|
|
الفصل الأول حكاية الحكاية أو مقدمة أو تمهيد أو أي عنوان اعتاد مؤلفو الروايات استهلال رواياتهم
هذه هي الدنيا، غريبة جداً، وأغرب شيء فيها هي حكاياتها التي قد تسمعها من هنا وهناك. لم أتصور نفسي يوماً حكواتياً أجمع حولي الناس لأحكي لهم قصة سمعت بها أو شاهدتها بنفسي. هذا محض هراء، فأنا لا أجيد فن القص وسرد الحكايات، ولكن الحياة، هذه الغريبة التي نتمسك بها، تعطي الواحد منا مهمة وهو يحسب أنه لم يخلق لمثل هذه المهمات، وقد أعطتني هذه الغريبة مهمة عجيبة ألا وهي أن أحكي..أن أسرد عليكم حكاية غريبة سمعتها في ساعة أشد غرابة من الحكاية ذاتها. أنا موظف في المصرف الزراعي، رئيس قسم فيه، أي أنني لست مديراً للمصرف ولست موظفاً صغيراً فيه أو محاسباً جل همه أن يجعل طرفي الميزانية السنوية رقمين متساويين فيتنفس رؤساؤه الصعداء حين يتم تحقيقهما. أما الفلاحون فقد اعتادوا على نعتنا، أنا وزملائي، بالخبراء. فقد كانت مهمتنا أن ننطلق بسيارة لاندروفر إلى الحقول لتدقيق تنفيذ الخطة الزراعية وتقدير المساحات المزروعة وتقديم القروض الزراعية للفلاحين، من بذار و أكياس فارغة وغيرها من الأمور التي أجيد تماماً الحديث فيها، وقد كنت أتمنى أن يكون ما أكتبه في هذا الموضوع بالذات، لكنت قدمت لكم تحفة علمية مزينة بالأرقام الدقيقة، ولكن.. (وهذا ليس للأسف) فقد شرعت في القيام بأمر آخر ألا وهو كتابة حكاية.. نعم حكاية. لا تضحكوا أرجوكم.. يكفيني ما أشعر به من إحراج كبير بسبب شروعي بهذا العمل الذي لم أخلق من أجله ولم يخطر في بالي أنني سأمسك القلم يوماً لكتابة النثر الأدبي عوضاً عن التقارير الزراعية وشروحات الخطط الفلاحية التي أصول فيها وأجول كفارس حقيقي. ولكن من يعلم، فقد تحبون ما أكتبه هنا، لأنه ليس من اختراعي أو كما يقول الأدباء من بنات أفكاري وخيالاتي (المزدحمة عادة بالأرقام)..بل كل ما هنالك أنني سمعت ما سأرويه واضطررت لكتابته وسأشرح لكم لاحقاً (كما اعتدنا أن نقول في المصرف الزراعي) كل حيثيات الموضوع.. سادتي. حدث ذلك في الشتاء الماضي حين كنا نتنقل في سيارة اللاندروفر بين القرى في مهمة من تلك المهام الوظيفية الشاقة. كنا ثلاثة، السائق ومساعدي الأستاذ تميم وأنا. كنا قد أنهينا العمل في إحدى القرى وانطلقنا قبيل الغروب في اتجاه قرية أخرى، اسمها قرية أبو الفدا. وللوصول إليها كان علينا أن نعود إلى طريق الإسفلت الضيق ونسوق فيه عدة كيلومترات ثم كان علينا أن نخرج منه مرة أخرى ونتوغل باتجاه الشرق على طريق ترابي ملعون. كانت تلك فكرتي، فقد كان علينا أن نبيت في القرية الأولى حتى الصباح، ولكن رغبتي الملحة في الانتهاء من آخر قرية قبيل ظهيرة اليوم التالي، وذلك للإسراع في العودة إلى حلب، دفعتني إلى الإصرار على الخروج في ذلك الطقس العاصف والماطر، فقد كان ماطراً وبارداً والجو معتماً حتى قبل أن يحل الليل. أما زجاج السيارة فقد كان يعلوه الغبش من جراء الرطوبة العالية وبسبب تنفس ثلاثة رجال محصورين فيها. كنا نجاهد لكيلا يبين خوفنا، ثم كان علينا أن نمسح بأيدينا الغبش عن الزجاج لكي يتمكن السائق من رؤية الطريق بعد أن ازدادت حدة الرياح والهطل المخيف. كانا يجاهدان ليصمتا، فقد كانت لدى زميلي ولدى