزال يحافظ على وسامة ايام الشباب رغم كبر سنه. وبينما كان الصبي يتنقل بين المطبخ والصالة حاملا الصحون الى طاولاتنا انتبهت الى مصادفة غريبة, فقد كان الشاب المتزوج حديثا يشبه الى حد كبير الرجل العجوز. اقترب الصبي من جده وراح يهتم بتليين قطع الخبز ويهمس له بكلمات لم التقط شيئا منها. انهى العروسان تناول طعامهما وخرجا من الصالة. قررت ان انتظر لكي يفرغ الجد من تناول طعامه لأتحدث معه ولكنني وجدت ذلك غير مناسب, فقررت ان انتظره في الصالون. خرجت فوجدتهما يقفان قرب النافذة يتفرجان على السماء الغائمة والارض الجرداء. دعاها للخروج ولكنها ابدت عدم رغبة في ذلك. كانا يضحكان بينما صاحب الفندق يراقبهما بصمت. جلست بجانب المدفأة وانا اتساءل كيف يخطر في بال العرسان ان يقضوا شهر العسل هنا وفي هذا الوقت. دفء الداخل وبرد الخارج اعاد اليهما نشاطهما فتهامسا ثم صعدا الى غرفتهما. ظللت صامتا لأنني لم اكن متحمسا للحديث مع صاحب الفندق, وما هي الا دقائق حتى خرج العجوز من صالة الطعام فنهضت اليه ادعوه لشرب الشاي معي. شكرني واعتذر, عندها طلبت منه مرافقته حتى القرية للفرجة وقتل الوقت فرفع كتفيه وقال كما تريد. تقع القرية على مسافة ثلاثمئة متر من الفندق وهي مكونة من عدد ليس بكثير من البيوت الحجرية ذات الاسقف البيتونية. كان منظرها كئيبا واشجارها عارية وتخلو طرقاتها من الناس تقريبا. سرت مع العجوز مسافة ولكنه ظل صامتا, عندها حدثته عن تهذيب حفيده البالغ وعن اهتمامه الشديد بجده. سألني عن مهنتي فلم اقل انني كاتب بل اكتفيت بالعموميات فلم يسألني كم اربح بل دعا لي بالرزق الوفير. قرب بيته خرجت عن تحفظي وسألته عن كنته التي تركت ابنها وذهبت الى المدينة لتتزوج. توقف لينظر في وجهي. كدت اعتذر عن تطفلي الغبي ولكنه عوضا عن زجري دعاني الى الداخل فدخلنا وكان البيت دافئا جدا ورطبا فقد كان هناك قدر كبير لسلق البطاطا فوق الموقد. كان البخار يتصاعد بكثافة وهذا ما دفعه على ما يبدو لرفض دعوتي الى الشاي في الفندق. انزلت له القدر ثم قمت بتحضير الشاي وجلسنا نحتسيه بينما كان يحدثني عن الماضي. قال ان ابنه كان قد احب امرأة من القرية المجاورة ولكن اهلها ابوا ان يزوجوها له لأنهم كان عليهم ان يسدوا دينا قديما الى احد الاقارب فزوجوها له على ان يصبح الدين مهرها. حزن الشاب وابيض شعره وزهد بالحياة واطلق لحيته. ظل على هذه الحال مدة, ثم قرر ان يتزوج من فتاة جميلة من بنات القرية فرزق منها بهذا الصبي ايوب الذي يعمل في الفندق. بعد مدة بدأت بعض الاقاويل تشاع حول لقاءات كانت تجري بين ابنه وتلك المرأة من القرية الاخرى. قالوا انهما شوهدا جالسين وهما يتحدثان, مجرد لقاءات للحديث فحسب تتخللها زفرات وبعض الدموع التي كانت تطلقها المرأة, فقد كانت تشاهد دائما وهي تمسح عينيها. وفي احد الايام اصيب الرجل بعوارض غريبة, قد تكون مشابهة لحالات التسمم, ومات. هناك من يقول ان زوج المرأة هو الذي دس له السم ولكن, من يعلم.. الله وحده يعلم. حل صمت القبور على البيت فمكثت لحظة ثم نهضت وودعته وخرجت. كنت اعرف باقي الحكاية. سرت حتى الفندق وقد نسيت شد معطفي على جسدي دون ان اشعر بالبرد, فقد كنت شاردا بين احداث روايتي وبين قصة العجوز. لم انتظر حتى اليوم التالي, فقد صعدت ولملمت اوراقي وحزمت حقيبتي وطلبت الحساب من صاحب الفندق الذي استغرب قراري المفاجئ. جاء الصبي ليحمل لي الحقيبة الى السيارة. كان حزينا. منحته بقشيشا مجزيا ثم قبلته على رأسه وشكرته لأنه يهتم بجده. ابتعدت بالسيارة, وقبل ان يطوي المنحدر الفندق, شاهدت الصبي لايزال يقف يراقبني ابتعد. غاب الفندق خلفي وغابت الشجرة عارية الاغصان ولكن يوما واحدا في هذا الفندق جعلني مشوشا. قررت ان اعود للكتابة حالما اصل بيتي ولكن, حتى الان لم اكمل تلك الرواية, ويبدو انني لن اكملها. ربما سأعيد كتابتها يوما.