Print

في انتظار الأرملة

اقتربت الساعة من الثامنة إلا ربع فاحتللت مكاني قرب النافذة بعد ان حملت إفطاري إلى هناك وقد كان مكوناً من صحن فول ورأس بصل وبراد شاي مخمر على طريقة جدتي لأمي وقطعة حلاوة بالطحينة فقد اعتدت على تحلية ريقي صباحاً بعد صحن الفول. في الأسفل كانت الحارة تنبسط أمامي كالكف ومن مكاني خلف أباجورة النافذة كنت أرى جيداً رصيف المقهى وكراسي القش ذوات المساند وإلى جانب كل منها طاولة من الحديد المشغول والمدهون باللون الأخضر إذ اعتاد رواد المقهى الجلوس بينما كؤوس الشاي وفناجين القهوة بجانبهم وليس أمامهم.

في هذه اللحظة بالذات احتل كل من عبد العظيم وابو المصاريع والشاب المهذب كراسيهم على رصيف المقهى انتظاراً لخروج الأرملة من بيتها لتستقل سيارة الحكومة التي تأتي في تمام الساعة الثامنة إلا خمس دقائق لتأخذها إلى الوظيفة. أيضاً جلس صاحب مصبغة "الملاك الأبيض" خارج مصبغته وجاء له الصبي بأركيلته الصباحية بينما توقف عبدو البقال عن البيع وراح يرتب سحاراته وعينه على مدخل بناية الأرملة. حتى صبحي الحماماتي أنزل عصاه التي ربط في طرفها خرقة سوداء يطير بها طيوره الملونة واستند إلى ستارة السطح الذي يحتله معظم النهار منتظراً خروج الأرملة صاحبة الشعر الأشقر والتي بدأت بإخفائه بمنديل بعد أن كثر الرجال الذين ينتظرون خروجها صباح كل يوم. وقد لاحظتُ منذ مدة أن بعض الباعة المتجولين راحوا يوقفون عرباتهم ويشرعون بالمناداة على بضائعهم منتظرين خروجها. أما أنا فقد مرت شهور طويلة منذ ان اكتشفت متعة تناول طعام الإفطار قرب النافذة ومراقبة هؤلاء الشغوفين بالأرملة ولكنني اكتشفت أنني انضممت إليهم فزاد عدد عشاقها واحداً. والأرملة حلوة الوجه وذات تقاطيع رقيقة وكان يحسب كل من تنظر إليه أنها تبتسم له ولكنها راحت تقطّب بعد أن عرفت السبب الذي يجعل الرجال يبتسمون لها ويزدادون جرأة في مواجهتها. والأرملة موظفة عند الحكومة وتتقاضى راتباً يقولون إنه أعلى من راتب مدير المدرسة التي في نهاية شارعنا وهناك من ادعى أنه صادفها في إحدى الدوائر وقال إنها تحتل مكتباً فخماً بارداً في الصيف ودافئاً في الشتاء وقال أيضاً إن الرجال في تلك الدائرة يقفون حين تمر أمامهم ويبادرونها بالتحية بكل تقدير واحترام. والأرملة أصبحت أرملة بعد أن توفي زوجها الأستاذ الذي جاء بها ليسكنا في الحارة في بيت أبيه وأمه بعد أن توفيا وقد عاشا معاً ست سنين دون أن يرزقا بطفل ولم تكن تلك العادة، أي عادة انتظار خروج الأرملة قبل أن تصبح أرملة متأصلة في حارتنا حينها، إلا أن الاستاذ مرض ومات فانتظر الرجال مرور الأربعين قبل أن تتحكم بهم هذه العادة واحداً تلو الآخر. أما عيشة العرجاء التي تزورها مرتين كل أسبوع لتساعدها في تنظيف منزلها فقد أصبحت مدللة في الحارة وأصبح الرجال يسألونها عن الأرملة وقد سمعتُ أن صاحب المصبغة قد سألها وهو يرتجف إن كان من المناسب أن يرسل أمه لخطبتها أم أن الأرملة ستطردها لأنه صاحب مصبغة ليست على قد المقام. وسمعت أن عبد العظيم لم يعد ينام ليلاً وهو يطلق التنهدات باستمرار ولكنه لا يجرؤ حتى على الإفصاح عن أية رغبة أو مشروع فهو متزوج من اثنتين وهذه مصيبة في حد ذاتها. أما الذي أدعوه بالشاب المهذب فهو ليس من حارتنا ويضع على عينيه نظارات طبية وهو دائم التأنق لم أره يوماً إلا بالبدلة والكرافات أما حين تظهر الأرملة فإن وجهه يتحول إلى شوندرة مسلوقة من كثرة الاحمرار.

في الثامنة إلا ست دقائق وصلت سيارة الحكومة فأوقفها السائق أمام مدخل بناية الأرملة. توقفت الحياة في حارتنا، وأنا لا أقول ذلك مجازاً بل واقعاً لأنني توقفت بدوري عن تناول الإفطار وأخذت موقعاً مناسباً خلف الأباجورة أستطيع من خلال شقوقها رؤية الشارع كله في الاتجاهين فقد كانت بنايتنا في وسط الشارع ولحسن حظي أمام بنايتها تماماً. توقفت الأحاديث وتوقفت رقاب الرجال عن الاستدارة إلى هنا وهناك ولم يعد عبدو البقال يرتب سحاراته فقد انتهى من ترتيبها، كما أن صبحي الحماماتي نسي طيوره ومط رقبته ليرى بشكل أفضل، أما عبد العظيم فقد توقف عن عد حبات مسبحته وابو المصاريع توقف عن لف سيكاراته دون أن يشعل أية لفافة كما أن الباعة المتجولين خرسوا بينما أخرج الشاب المهذب منديله الأبيض الناصع ليكون جاهزاً لمسح حبات عرقه التي ستتصبب من كامل وجهه حين ستلتقي عيناه بعيني الأرملة. توقفت الحياة وساد السكون وانتقل عقرب الدقائق إلى تمام الثامنة إلى خمس فانفتح باب البناية لتظهر الأرملة بتيورها الكحلي المحتشم ومنديل شعرها المطبّع بأشكال هندسية رصينة. سارت نحو باب السيارة الخلفي وفتحته وقبل أن تركب مسحت الشارع سريعاً بعينيها مائة وثمانين درجة. شاهدتْ عبدو البقال واثنين من الباعة المتجولين ثم شاهدت صاحب المصبغة ورفعت رأسها لترى صبحي الحماماتي ثم أنزلته لترى عبد العظيم ثم ابو المصاريع. كانت شاحبة ورصينة ومقطبة ولكنها توقفت أكثر عند الشاب المهذب فزال جزء من تقطيبتها ثم ركبت السيارة وأغلقت الباب لتنطلق بها دون أن تعيد النظر إلى أحد.

عادت الحياة إلى الشارع فاهتم كل بشؤونه وراح الحمام يحوم فوق بنايات الحارة وعادت مناداة الباعة المتجولين تصدح وأطلق عبد العظيم تنهداته الحارة وهو يرفع عينيه إلى السماء وأشعل أبو المصاريع إحدى لفافاته في حين نهض الشاب المهذب وابتعد قاصداً عمله وهو يمسح عرقه بمنديله. أما أنا فقد فقدت شهيتي فرحت ألم بقايا إفطاري شارد الذهن.