السائق رغبة في الصراخ في وجهي واتهامي بالغباء والتهور. زاد في الطين بلة تعطل السيارة المفاجئ. أحسست بعرق بارد ينسل من جبيني وتحت إبطيّ. حاول السائق إعادة تشغيل السيارة عدة مرات دون جدوى، فهذه اللاندروفر النشيطة والتي أنقذتنا مرات عديدة في ظروف جوية أسوأ، تحولت إلى قطعة حديد جامدة وكسولة. أشعل السائق البطارية اليدوية ونزل. فتح غطاء المحرك وراح يعبث به وهو يطلق الشتائم. - عاهرة ابنة عاهرة هذه المصلحة. ابتسمت ونظرت إلى الخلف أشجع معاوني الأستاذ تميم على الابتسام، ولكنه نظر إلي نظرة كلها كراهية، ثم أشاح بوجهه عني وهو يردد: حسبي الله ونعم الوكيل.. مسح زجاج النافذة بكم سترته وحاول النظر إلى الخارج. امّحت ابتسامتي وتابعته لألقي نظرة بدوري ولكن نظري اصطدم بحائط مظلم تشوبه خيوط السيول المنهمرة والتي استطاعت البطارية أن تلقي عليها بعض الضوء الهارب من صندوق المحرك. ارتعدت حين أغلق السائق غطاء المحرك بقوة، فقد أراد أن يخبرنا بالنتيجة بكل استخفاف وانتقام قبل أن يدخل مبللاً من رأسه حتى أخمص قدميه. جلس في مكانه وهو يضيء وجهي بنور بطاريته وقال من بين أسنانه: - لا فائدة يا أستاذ، السيارة معطلة. ظللت صامتاً لفترة طويلة وأنا أتمنى أن يطفئ البطارية كي أخفي حرجي. كانا ينظران إلي وكأني قرد في سيرك، أو كأني سآتي بحل سحري لمشكلتنا. طلبت منه أن يطفئها مبرراً بأن علينا الاقتصاد بالنور ثم تنفست مهموماً أردد بعض الكلمات الشائعة والتي تنبئ الآخرين بأنني أفكر بحل، بينما كنت على يقين تام من فراغ رأسي وعجزي عن تقديم أي اقتراح آخر.. فمن مساوئ كون المرء موظفاً أن يتعرض إلى شتائم وسخرية الآخرين، دون أن يستطيع أن يطلب ممن حوله الكف عن ذلك لأنه لو فعل فسيدفعهم حتماً للضحك عليه بصوت عال وسيفقد احترامهم له إلى الأبد (وقد حلمت فيما بعد بتلك الواقعة عدة مرات وكنت أرى خلالها الأستاذ تميم والسائق يضحكان علي وأنا أذوب من الخجل، وقد كانت زوجتي تضطر إلى إيقاظي من شدة تشنجي وانكماشي في السرير). ما العمل الآن..؟ سمعتهما يسألانني، فمادمت قد أمرت بمغادرة القرية الأولى، ومغادرة الكوخ الدافئ والمضافة العابقة برائحة القهوة المرة وبنظرات ابنة مرهج الحارّة التي كانت تسددها نحو الأستاذ تميم، تقترح بها (عليه طبعاً) أشياء وأشياء.. مادمت فعلت كل ذلك فعلي الآن أن أجد الحل المناسب لهذه الورطة التي أوقعتهما وأوقعت نفسي فيها. قبل أن أتابع في سرد حكايتي هذه، أجد لزاماً علي أن أحكي شيئاً عن ابنة مرهج هذه (وليعذرني القارئ بسبب هذه الاستطرادات فقد حذرته منذ البداية بأنني لا أفقه شيئاً في أساليب كتابة الحكايات بشكل أدبي صحيح، ثم إن علي أن أقول ما يخطر في بالي فوراً وإلا فاتت القارئ بعض الحقائق التي أرى من الواجب الإشارة اليها قبل نسيانها). مرهج هذا رجل طاعن في السن، يقترب من السبعين من عمره ومتزوج من ثلاث نساء. لا يفعل شيئاً طوال اليوم سوى الجلوس في مضافة أبي جاسم الذي عينته الحكومة مختاراً على القرية بعد أن مات مختارها الشيخ أسود ومنعت ابنه من أن يستلم المختارية من بعده بالوراثة كما جرت العادة. والسبب هو أن ابن الشيخ أسود لم يكن محبوباً لسبب ما من مدير مكتب الفلاحين في الناحية. أما