Print

يومياتي مع برلنت

22/7/1995

استيقظت على صوت برلنت العالي. كانت تقف على نافذة الدرج بجانب نافذة غرفتي وهي تثرثر مع جارتها التي تسكن في البناية المقابلة. هي تتعمد التكلم بصوت عال لكي أسمعها. طلبت منها عدة مرات ان تكف عن ازعاجي، ولكنها كانت تبتسم وتتمايل وهي ترنو الي بطريقة غريبة وتعتذر. برلنت تحبني وهي الآن تتحدث مع جارتها عن نساء سوف يأتين مساء لرؤيتها. تقول ان العريس يعمل في الامارات وسوف تسافر الى هناك اذا ما حصل النصيب. انها تكذب الملعونة، فقد حدثت ام حسن عن كثير من العرسان، وفي كل مرة كنت أحمد الله انها ستتزوج أخيرا وتريحني من ثرثراتها. ام حسن لا تفهم ان برلنت تتحرش بي. حاولت العودة للنوم، فلم تكن الساعة قد بلغت العاشرة بعد ولكن دون فائدة. نهضت أخيرا بعد ان علمت من برلنت ان في الامارات خادمات آسيويات رخيصات.

عندما كنت أخرج من شقتي، تفرست بي برلنت. صبّحت عليها فردت علي وقد التصق كتفاها بالجدار بينما دفعت جسدها الى الامام. كانت المسكينة عاشقة. كانت تبحث في وجهي عن أي أثر لأخبار خطابها الجدد. شاهدت ام حسن على شباك غرفتها فاندفعت مسرعة الى الداخل كي تبعد شعرها المنفلت عن عيني ثم عادت لتسترق النظر. قالت لي برلنت انها تعتذر فقد نسيت مرة أخرى ان تتكلم بصوت خافت وسألتني ان كانت قد أزعجتني. قلت لها لا، ثم هممت بالنزول ولكنها استوقفتني مرة أخرى. احتارت وقد احمر وجهها بما يمكن ان تقوله لي، فلم أكن أشجعها على الاطلاق بوجهي الجاف، ثم قالت: " ما في شي" فتركتها ونزلت بينما ظلت واقفة تنظر الي كيف أنزل برشاقة وقد نسيت ام حسن.

كالعادة، ذهبت أولا الى البريد فلم أجد في الصندوق سوى احدى المجلات الملتزمة التي اعتادت احدى المنظمات ارسالها الي دون طلب فتصفحتها ثم تركتها على رف بائع الطوابع، ثم دلفت الى صالون تلميع الاحذية وعندما خرجت ذهبت الى المقهى.

25/7/1995

كنت عائدآ من الخارج حين صعدت الدرج دون اية ضجة كي لا أتفاجأ ببرلنت. أخرجت مفتاح الشقة بكل حرص وانا أنظر جهة باب شقتها المقابل لبيتي. ابتسمتُ لأنني استطعت الهرب منها، وربما لأن هذه اللعبة تجلب لي شيئا من التسلية. ولكنني لم ابتسم طويلا فقد انشق باب شقتها بهدوء في نفس اللحظة التي كنت أدفع فيها باب شقتي ثم خرجت وكأنها تتلصص، ففي هذا الوقت من بعد الظهر يكون أبوها قد عاد من عمله وتناول غداءه واستسلم لساعة قيلولة. كانت برلنت متجملة ويبدو انها قد انتظرت طويلا عودتي قابعةً خلف الباب. نادتني " استاذ!!" فاضطررت لاجابتها ولكن دون ان أغير سحنتي (فانا ابدو وكأنني مستاء رغم انني لست كذلك) والواضح ان برلنت لم تكن قد اعتادت على طبيعة سحنتي فاضطرت إلى أخذ الحذر. ولكن أي حذر هذا..؟ كانت المسكينة تثير الضحك بسبب طريقتها الخرقاء في العشق.. وتبدو الآن وكأنها قررت القيام بمغامرة.

قالت انها تريد استشارتي في أمر هام بالنسبة اليها خصوصا وانني مثقف ومتعلم وعندي خبرة في الحياة. هززت رأسي لتتابع دون ان ابتسم لكلماتها، فانا أعرف انها تجاملني وكل ما كانت تريده هو دقائق لتتكلم معي. قالت: " خطبني مدرس بيشتغل في الامارات" قلت لها نعم، فسألتني وهي تسدد الي نظرة ذات معنى: " أوافق والا لأ..؟" حاولت ان أهرب بناظري من عينيها، فقد كانت تلاحق تعابيري بطريقة مكشوفة. انها وبكل وضوح تريد ان تدفعني الى التقدم لخطبتها وكل هذه القصة عن مدرس الامارات تبدو لي مختلقة. انها بكل بساطة عاشقة ومسكينة..

أنهيت الأمر بعدة كلمات، فعليها ان تعرف انني لا أفكر بالزواج من امرأة بسيطة وشعبية مثلها. سايرتها في لعبتها وقلت لها انها لن تندم اذا ما تزوجت المدرس الذي يعمل في الامارات وانني أتمنى لها التوفيق فهي بسعر اختي فاطمة التي عرفتها حين جاءت لزيارتي مع زوجها محمد في العام الماضي.

ابتسمت لها برقة بعد ان تأكدت انني قد انهيت أوهامها بطريقة ناعمة كنت أحسب انها لن تؤذي مشاعرها. أطرقت برلنت صامتة. كنت أنوي الانسحاب ودخول شقتي إلا ان ارتجاف زاوية فمها أوقفني. ظللت واقفا أراقبها باحثا في ذهني عن كلمات أشجعها بها لارتياد مغامرة السفر الى الامارات رغم اقتناعي بعدم وجود مثل هذا المشروع أصلا فشاهدت دمعتين تنسلان من عينيها. رفعت الي عينيها الحمراوين والرطبتين ثم رسمت بشفتيها كلمة " طيب" واستدارت ثم دفعت الباب وغابت خلفه. سمعت تكة الباب وهو يغلق بنعومة.

