Print

آنستان وأرملة

عندما اندلعت حرب الثمانية وأربعين ركب الحماس السيد مصباح بشكل مفاجئ فانضم إلى جيش الإنقاذ وسافر وهو يعلق بندقيته على كتفه إلى فلسطين، ولكن سرعان ما جاء خبره في رسالة قصيرة من القيادة موجهة إلى زوجة البطل الشهيد فعرفت مديحة أنها ترملت وهي عروس شابة لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها، فعادت إلى بيت أهلها لتنضم إلى أختيها العانستين فاطمة وسعدية.

أصبحن ثلاث نساء يسكنّ بيت العائلة الكبير، وكان الناس في الحي اعتادوا احترام العانستين فيذكرونهما بصفتهما آنستين، أما الآن وبعد أن انضمت اليهما الأرملة مديحة فقد أصبحن ثلاث "آنسات"، وكانت الآنسة فاطمة هي أكبرهن بينما كانت مديحة أجملهن إلا أنها قررت أن تنهي قضية الجمال هذه فتوقفت عن التبرج ولم تعد ترتدي سوى الملابس السوداء حتى بعد أن انقضت أيام العدة وأصبح بإمكانها مواجهة الرجال، ولا بأس من القول بأن أختيها العانستين كانتا مثلها غير ميالتين لارتداء الألوان الزاهية أو لصباغ الشفاه والوجنات بالأحمر إلا أنهما لم يرغما نفسيهما على ارتداء الملابس السوداء باستمرار فهذا تعصب لا معنى له وقد ارتدى الجميع يوماً الملابس السوداء حزناًعلى وفاة الأب والأم إلا أن الجميع خفف من الحزن حتى أن مديحة تزوجت السيد مصباح صديق أخيها مدحت وارتدت في ليلة زفافها البدلة البيضاء.

ومدحت هذا هو الأخ الأكبر والوحيد للآنسات وهو الذي يدير مصالح العائلة التي أورثهم إياها الأب وقد تزوج يوماً من ابنة ملاك أراضٍ ويعيش معها بسعادة في أرقى أحياء المدينة، ونقول "بسعادة" لأن العروس كانت همست في أذنه في فترة الخطوبة بأنه إذا أراد أن يجعلها "سعيدة" عليه أن يخطط ليسكنها في بيت خاص بعيداً عن وكر النساء هذا وقد كان لها ما أرادت.

كانت الآنسة فاطمة تمضي وقتها بالتطريز على الطارة وكانت الأقمشة المطرزة تستخدم فيما بعد كشراشف وأغطية مخدات وطاولات وغيرها من الأمور المفيدة، وعندما امتلأ البيت بالأغطية بدأت بتطريز المربعات والمستطيلات كما يحلو لها فاكتشف أخوها مدحت بأن هذه المطرزات تصلح للتعليق على الجدران كلوحات فنية وقد طلب منها إهداءه لوحة تمثل تاريخ المدينة منذ أن وصل إليها المغول وحتى اليوم فتنازلت له عنها فوضعها في برواز أنيق وعلقها في صدر غرفة الضيوف في بيته ليدهش بها ضيوفه من القناصل الأجانب.

أما الآنسة سعدية فقد كانت تهوى الطبخ، وكانت تقدم كل صباح لشريف، وهو العجوز الذي كلفه مدحت بتموين الآنسات بكل ما يلزمهن، قائمة بالخضار والحبوب واللحوم وغيرها من المواد الأولية اللازمة للطبخ ثم تحتل المطبخ لساعات تحضر الأطباق المتنوعة والشهية التي لن تجد من يتناولها، إلا أن الآنسة فاطمة ومديحة، وإكراما ًلأختهما الآنسة سعدية، يقمن بتذوق الأطباق بلقيمات معدودة ثم يدعين الشبع بينما كانت الطباخة الماهرة تأكل حتى الامتلاء، ليس لأنها كانت أكولة بل لأنها لم تكن تحب أن تتحول الى مجرد طباخة تصنع الأطباق لموائد الجيران فقط.

