القصة القصيرة

Print

ما حصل لسامي ريشي

ما حصل لسامي ريشي

قصة

 

كما علمه أبوه أن يفعل كل ثاني يوم، استيقظ سامي في السادسة صباحاً وذهب للاصطفاف في طابور المنتظرين أمام الفرن لشراء الخبز. عندما عاد في الساعة السابعة كان أبوه وأمه وأختاه ما زالوا نائمين. لف الخبز بثوب قديم كانت أمه ترتديه لأبيه حين يعود من العمل ثم ركنه على الدكّة الحجرية ثم دخل إلى المرحاض ووقف يبول مقنطراً بوله الغزير إلى الفتحة التي خرج منها في أحد الأيام جرذ وعاث فساداً في البيت.

حدث انفجار رهيب اهتز له البيت بكامله وانقذف سامي إلى جدار المرحاض بقوة لا ترحم في الوقت الذي اندفع فيه تيار من الهواء الساخن والأتربة وقطع الحجارة والأخشاب والزجاج والدماء ولا يعرف غير الله ماذا أيضاً من طرف النوافذ المطلة على الشارع مروراً بغرفتي النوم والصالة ثم الممر الواصل إلى المطبخ والمرحاض.

هرع المسعفون من الجيران والمارة إلى المبنى المصاب وقد لاحظوا كيف أن واجهة المبنى قد انهارت بشكل كامل وعندما دخلوا إلى بيت سامي من خلال الباب المحطم اكتشفوا أربع جثث مشوهة مدفونة في الحطام ثم اكتشفوا سامي مغمى عليه على أرض المرحاض وثيابه ملوثة بالبول والدم.

نقلوه بشاحنة دايهاتسو صغيرة إلى مشفى سري تديره مؤسسة أطباء بلا حدود. هناك اكتشف الطبيب الإيطالي الذي استلمه أول وصوله كسراً في الكتف الأيسر ونزيفاً في الأذن اليمنى وارتجاجاً في الدماغ وجروحاً أخرى لا قيمة لها. لم تكن حياته في خطر ولكنهم أبقوه تحت الملاحظة في ركن في أحد الأقبية الملحقة بالمشفى ريثما يفيق من غيبوبته.

عندما فتح عينيه بعد ثلاثة أيام وجد سامي جدته تصلي وهي جالسة على كرسي بجانب سريره عندئذ قطعت الجدة صلاتها لتحتضنه وتنهال عليه تقبيلاً بفمها الأجرد فقد كانت قد نسيت طقم أسنانها في البيت حين هرعت، عندما جاء من يخبرها بالقذيفة، إلى المقبرة أولاً لتدفن ابنها وكنتها وحفيدتيها ثم إلى المستشفى لتعتني بحفيدها.

في اليوم التالي طلب الطبيب الايطالي من الجدة أن تأخذ حفيدها إلى البيت فالمكان ضيق وسيل الجرحى لم يكن يتوقف.

نقلته الجدة إلى بيتها الكائن في "صلاح الدين". كان البيت عبارة عن ثلاث غرف إلا أنها وقبل سنة من الآن كانت قد استقبلت امرأة مع طفلها ذي السنتين ليشغلا إحدى الغرف بينما شغلت الجدة الغرفة الأخرى وتركت الثالثة للجلوس ومشاهدة التلفزيون حين تأتي الكهرباء. ولكن الكهرباء قلما تأتي فكانوا يمضون أغلب الليالي جالسين على ضوء الشموع. كان بيت المرأة التي تدعى فدوى قد دمر تماماً بينما زوجها الشاب قد اختفى عند أحد حواجز الجيش عندما كان عائداً من العمل. وكما كانت تقول: تشندلنا.

تحولت الكنبة في غرفة الجلوس إلى سرير لسامي.

شيء غريب طرأ على سامي بعد الحادث فقد أصبح مقلاً في كل شيء. أصبح أكله قليلاً وشربه قليلاً وكلامه معدوماً تقريباً. أصبحت فدوى تساعد الجدة في العناية بسامي، وكانت قد سألت الجدة عن عمر الولد فأخبرتها بأنها لا تتذكر في أي عام ولد ولكنه ربما في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة. ولكنه في الواقع في الرابعة عشرة. ابتسمت فدوى وقالت بأنه ما يزال صبياً صغيراً وهي لن تتحجب أمامه.