16/8/1995

انشغلت في الايام الماضية بكتابة والقاء محاضرة عن المستشرقة الانكليزية الليدي " آن بلنت "التي زارت المنطقة عام 1878 وكتبت كتابا عن قبائل بدو الفرات تحضيرا لاحتلال جيوش بلادها للمنطقة. كنت استغرق في موضوعي طوال الليل وأظل نائما حتى الثانية عشرة. كنت في بعض الأحيان أترك عملي لأن صورة برلنت وهي تبكي تكون قد هاجمتني فأشعر بالحزن عليها فهي انسانة بسيطة ولكنها طيبة وليس ذنبها انها عشقت شخصا مشغولاً بأمور الثقافة. ثم لاحظت انها لم تعد تزعجني صباحا ولم تعد تقف على نافذة بيت الدرج القريبة من نافذة غرفة نومي لتتحدث بصوت عال مع جارتها ام حسن. وإذا أردت ان أسجل السبب حسب رأيي فإنني أعتقد انني استطعت أخيرا اقناعها بعدم جدوى دعوتي الى خطبتها، أي انها فقدت الأمل بي فتوقفت عن اختلاق مواضيع الخاطبات.

وبسبب انشغالي بالليدي " آن بلنت "لم ألاحظ تلك السيارة الامريكية فضية اللون ذات اللوحة الاماراتية التي أصبحت تزور الحارة وتقف على الرصيف بشكل عرضاني، كما انني لم أميز ذلك الرجل الاربعيني الذي راح يزور بنايتنا ويصعد الى نفس الطابق الذي تقع فيه شقة برلنت وشقتي. وفي هذه الليلة بالذات سمعت وأنا أكتب هذه الاسطر أصوات زغاريد آتية من مكان قريب، وبسبب من إنني كنت قد أشرعت النافذة وجلست الى طاولة الكتابة فقد حسبت بان الزغاريد تأتيني من بناية ام حسن أو من البناية الملاصقة لبنايتنا، فتركت القلم (هنا بالذات تركت القلم وعدت الى كتابة الاسطر التالية فيما بعد) ليس بسبب انزعاجي من الزغاريد بل لأن برلنت خطرت في بالي فتصورتها حاضرة في العرس وهي حزينة لأن احدى الجارات تتزوج بينما هي ستظل قاعدة في البيت بعد ان جربت حظها معي وفشلت لأنني أخشى الارتباط بانسانة غير متعلمة.

هناك شيء نسيت كتابته في مذكرات اليوم الأول وهو ان وجه برلنت جميل ولديها أنف دقيق وعينان بنيتان واسعتان كما ان جسمها ممتلئ بعض الشيء، وقد أعجبت بها في بداية سكني في هذه الشقة ولكن بساطتها وشعبيتها جعلتاني لا أفكر بها أكثر من ذلك، فمن المستحيل على واحد مثلي، يرتاد الاوساط الثقافية ويكتب ويلقي المحاضرات عن المستشرقين الاوروبيين الارتباط بواحدة مثل برلنت.

قرع الجرس فنهضت لأفتح الباب وأنا أحسب ان احدى زميلاتي المثقفات قد جاءت لزيارتي فقد كنت أواعد أكثر من واحدة واعتدن المجيء إلي حين تسنح لهن الفرص. لم تكن ولا واحدة منهن بالباب بل كانت الجارة ام حسن وقد أتت وقد صبغت وجهها بالاحمر والازرق لتطلب بعض الكراسي لأن " عقبيل عندك يا استاذ، اليوم عرس جارتك برلنت".. تساءلت: "عرس؟" فقالت: "نعم، عرس برلنت الله يهنيها" ثم أخبرتني ان العريس مدرس يعمل في الامارات.

19/8/1995

أمضيت الأيام الثلاثة الماضية في البيت. حاولت بشتى الوسائل ان أراها ولكن دون نتيجة، لذا فقد حاولت أن أكتب وصفا لمشاعري بعد ان ظهر غبائي الفظيع. كتبت وأكتب انني أشعر وكأنني خسرت رهانا أو فرصة غنية أو ما شابه. لا أستطيع ان أصف مقدار شعوري بالخسارة، رغم استغرابي هذا الشعور. كنت انتقل من النافذة فأنظر الى الشارع حيث تقف السيارة على الرصيف بشكل عرضاني، ثم الى باب الشقة فانظر في العين السحرية علها تظهر لدقيقة. كنت أريد مشاهدتها، أو بالأصح كنت أود رؤيتها وهي تراني أراها وهي عروس. كنت أريدها ان تعرف انني مندهش.

استلقيت في الفراش ورحت أفكر. إنها إذن لم تكن تحبني وكل أحاديثها عن الخاطبات مع ام حسن كانت صحيحة. هل كنت أتوهم ؟ لقد سألتني رأيي بخصوص زواجها من المدرس. هل كانت تسعى الى نصيحة أم أنها كانت تحبني فعلا وتعطيني آخر فرصة؟ طيب.. كنت أسعى للخلاص منها، فلماذا أشعر بفقدانها الآن؟ ولماذا بكيتْ عندما شجعتها على الزواج من المدرس؟ أسئلة كثيرة أرقتني كثيرا قبل ان أغفو، وعندما استيقظت كانت قد سافرت مع زوجها المدرس الى الامارات..