أما مديحة فقد كانت بلا أي اهتمام أو موهبة تشغل بهما وقتها الطويل والممل، ولذلك فإنها كانت، أثناء جلوسها وحيدة في غرفتها أو على الشرفة مع أختيها في الأمسيات أو حين تلجأ إلى السرير وقت النوم، تعود بذهنها إلى العشرين شهراً التي قضتها بسعادة مع زوجها المرحوم الشهيد، وخاصة تلك اللحظات الحلوة التي كان يضمها فيها ويقبلها ويداعبها أو يحنو عليها حين تكون مريضة أو يدغدغها حين تكون بمزاج عكر.

بعد ثلاث سنوات من عودة الأرملة مديحة بدأت آلام المفاصل تهاجم الآنسة فاطمة، فأصبحت بطيئة الحركة ودائمة الشكوى من مفاصلها التي تضخمت وراحت تسبب لها الأرق، وأصبحت للعجوز شريف مهمة أخرى وهي أن يستدعي الطبيب حين يشتد الألم على الآنسة فاطمة ثم أن يحضر الأدوية الموصوفة من الصيدليات. بعد ذلك بقليل ظهرت أعراض مرض السكر على الآنسة سعدية وهذا الطبيب الشاطر هو الذي شك بوجود المرض من تشخيص الأعراض الظاهرة فطلب فحصاً للدم، وبما أن الآنسات الثلاث لا يخرجن من البيت مطلقاً فقد كان على العجوز شريف أن يحضر ممرضاً خاصاً ليأخذ عينة من دم الآنسة التي بسبب رغبتها في تذوق كل الأطعمة التي كانت تحضرها، امتلأت بعض الشيء.

بسبب اكتشافها لمرضها ازدادت أعباء الآنسة سعدية فقد أصبحت تمضي وقتاً أطول في المطبخ لأنها صارت تحضر أطباقاً تناسب مرضى السكر بالإضافة إلى الأطباق التي تناسب أختيها والجيران والعجوز شريف الذين لا يعانون من هذا المرض اللئيم. في هذا الوقت بالذات، أصيبت الأخت الثالثة، الأرملة "الآنسة" مديحة بمرض خاص، ليس من المناسب استدعاء الطبيب حاييم اليهودي، الذي كان يعالج أختيها من مرضيهما، للقضاء عليه (ثم انه يهودي وهي أصبحت تكره اليهود منذ قتلوا زوجها في فلسطين وأقسمت يميناً مغلظاً بأنها لن تنكشف عليه إن أصيبت بمرض ألزمها الفراش).

هذا المرض الخاص الذي لا يصيب سوى الأرامل من النساء هو مرض الحنين للزوج المتوفى. أصبحت تتطلبه أكثر من أي يوم مضى. أصبح يأتيها في المنام فيجلس معها ويخاطبها وتخاطبه وفي كثير من الأحيان صارت تناديه في اليقظة لتسأله عن أمر خطر في بالها وحين تستدير، بعد أن يطول انتظارها له ليجيب، لا تجده فتعرف أنه غير موجود فتتلبسها حالة اكتئاب مؤلمة فتجهش بالبكاء.

وجدت مديحة أن الأحلام ترضيها وتخفف عنها ألم الفراق أكثر من اليقظة فراحت تكثر من النوم لعلها تقابل الزوج العزيز. أصبحت تمضي نصف يومها في النوم وعندما تستيقظ دون أن يكون قد جاءها في الحلم، فإنها تكتئب وتصمت وتمضي بقية يومها في إطلاق التنهدات والأنين وتصبح رقيقة جداً وتذرف الدموع في أية لحظة. وقد اعتادت الآنسات التحلق حول المذياع في ساعة معينة من المساء لمتابعة المسلسل الإذاعي اليومي "بعد الغروب" وكان قصة رومانسية عن الحب والتضحية وفيه كثير من الدموع. ففي حين كانت فاطمة وسعدية تستمعان وهما تعملان (كانت فاطمة تطرز وسعدية تقشر الباذنجان أو البطاطا) كانت مديحة تنشغل بكفكفة دموعها التي تذرفها بغزارة والتمخط في أحد مناديل المرحوم التي قامت بتطريز اسمه عليها بنفسها وإهدائه إياها أثناء فترة الخطوبة.

