القصة القصيرة

Print

البيت الكبير

توقفت العربة أمام بوابة البيت الكبير. كان على السائق ان ينزل منها ليفتح البوابة ومن ثم يقودها إلى الداخل. رحت أراقبه يدفع فردتي البوابة بعزم وبكلتا يديه فقد كانت تتسع لمرور هذه العربة ذات الحصان الواحد. كنت أعرف البيت ولكن من الخارج فقد كانت أمي تتعمد المرور في نفس الشارع في بعض الأحيان أثناء خروجنا للنزهة. كان للبيت جدار عالٍ يحجب أجزاءه الداخلية وباحتيه الواسعتين عن أعين المتطفلين من المارة، كما أن الجدار لم يكن يحتوي على نوافذ أما بوابته فقد كانت تشبه بوابة السجن أو مدخل ثكنة الدرك عند سفح القلعة. وعندما أصبحت في التاسعة قالت لي أمي ونحن نمر بحذاء الجدار العالي إنه في هذا البيت يسكن جدي وجدتي وكل أعمامي وعماتي وأزواجهم وأولادهم. ومنذ ذلك اليوم تحول البيت الكبير إلى لغز غامض بالنسبة لعقلي الطفلي وأصبحتُ أرجوها أن نمر في الشارع لألقي في كل مرة نظرات فاحصة إلى حجارته وبوابته التي لم أرها مفتوحة ولا مرة واحدة. كنت أتعمد البطء في السير لعل أحداً من أقاربي يفتح الباب الصغير ضمن البوابة والمخصص لمرور الأشخاص ولكن، للأسف ظل ما وراء الجدار يشبه إلى حد كبير ذلك المكان الذي ذهب اليه أبي بعد أن تلقى طلقة في صدره فقالوا إنه مات.

Print

آنستان وأرملة

عندما اندلعت حرب الثمانية وأربعين ركب الحماس السيد مصباح بشكل مفاجئ فانضم إلى جيش الإنقاذ وسافر وهو يعلق بندقيته على كتفه إلى فلسطين، ولكن سرعان ما جاء خبره في رسالة قصيرة من القيادة موجهة إلى زوجة البطل الشهيد فعرفت مديحة أنها ترملت وهي عروس شابة لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها، فعادت إلى بيت أهلها لتنضم إلى أختيها العانستين فاطمة وسعدية.

Print

حلب: العيد والموسيقا

عندما كنت صغيراً كنت أنظر إلى الكبار نظرة حسد، فهم يقضون أوقاتاً أطيب في المناسبات وخاصة في الأعياد، وعندما صرت كبيراً أصبحت أشتهي أن أكون صغيراً فالأعياد وجدت ليحتفل بها الصغار بطريقتهم البريئة تلك والتي بدونها لا يمكن تذوق متعة العيد.

العيد يقترب،

هناك مسافة طويلة يجب على الأطفال أن يقطعوها ما بين البيت والفرن. لصناعة كعك العيد نحتاج إلى "الصوج" وهذه لا يقوم رب البيت بشرائها وتخزينها رغم أننا نحتاجها قبيل كل عيد. يجب استعارتها من الفرن والأطفال هم من سيحملها فارغة من الفرن إلى البيت ثم مليئة في الاتجاه المعاكس. وحفلة صناعة الكعك وخبزه في الفرن تدخل في باب الاشتهاء والانتظار والفوضى اللذيذة التي تصاحبها. عندما أحضرت حصتي من "الصوج" فضلت الجلوس على المصطبة العالية ومراقبة النساء المنهمكات بالعجين. عمتي سعاد كانت تتلقف قطعة العجين ثم تبرمها بيديها الاثنتين على لوح خشبي لتصبح فتيلة وبحركة بارعة تدورها على شكل رقم خمسة. تصبح الكعكة جاهزة التكوين حين تكبس سعاد باصبعها على طرفي الفتيلة بعد أن تدوّر.

Print

صورة وثوب حرير وقارورة عطر

في إحدى المرات, وبينما كان أصحاب البيت غائبين, استطاع احد اللصوص الوصول الى فرندة الطابق الثاني بخفة ونشاط ثم قام بقص دائرة في زجاج الباب تتسع ليده بوساطة أداة خاصة ودخل الى الشقة. انتقل فوراً الى غرفة نوم الزوجين وراح يعبث في الخزانة والجوارير باحثاً عن المصاغ والمجوهرات, الا انه أثناء ذلك وجد الخزانة مملوءة بثياب الزوجة الحرير فوقف يتشممها ثوباً ثوباً فتملكه سحر طغى على قلبه فرَّق حاله. أمضى وقتاً طويلاً وهو يفعل ذلك, إلا انه تذكر ما جاء من أجله فترك الثياب وعاد للبحث عما خف وزنه وغلا ثمنه, فانتقل الى الخزائن الأخرى وقبل أن يفتحها وجد بروازاً فيه صورة امرأة مركوناً بجانب السرير فجلس وقرّب البطارية التي كان يستعين بها لإنارة طريقه وراح يتمعن في الصورة.