مرهج هذا فلم يرزق بأولاد ذكور رغم زواجه من الثانية والثالثة لهذا السبب بالذات، فظلت زوجاته الثلاث يحبلن ويلدن حتى صار عنده عشرون ابنة. وبما أنه لم يرزق ببنين ليعملوا في الحقل، فقد أمر بناته بالقيام بأعمال الفلاحة والزراعة والحصاد أو بخدمتنا حين نحضر وذلك تبرعاً منه. كان يأمر إحدى بناته بأن تلبي لنا أي طلب، مثل إحضار الماء من البئر أو الطعام من البيت وتنظيف المضافة التي نبيت فيها حين نحضر، وغيرها من الأعمال. كان الأستاذ تميم يصر على العودة إلى قرية ابي جاسم وابنة مرهج في كل مرة نكون في مهمة في الحقول القريبة. ولم يلبث الأمر إلا أن انكشف لي، فقد كانت ابنة مرهج تسدد إليه نظرات حارة وابتسامات ذات معنى، ثم تخرج من المضافة ليلحقها زميلي بعد دقائق ولا يعود إلا بعد أن ينتصف الليل..كان يعود ويسرع ويندس في فراشه ولا ينبس ببنت شفة مخافة أن ينفضح أمره. ولكنني كنت على علم بكل ذلك. وكنت أشعر في داخلي بغيرة ولكنني كنت أصمت، ويبدو أن إصراري على الخروج في ذلك الطقس العاصف والممطر في ذلك اليوم، مرده الى تلك الغيرة و إلى احباطي الهائل بسبب اقترابي من سن الخمسين، أي ضعف ما للأستاذ تميم من سنين. لم أكن أريد أن أعترف بما قلته، ولكن على كل من يقرأ الآن ما أكتب أن يعرف السبب الحقيقي لخروجنا ذاك، ولا أريد من أي إنسان كان أن يتصور بأنني رئيس قسمٍ فاشل. نعود إلى قصتنا. قلت إنني كنت في وضع لا أحسد عليه، فقد كانت نظراتهما تصفعني رغم عدم التقاء أعيننا في ظلام السيارة. كنت أشعر بها وأحتمي بالصمت منها. ولكن أي صمت؟ كان المطر ينهمر على السيارة كحبات الحمص فيحدث صوتاً شبيهاً بصوت حبات الذرة حين تنضج وتتفتح وتنقر الوعاء المحصورة فيه. فتحت باب السيارة وخرجت إلى العراء. كان ذلك كل ما أستطيع فعله. وفجأة أحسست أن الظلام لم يكن دامساً، بل إن السماء كانت مضاءة بنور خفيف لا يعرف مصدره، بل هو ضوء الظلام.. الضوء المتناثر بنسق واحد والذي يجعل الظلام لا يكون ظلاماً تاماً. خطوت مبتعداً عن السيارة، في الاتجاه الذي كان علينا أن نسير فيه لو لم تتعطل اللاندروفر. أما زميلي والسائق فلم يأبها إلي.. فربما كانا يعتقدان بأنني أفعل الصواب حين آتي بمثل هذا العمل المجنون. كنت أسير دون أن أشعر بالبلل، كما يشعر السابح في البحر تماماً فلا يفكر بأنه مبتل، بل يفكر بقطع المسافة التالية. كنت أمشي باحثاً بقدمي عن الطريق الترابي الذي مهددته أقدام سكان قرية أبي الفدا ودوابها. وحين كنت أشعر بأن الأرض تحت قدمي قد اختلفت تضاريسها، كنت أصحح مساري وأنحرف إلى اليسار أو إلى اليمين. كنت أمشي دون أن أفكر بشيء، بل إنني اكتشفت شيئاً زائداً عندي وأنا أسير..كان ذلك الشيء هو عقلي، ولكيلا أفكر في أيما شيء مهما كان (وخصوصاً في سلامتي الشخصية) رحت أعد خطواتي. ظللت أخطو وأعد خطواتي حتى سمعت نباح كلاب برية ضارية تقترب مني. عندها توقفت. توقفت لأميز دقات قلبي المتسارعة عن صوت السيل الهابط من السماء. نظرت حولي لأعرف الجهة التي يأتي منها صوت النباح. ولكن يا ألله كم كان ذلك صعباً، وبسبب تلك الصعوبة قررت أن أسير قدماً من جديد. كنت أقترب ونباح الكلاب يقترب مني، ولن يصدقني أحد مدى حياتي إن قلت بأنني كنت لا أبالي، ولماذا أبالي بالكلاب مادمت قد نجحت في الهرب من السائق ومن الأستاذ تميم الذي يكرهني بسبب ابنة مرهج؟ (في تلك اللحظة كرهت نفسي أنا أيضاً بسبب غيرتي إياها). فجأة انقشع جدار الماء الواصل بين الأرض والسماء وظهرت مئة عين حيوانية تلمع في الظلام. كانت الأعين ثابتة لا تتحرك، مستديرة ولامعة بألوان فسفورية، تحيط بي من كل جانب، تدور حولي وهي تهمر بصوت مكتوم وتترصدني. ماذا علي أن أفعل؟ فكرت.. بل قلت بصوت عال وكأنني أسأل تلك العيون، ولم أجد مناصاً من متابعة السير، ولكن بحركات بطيئة وواثقة دون ركض، فقد حذرونا دائماً من الركض امام الكلاب البرية المتوحشة. سرت وتبعتني الكلاب وهي تناور حولي. يبدو أنها كانت تبحث عن ذلك الجانب مني الذي تعتبره نقطة ضعفي. ولكن ذلك هراء سقيم، فأنا بأجمعي كنت نقطة ضعف هذا الكون المائع. كنت أسير وتلحق بي الكلاب من كل جانب..كانت تنبح أحياناً وتهمر أحياناً أخرى. تصارعت فيما بينها أيضاً ونهش بعضها بعضا..قلت بصوت عال إنها ربما تنقص عدد المشتركين في الوليمة. ثم اكتشفت عينين أخريين على مبعدة و إلى الأمام، أغلب الظن أنهما لكلب آخر قرر أن ينتظرني حتى أصل إليه..وربما كانتا لمليكهم الذي يقودونني إليه. لابأس فأنا أتجه نحوه على كل حال. ولكن..هل يصدق أحد يا ترى إن قلت إنني توقفت مذهولاً وتوقفت معي الكلاب؟ أحسست بالحرارة تصعد إلى رأسي وبرعشة مجنونة. إنها نفس الرعشة التي يشعر بها محكوم بالإعدام والحبل ملتف حول عنقه، حين يخبرونه أنهم قد عفوا عنه لأن القانون قد تغير. فقد كانت تلك العينان عبارة عن مصباحين كهربائيين يشعان من خلال نافذة بيت. اقتربت من البيت، وعندما أصبحت على بعد أمتار منه تراجعت الكلاب وكأنها أنهت مهمتها بتوصيلي بأمان. كان البيت لا يشبه البيوت الأخرى التي نصادفها في القرى التي ندخلها. كان مبنياً من الحجر الأبيض والمقطع والمنحوت وفق طريقة البناء الحلبية. وكان هناك بعض الزخارف المحفورة في الحجر فوق باب البيت وفوق نوافذه. استغربت وجود البيت في هذه المنطقة. حسبت أنني في حلم يسبق الموت، ولكنني هاأنذا واقف أمامه، والكلاب بدأت تشم مؤخرات بعضها البعض وتنط تحت وابل المطر، غير آبهة بي..فما هي قصة البيت، وكيف نبق في تلك اللحظة التي كنت في أشد الحاجة إلى مصادفة إنسان؟ وللغرابة، كانت نوافذ البيت واسعة. اقتربت من النافذة المضاءة ونظرت إلى الداخل. كانت هناك مرآة كبيرة تعكس نور المصباح إلى الخارج مما جعلني أشاهد من بعيد المصباح وانعكاسه على المرآة..كانت الغرفة واسعة ومفروشة على طريقة أهل المدن الأغنياء. شاهدت لوحات زيتية معلقة على الجدران، وأثاث فخم ومريح، ومدفأة هائلة الحجم جلس إلى جانبها رجل عجوز وقد ارتدى ملابس السهرة السوداء، مطرق إلى أرضية الغرفة دون حراك، محني الظهر، وصدقوني لو لم تكن المدفأة مشتعلة تنشر الدفء والحياة إلى ما حولها لحسبت العجوز ميتاً. تركت النافذة وصعدت الدرجتين الوحيدتين إلى باب الدار الواسع والمزخرف، ثم قرعت جرس الباب. فتح لي رجل أنيق من أهل المدن. وقف لحظة يتأمل حالتي، مستغرباً وجودي(كما استغربت وجوده) يود لو يسألني عما أتى بي إلى هنا، ولكنه وبكل أدب سألني، بلكنة سلسة قريبة من اللهجة المصرية