أما الأوقات الأخرى التي كانت مديحة تشعر بفقدان زوجها فهي عندما كن يجلسن في الشرفة المطلة على الشارع الرئيسي في فترة ما بعد العصر وحتى ما بعد المغيب، حيث تقل حركة السيارات ويكثر المتنزهون على الأرصفة، وبما أنها تجلس دون أن تشغل يديها ونظرها خلافا ًلأختيها فإن أي زوج من رجل وامرأة يمر قرب الشرفة يجعلها تتحسر على أيام المرحوم حين كان يطلب منها أن ترتدي أجمل ما عندها وتخرج معه للنزهة فتشبك يدها في يده ويسيران بتمهل وهما يتحدثان في أمورهما الزوجية مثل الاسم الذي ينويان اطلاقه على طفلهما الذي سيأتي، رغم تأخر ظهور أعراض الحمل عليها وعدم انقطاع عادتها الشهرية، أو التحدث عن مشاكل الزوج في العمل وغيرها. إن ظهور زوج وزوجة على الرصيف المقابل وهما متشابكي الأذرع يجعل مديحة في حالة حسرة وتألم على الزوج الراحل وتجد نفسها، دون ارادتها، تذرف الدموع وتتأوه وتتنهد فترتفع أعين الأختين المشغولتين في التطريز أو التقشير لتلقيا عليها نظرة حنونة ولكن لفترة قصيرة جداً، ورغم تضامنهما مع أختهما فهما لا تعرفان مدى الحنان والحسرة اللتين تعانيهما مديحة ، فالآنستان لم تجربا الزواج ولم يضمهما رجل إلى صدره ولم يكتب لهما خطيب رسائل غرامية ولم يهمس لهما زوج بكلمات لطيفة ومحببة تدغدغ أعمق أعماقهما.

انتبهت الآنستان إلى أن اختهما الأرملة تمر في أزمة، ولكن ما العمل، كيف يمكن مساعدتها، فمثل هذه الأزمات النسائية التي تعاني منها لا يمكن من أجلها استدعاء الطبيب لكي يعالجها منها؟ فالدكتور حاييم، حتى ولو وافقت مديحة على عرض نفسها عليه، لا يمكن أن يفيدها. كانتا تنتهزان فرصة نومها إلى ساعة متأخرة من الضحى لتجلسا وتتداولا في الأمر وهما منشغلتان في أمورهما. إن من أصعب الأمور مساعدة أرملة فقدت زوجها في عز سعادتها الزوجية حين يعن عليها المرحوم ويحتلها حنين جارف إليه. خطر في بالهما في بداية البحث أن تتحدثا إلى أخيهما الأكبر مدحت ولكنهما وجدتا أنه من غير اللائق فتح مثل هذا الموضوع، الذي يخص عواطف اختهما وحنينها إلى زوجها المرحوم، مع الأخ الأكبر. طال أمد مشاوراتهما عدة أيام، وفي لحظة إحباط، أصيبتا به بسبب عدم وصولهما إلى حل، قررتا أن تستشيرا طبيب العائلة الذي تعرضان عليه مشاكلهما الصحية ابتداء من آلام الروماتيزم وانتهاء بمرض السكر مروراً بآلام الدورة وكسل الأمعاء.

وفي أحد الأيام أرسلتا العجوز شريف إلى الطبيب تدعوانه لزيارتهما لبحث أمر في غاية الأهمية وقد كتبتا على قصاصة من الورق أنه يستحسن أن يقوم بزيارته صباحاً قبل ذهابه إلى عيادته، آخذتان بعين الاعتبار أن تتحدثا معه بحرية، ففي هذا الوقت تكون مديحة في سابع نومة تحلم بفقيدها المحبوب. وصل الطبيب وهو يحمل حقيبته الجلدية المنتفخة بالأدوات اللازمة للمعاينة والتشخيص السريع من سماعات ومطرقة وجهاز زئبقي لقياس الضغط وعدة علب تحتوي كل منها على حقنة قام بتعقيمها بالماء المغلي في الليلة السابقة، كما كانت حقيبته المنتفخة تحتوي على الكثير من نماذج الأدوية الإسعافية مثل مثبطات الألم سريعة المفعول ومهبطات الضغط وغيرها.