كان سامي أيضاً يطيل النظر إلى الأشياء. يحدق بصمت ولا ينبس بكلمة. في البداية شعرت فدوى بالحرج حين كانت تراه يحدق فيها بدون أي تعبير على وجهه ثم لم تعد تهتم، فهو مريض.

- سقم وعمى حالنا هذه الأيام، قالت فدوى للجدة وهي تشير برأسها إلى سامي، هذه الحرب لم تكن على البال.

زفرت الجدة بحزن وأسى فقد فقدت أصغر أولادها وعائلته أما أولادها الثلاثة الآخرون فيعلم الله أين هم الآن. قررت أن تصلي فهذا أفضل شيء يمكن القيام به في الوقت الحالي.

سعيد كان اسم الطفل وكان سعيداً لأنه لم يكن يفهم ما  كان يجري في المدينة، ثم أن أمه لم تكن تضربه حين يتبرز في ثيابه. وقد حسب أنه كسب شخصاً يلعب معه حين عادت الجدة ومعها سامي يحمله بعض المتطوعين من أصحاب النخوة، إلا أنه سرعان ما اكتشف أن هذا الشخص لا يلعب ولا يحكي ولا يضحك ولا يبكي، كان فقط ينظر إليه بدون أي انطباع على الوجه. مسطّح.

Print

الزنزانة رقم خمستاش

سوف أصف بالتفصيل كل ماجرى لي في قبو المخابرات، وأرجو ألا يظنّ أحد بأنني شخص جبان أو خائن. لو كنت جبانا لما خرجت في المظاهرات ولما وضعت نفسي في موقف خطير كما هو الآن، رغم أنني لا أعرف حتى الآن لم يعتبرون المشاركة في مظاهرة جريمة تستحق كل هذا. كنا جالسين انا وحامد في بيته ندخن الأركيلة ونضحك حين سمعنا طرقا قويا على الباب. فتحت الباب أخت حامد فسمعنا جلبة وصراخا ثم ولاويل الاخت ثم صراخ الأم والأب ثم انفتح باب غرفة نوم الأولاد حيث كنا ممددين على السريرين ندخن ودخل ثلاثة رجال ضخام. لم ينتظروا إذنا من أحد بل هرعوا الينا وجرونا غير آبهين بأركيلتي التي انقلبت وتبعثرت. حاول أهل حامد منعهم من أخذنا ولكن الأب تلقى صفعة على رأسه وتلقت الأم بصقة في وجهها فاستسلمنا لهم جميعا.

Print

قصة الأستاذ

بينما كنت أخلع ثياب الخروج وارتدي شيئا بسيطا ومريحا يساعدني على الاسترخاء سمعت اطلاق نار قادما من مكان غير بعيد عن الحي. خرجت الى البلكون الصغير المطل على الحارة لأفهم سبب هذا الاطلاق. وجدت الجارة التي تسكن في العمارة التي أمامنا وقد وضعت منشفة المطبخ على رأسها لتخفي شعرها بينما تحمل طفلها الذي لم يتجاوز السنة، وكانت مثلي تحاول ان تفهم مايجري. سألتها وانا أحاول الا أنظر الى جيدها المكشوف والذي نسيت ان تخفيه بمنشفتها:

Print

قبلة الملكة

سمعت صوتاً خشناً لرجل في الخمسينيات يقول ان الحرارة ماتزال مرتفعة وانه من الواجب ابقاء احد ما إلى جانب السرير ليسهر عليه (أي علي أنا) وليضع على جبينه كمادات ثلجية. ضحكت عليه ثم عدت الى الزحف وانا اتطلع إلى الرابية التي وقفت عليها الملكة. كانت واقفة رافعة يداً واحدة ولكن النور كان يشع من كل جسمها. خفت ان يسبقني الباقون وانا اتابع الرجل ذي الصوت الأجش. نظرت إلى جانبيّ والى خلفي. لم يكن عدد الزاحفين قد قل. جميعنا نتسابق للوصول إلى الرابية التي تبقى بعيدة رغم اننا نزحف منذ الليلة الفائتة.