ولكنها ليست كذلك، عما أريد بعد ان أعلمني أنه الخادم. قلت له إنني ضائع في البراري وأود أن أقابل صاحب البيت لأستأذنه بمساعدتي، ولكي ما يخاف أخبرته من أنا ووظيفتي ومهمتي. تردد لحظة حسبت خلالها انني غير مرحب بي، ثم أعاد إغلاق الباب وابتعد. ولم تمض عدة دقائق حتى فتح الباب من جديد ودعاني للدخول. غريب أمر هذا البيت وأصحابه، فكل شيء فيه يدعوك للتعجب. فكما وقفت قبل ذلك أمام البيت مستغرباً وجوده في تلك الأصقاع الوحشية، فقد وقفت منذهلاً لأناقته وحسن ترتيبه ومستغرباً كيف يمكن لصاحبه الذي كما يبدو من التحف المعلقة على الجدران، قد دار العالم ولم يترك مدينة بعيدة إلا زارها وأتى منها بقطعة نفيسة يعلقها أو يصفها على الرفوف التي ازدحمت بالنفائس، أقول كيف يمكن لمثل هذا الرجل، أن يترك العالم ويأتي إلى هنا ليبني بيتاً أنيقاً ويعيش فيه وحيداً متوحداً؟ أدخلني الخادم إلى غرفة صغيرة بجانب الممر تستخدم كمستودع للأشياء القديمة، وطلب مني أن أجفف نفسي وأبدل ثيابي المبللة بغيرها انتشلها لي الرجل من أحد الرفوف. كانت هناك مدفأة تعمل على الكهرباء تتوهج فيها الأسلاك، أشعلها لي الخادم كي أتدفأ بها، فاقتربت منها وظللت واقفاً إلى جانبها أطرد البرد الذي سكن داخلي بفعل البلل حتى راح البخار يتصاعد من ثيابي، حينها وجدت أن علي أن أسرع في تبديلها، كما طلب مني الخادم فقد كنت متشوقاً لمقابلة صاحب الدار. بعد ذلك أدخلني الخادم إلى ذات الغرفة التي نظرت إلى داخلها، خلل النافذة، حين كنت في الخارج. نهض الرجل من مقعده بصعوبة وسلم علي، كان لطيفاً جداً رغم عدم تبسمه، ولكن الدفء المشع في عينيه أراحني أكثر وجعلني أقلل من شعوري بالغربة في بيته الجميل والمليء بالنفائس. وللأمانة أقول بأنني شعرت بالراحة مع الشيخ أكثر مما مع خادمه، الذي فيه شيء غير ودي يجعلك تشعر بأنه يكرهك. كان شيخاً في السبعين من عمره أو أكثر قليلاً. سألني بكل تهذيب عن اسمي و مركزي رغم أنني كنت متأكداً من أن الخادم قد نقل له من أكون. ثم راح يبحث في ذاكرته عن اسماء أشخاص يحملون نفس كنيتي وقال انه عرفهم يوماً ما. ثم راح يصف حياته وقال إنه كان وحيداً في هذه الدنيا لا يملك فيها سوى ذاك الخادم وأنه هرب من المدينة بعد أن عاش فيها وملّها كما ملّ مئات المدن التي مر بها في أسفاره.. وأخيراً، كما قال: - لقد علمتني الحياة من عظيم ما رأيت، ألا أثق بأحد مهما كان، ولكنني أيها الأخ أراك مختلفاً عن الآخرين وهذا ما تنبئني به عيناك، فأنت ضيفي، تقعد معي حتى يتوقف المطر. شكرته ثم حدثته عن الحادث الذي جرى لي ولزميلي الأستاذ تميم حين انقطعت بنا السيارة وكيف غادرتها وبأي ظروف نفسية فعلت ذلك، ثم رجوته أن يرسل من يبحث عن السيارة بمن فيها، وفي الحال أمر الخادم أن يفعل ما طلبته منه، فانطلق الخادم بعد أن صب لنا الشاي (شعرت بأن الخادم لم يكن متحمساً مما اضطرني إلى الاعتذار منه) فبقينا أنا والشيخ العجوز جالسين جانب المدفأة نستمع إلى موسيقى ناعمة وعذبة يطلقها جهاز تسجيل مركونٍ إلى جانب الشيخ. كان الجو ساحراً، زاد من سحره الدفء والموسيقى والهدوء. كنت أستمع إلى الأنغام مصحوبة بصوت تنفس الشيخ. كان صموتاً بطبعه، ولكنني فضلت أن أجره إلى