أجلستاه في ركن قصي بعيد عن غرفة مديحة ثم قدمتا له القهوة بالحليب مع بعض قطع الحلويات التي قامت سعدية بتحضيرها خصيصاً للمناسبة ثم راحوا يتحدثون همساً. أخذت فاطمة على عاتقها شرح الموضوع للطبيب فليس من المناسب أن تتبارى الآنستان في الشرح خاصة وأن سعدية تفضل أن تراقب رد فعل الطبيب حين يتذوق حلوياتها فلاشيء يمكن أن يسعدها أكثر من أن ترى الآخرين يتلذذون حين يتذوقون شيئاً من ابتكاراتها. أخبرت الآنسة فاطمة المشكلة كلها للطبيب، وعندما انتهت من الشرح انتظرتا لكي تسمعا رأي الطبيب والعلاج الذي يمكن أن ينقذ اختهما الأرملة المعذبة، إلا أن الطبيب استمر في التهام الحلويات لأنه أحبها فعلاً وأدخل السعادة إلى قلب الآنسة سعدية. وعندما استمر الصمت قامت فاطمة بطرح سؤالها على الطبيب بشكل مباشر. قالت فاطمة:

- نحن نريد رأيك يا دكتور، فأختنا مديحة تتعذب ولم نجد أحداً غيرك لاستشارته. فقال الطبيب:

- إنني لا أجد مشكلة طبية في ما سمعت فأنا، كما تعلمين يا آنسة فاطمة، طبيب أبدان ولست بطبيب قلوب ولا أفهم في القضايا العاطفية. بالنسبة لي الحنين هو كيمياء غير مفهومة وإذا أردتما يمكنني أن أكتب لها وصفة من مهدئات الأعصاب. فقالت فاطمة بنبرة إقناع قوية:

- ولكننا نريد رأيك ليس كطبيب للعائلة فحسب بل كصديق، فأنت الشخص الوحيد الذي نثق به ونعرض عليه أعضاءنا المريضة، وكما تعلم فإن بيتنا ممنوع على الغرباء من الرجال باستثنائك واستثناء ذلك العجوز شريف الذي يخدمنا. إننا نطلب مساعدتك في أمر لا علاقة له بالطب والأطباء، بل له علاقة بالنفس البشرية الضعيفة. فكر الطبيب لفترة ثم قال:

- ماذا يمكنني أن أقول، فليس بالإمكان إعادة الصهر المتوفى فهذا يتعارض مع قوانين الطبيعة، كما لا يمكن نصحها باللحاق به فهذا غير منطقي ويتعارض مع مهمتي كطبيب. انني أنصح بأن تجدن لها عريساً جديداً.

- عريس جديد؟ رددت الآنستان باستغراب، إن هذا يتعارض مع عاداتنا وتقاليدنا، ففي كل تاريخ العائلة لم يحدث أن تزوجت امرأة من جديد بعد أن تكون قد عادت إلى بيت أهلها أرملة.

حولتا الحديث إلى مشاكل الروماتيزم والسكر ثم شكرتاه على تجشمه عناء المجيء في إشارة إلى أن عليه أن يرحل فنهض يحمل حقيبته وعند الباب لم ينس أن يمتدح براعة سعدية في صنع الحلويات.

اقتراح الطبيب حاييم جعلهما مستفزتين بل غاضبتين، واعتقدتا بأنه عاملهما باستهتار. إن مجرد الحديث في بيت العائلة عن البحث عن عريس لإحدى نساء البيت يعتبر استهتاراً واستخفافاً بالجد الأكبر الذي بنى هذا البيت منذ أكثر من قرن ووضع قوانينه. وبمناسبة الحديث عن القوانين واحترامها فلا بأس أن نقول بأنها لم تخرق مرة واحدة طوال كل هذه الفترة ويكفي أن نعلم بأن الجد الأكبر كان قائداً عسكرياً صارماً مشهوراً بتعلقه الشديد بالنظام وقد خضع إلى دورات عسكرية عليا في كل من استنبول وبرلين، وكان قائداً لوحدة مدفعية في معركة "جناق قلعة" وحصل على أوسمة عديدة مكافأة له على انتصاراته المدهشة على العدو، وعندما وضع قوانين البيت فإنه وضعها ليلتزم بها الرجال والنساء على السواء، وعلى رأس هذه القوانين أن يصوم الشاب أو الفتاة من العائلة عن الزواج إن لم يأت "النصيب المناسب"، وبسبب هذا القانون فقد مات العديد من أفراد العائلة عانسين. و "النصيب المناسب" يعني أن تتم صفقات الزواج مع عوائل متساوية من حيث المكانة والملاءة، وإن لم تتوفر امكانية لمثل هذه الصفقات فعلى الشبان والشابات أن يهتموا بخدمة البيت والعائلة والسلام.

لقد قام الأب بتزويج الأخ مدحت بفتاة من عائلة مقربة جداً من الأب ولها مكانتها في البلد حتى أن أحد أفرادها قد وصل إلى مناصب عالية في الدولة. ثم إن مديحة قد تزوجت مصباح لأنه من عائلة عريقة ولأنه صديق أخيها مدحت ويعرفه جيداً وقد ألح مصباح كثيراً على مصاهرة مدحت حتى استطاع أن يجعله يوافق، ورغم أنه من عائلة لم تعد تملك الكثير (كان آخر الولاة العثمانيين للمدينة قد صادر معظم أملاك أجداده لأسباب تعود إلى الشك في الولاء) فقد وافق مدحت لأن الشاب كان ينشط في التجارة بشكل مستقل، إلا  أن الحماس القومي الذي ظهر عليه بشكل مفاجئ أدى إلى مقتله فرمّل مديحة وخلق هذه المشكلة التي تنطعت الآنستان لحلها.

في إحدى المرات كان العجوز شريف يثرثر مع سعدية في المطبخ بعد أن جلب ما كانت قد أوصته عليه من مشتريات كانت تحتاج اليها لصنع أطباقها الشهية. كان في كل مرة يأتي بها بالتواصي يجلس مع الآنسة سعدية في المطبخ لنصف ساعة يتحدث خلالها عما يجري في المدينة بلسان العارف الثرثار وهو يلتهم ما تكون الآنسة قد حضرته مسبقاً من أطباق المشهيات والحلويات ثم يأخذ السلة المليئة بحافظات الأطعمة التي تكون قد ملأتها بما قامت بتحضيره ليوزعها على بيوت معينة. كانت سعدية، كما أشرنا، تحرص على ارسال الأطعمة إلى بعض الناس رغبة منها في أن يشاركوها متعة تذوقها، ثم إن الأمر لا يخلو من خدمة إنسانية لبعض فقراء الحي ونوع من التواصل الإنساني مع البعض الآخر الذي قد لا يكون بحاجة إلى صدقة ولكن العادات والتقاليد تحبذ تبادل الأطباق (كانت سعدية ترفض تذوق أي من الأطعمة التي يرسلها الآخرون). إذاً، كان العجوز يثرثر في المطبخ عندما جاء على ذكر تحضير الأرواح، وكانت المناسبة التي كان يتحدث عنها هي أن بعض أقاربه قد مات لهم شخص عزيز بشكل مفاجئ، وكان قد أخفى قبل موته كل ثروته ومدخراته وبعض الأمانات التي كان البعض قد أودعها لديه، فقد كان أميناً وحسن السيرة، في مكان لم يستطيعوا اكتشافه رغم أنهم لم يتركوا مكاناً أو ثقباً إلا وبحثوا فيه. وأخيراً قرروا، بعد أن عجزوا، أن يستدعوا اختصاصيةً في تحضير الأرواح لتحضير روح الميت لسؤاله عن المكان الذي أخفى فيه الأموال.

كانت الآنسة فاطمة جالسة في الصالون تطرز على الطارة حين لفت انتباهها موضوع تحضير الأرواح فتركت الطارة على المقعد الوثير وجاءت إلى المطبخ لتنضم إلى سعدية في الاستماع إلى بقية الحكاية، فعرفت بأنه تم تحضير روح الرجل التي كشفت لهم عن المكان الذي أخفى فيه الرجل الثروة، وكان، بالمناسبة، في حفرة في حديقة المنزل وبالضبط تحت شجرة "زنزلخت" كانت غرست لتأمين الظل في أيام القيظ. وبالفعل فقد حفروا في المكان المعين فوجدوا صندوقاً يحتوي على كل الأموال.

نظرت الآنستان كل في عيني الأخرى دون أن تنبسا بحرف فقد فهمت كل منهما بأن حل مشكلة الحنين عند أختهما الأرملة متاح لهما وبين أيديهما، فراحتا تسألان العجوز عن تلك الاختصاصية في تحضير الأرواح وهل يعرفها وهل يمكن الاستفادة من امكانياتها وكيف تظهر الروح حين تحضر وهل يمكن التحدث معها وعشرات الأسئلة التي تخطر في بال من عنده مشكلة ولا يمتلك حلاً لها. وعدهما العجوز بأن يهتم بالأمر ويذهب شخصياً إلى المرأة ليفهم منها كل شيء، ويكفي أن تمهلاه عدة أيام ليأتي بالأجوبة على كل هذه الأسئلة، ثم حمل السلة ورحل تاركاً الآنستين في حالٍ من الأمل بأنهما وجدتا الحل المناسب لمشكلة مديحة، وهو استحضار روح الزوج العزيز لتتمكن من إفراغ حنينها واشتياقها واستفقادها لزوجها في روحه.

سار كل شيء على ما يرام وساد البيت أجواء من الترقب والفضول، ثم جاء شريف العجوز بالأجوبة الشافية على أسئلة الآنستين فقال:

- لقد قابلتها، وهي امرأة معروفة جداً ومشهورة بضرب المندل وتحضير الأرواح. اسمها "الشيخة عزيزة" وهي امرأة محسنة تهب كل ما تجني إلى الفقراء، ولا تقوم بعملها إلا خدمة للخير. إذا ما طلبها أحد لاستحضار روح شخص ما فيجب أن يكون من أجل فعل الخير وليس الشر.

حدثهما عن أمور كثيرة استطاع أن يحصل عليها من الشيخة عزيزة بالذات إلا أنه لم يستطع أن يشفي غليلهما لمعرفة أمور أخرى تتعلق بتحضير الروح فالشيخة رفضت الإفصاح عن سر موهبتها وكيف تتجلى إلا أن الآنستين صرفتاه وطلبتا منه أن يحضر في الغد كالعادة لأنهما قد تطلبان منه أمراً محدداً. وفي المساء وبعد أن استمعن إلى حلقة جديدة من مسلسل "بعد الغروب" حين ذرفت مديحة بعض الدموع بكل صدق، أطفأن المذياع ثم انتقلن إلى الشرفة التي تطل على الشارع وهناك فاتحتا مديحة بالموضوع. اندهشت الأرملة في بادئ الأمر ورفضت التصديق بأنها تستطيع التكلم من جديد مع زوجها الحبيب، ولكن بعد شرح مستفيض وبعد أن أعدن إلى أسماعها ما كان قاله شريف العجوز عن امكانيات الشيخة عزيزة اقتنعت مديحة وطلبت منهما أن يهملاها بعض الوقت للتفكير قبل أن توافق على استحضار روح مصباح الحبيب. والحقيقة هي أن مديحة قد ارتعبت من الفكرة، فليس من السهل على أرملة ناعمة تذرف الدموع بسهولة شديدة مقابلة روح زوجها المتوفى وجهاً لوجه. قال شريف العجوز بأن الروح لن تظهر ولكن سيظهر أثرها وستدل على حضورها، ثم انها سوف تتلبس جسد الشيخة عزيزة وستتحدث بصوتها، ولكن قد تمد الروح يدها وتتلمسها باشتياق وهذا ما لا قدرة لها على تحمله. ان استحضار الروح هو استحضار لعالم الموت، ومقابلتها هي مقابلة لشخص ميت وهذا ما جعل مديحة ترتعد خوفاً وهي جالسة في سريرها ليلاً بعد أن بدأ النوم يجافيها. ثم ماذا لو تعلمت الروح طريقها إلى غرفة نومها وأصبحت تأتي كل ليلة لتدل على وجودها بصوت قرقعة أو بتحريك قطع الأثاث أو قد تبدأ بالمزاح (كان، رحمه الله، يحب المزاح وصنع المقالب) كأن يطفئ النور فجأة وهي سهرانة وحيدة في غرفتها ، أو يشعل النور بعد أن تكون هي قد أطفأته وأوت إلى السرير أو ربما تجرأ ودخل إلى الحمام وهي تستحم أو أن يفاجئها وهي عارية فهو الآن محرم عليها وهي محرمة عليه.

فجأة سمعت قرقعة من داخل خزانتها فانتفضت وقد اقشعر بدنها وانتصب الزغب على جسدها فتركت النور مشعولاً خوفاً من الظلام واندست في السرير وسحبت الغطاء إلى ما فوق رأسها. راحت ترتعد منكمشة تحت غطائها وقد شنفت آذانها لالتقاط أي صوت أو حركة أو قرقعة أو طقطقة، فسمعت ما يهيأ لها أنه وقع أقدام في الغرفة ثم صوت اصطدام شيء ما بمقعد حتى أنها شعرت وكأن يداً تتلمس الغطاء فكادت تبول في سروالها. من خوفها قررت أن تريح نفسها فصرخت، دون أن تخرج رأسها من تحت الغطاء، بمصباح وطلبت منه أن يتركها وشأنها لأنه يخيفها، وبما أن المرحوم كان لطيفاً معها باستمرار وكان يخاف على مزاجها أن يتعكر فقد تجرأت على إعطاء الأوامر له بصيغة صارمة لكي يرحل، وما هي إلا لحظات حتى أحست بأن الأصوات الغريبة قد توقفت ولم تعد تشعر باليد تملّس على غطاء السرير، فأزاحت طرف الغطاء قليلاً عن عينيها لتتمكن من النظر دون أن تشعر الروح بأنها تنظر فوجدت أشياء الغرفة وأثاثها كما تركتها قبل الاستلقاء، حينئذ أزاحت الغطاء عن رأسها بشكل كامل ثم استندت على مرفقيها ورفعت نفسها وراحت تنظر إلى كل الجهات فلم تجد أي أثر يدل على وجود روح المرحوم، ثم تجرأت فنزلت عن السرير وذهبت إلى الخزانة ففتحتها فلم تجد شيئاً مريباً. إلا أن كل هذا لم يطمئنها فقد ظلت سهرانة حتى الصباح تتلقط أي صوت مهما كان حتى لو كان دبيب نملة فتعود لرفع رأسها للنظر وتفقد الغرفة.

بقيت نائمة حتى الظهيرة وعندما استيقظت أخيراً شعرت بالراحة لأن ضوء النهار، كالعادة، يشيع الطمأنينة في النفس، فنهضت وارتدت ثيابها، وعندما خلعت ثياب نومها وأصبحت شبه عارية تلفتت إلى هنا وهناك خوفا ًوخجلاً إلا أنها شعرت بسخف ما كانت تشعر به وأحست بطمأنينة مفاجئة، فكم هي الحياة مريحة بدون هاجس وبدون خوف. وقارنت بلمحة سريعة حياتها الاعتيادية بما يمكن أن تكون عليها حياتها إذا ما قررت أن تستحضر روح زوجها فوجدت أنها في نعيم.

عندما خرجت إلى الصالون وجدت أختيها جالستان وهما تعملان في التطريز والتقشير، وفي الحقيقة فقد كانتا في انتظارها لتسمعا منها قرارها حول استحضار روح مصباح إلا أنها أهملت الأمر وكأن شيئاً لم يكن ولم تتحدث في الموضوع فتركتاها في شأنها. أما بعد العصر، وبينما كن جالسات في الشرفة فقد وجدت أن عليها قول شيء عن الموضوع لأنها تعتقد بأن أختيها تنتظران قرارها. قالت لهما بأن عليها أن تحترم هدوء روح المرحوم وسكينته وإن استحضار روحه سوف يشوش حياتها بعد أن تعودت على فراقه وسوف يجعله حزيناً على فراق الحياة وسيأسف لموته بعد أن اعتاد على وضعه الجديد.

هزت الآنستان رأسيهما توافقانها على رأيها، ومنذ ذلك اليوم أصبحت الأرملة مديحة أفضل حالاً ولم تعد إليها الكآبة ولم تعد تشكو من الحنين إلى زوجها المرحوم، إلا أنها لم تعدم بعض الدموع التي تذرفها من وقت إلى آخر.