الحديث عله يشرح لي كيف خطر في باله هجرة الدنيا والسكن في هذا المكان المقفر. سألته: - قل لي أيها الشيخ المحترم، ما الذي جعلك تأتي إلى هنا للعيش، كان بودي ألا أسأل ولكن الأمر يلح علي. رفع رأسه ثم حدجني بنظرة ناعمة ومتعبة وقال: - لك كل الحق أن تسأل أيها الأخ الغريب، ولكن حكايتي حكاية طويلة، قد تأخذ منا وقتاً يطول حتى تسمعني أسردها عليك كلها. إنني في الحقيقة أحب أن أسردها وأحب أن يأتيني شخص يحب الاستماع إلى الحكايات.. ولكن خادمي يمنعني من الكلام حفاظاً على صحتي. - وليكن يا شيخي الكريم..أحكِ لي الحكاية، فأنا أحب الحكايات منذ الصغر وأتوق لسماعها. مد لي فنجانه وسألني بلطفه المعهود: - هل تمانع أن تصب لي فنجاناً آخر من الشاي..؟ - على الرحب والسعة. صببت له الشاي ثم ساعدته ليضع فيه حبة سكرين، فقد كان مصاباً بمرض السكري. أخذ يرشف من فنجانه بيدين مرتجفتين بسبب مرض الباركنسون على ما أعتقد، وراح يحكي لي حكايته التي هي أغرب ما سمعت طوال عمري. على هامش الحكايات أريد أن استبق الأمور وأعلم القارئ الكريم بما جرى أثناء سرد هذه الحكايات وما بعدها، فقد جعلتني هذه الحكايات أقيم في بيت الشيخ خمسة أيام بلياليها. كان ذلك هو الوقت اللازم ليتمكن الشيخ السبعيني من تذكر كل أحداثها وتفاصيلها ومن ثم سردها على مسامعي. وقد كان كريماً جداً ومضيافاً لا يشق له غبار (هذه العبارة استعرتها من احد الكتب الأدبية). وكنا نظل مستيقظين حتى وقت متأخر من الليل بينما كنا نأخذ قسطنا من النوم في النهار ولا نستيقظ إلا في الظهيرة. كما انه قد حدثت بعض الأحداث التي جعلتني اضطر للبقاء طوال تلك المدة حتى تنتهي الحكاية، وأنا هنا لا أريد أن أستبق الأحداث فأكشف عنها اللثام ولكن ليس من السيئ أن أقول بأن الخادم كان يحاول منع الشيخ من التكلم. وعندما عدت إلى بيتي كان أهلي قد فقدوا الأمل في العثور علي، حيث كانت المصلحة تبحث عني مستعينة بالشرطة وبجهود مخاتير عشرات القرى الذين أعرفهم ويعرفونني. وفاتني أن أقول لكم بأن الخادم، بعد أن انطلق للبحث عن اللاندروفر وعن سائقها والأستاذ تميم، عاد بعد ساعتين ليخبرنا بأنه لم يجد أي أثر للسيارة، فظننت بأنهما قد تمكنا من إصلاحها ومتابعة طريقهما إلى قرية أبي الفدا (بينما أخبروني فيما بعد أنهما انتظراني حتى الصباح ولما لم أعد ذهبا لإحضار النجدة وسحب السيارة). وللأسف لم يكن ينقص بيت الشيخ سوى جهاز هاتف أستطيع بواسطته الاتصال بالمصرف أو ببيتي أثناء تلك المدة التي مكثت فيها..وبما أن ما كان يسرده الشيخ على مسامعي بالغ التشويق، فقد نسيت موضوع الاتصال بالمدينة ولم يخطر في بالي مطلقاً أنهم سيحسبونني قد ضعت في البراري في تلك الليلة العاصفة والماطرة ومن ثم أكلتني الذئاب، مما أدى إلى استدعاء زميلي إلى التحقيق وكان لا يزال رهن التحقيق حين عدت بالسلامة إلى بيتي. ولكن الحكايات اثرت فيّ أيما تأثير، حتى إن حياتي شعرت بها قد ارتبكت، وشعر بذلك أهلي أيضاً وخصوصاً زوجتي فحسبتني أنه قد حدث شيء لعقلي ربما بسبب خروجي من السيارة في ذلك الجو المخيف..ولكن كل ما هنالك أنني كنت مأخوذاً بتلك الحكايات التي سأبدأ بسردها عليكم ابتداء من الفصل القادم. بقي أن أخبركم عن موضوع كتابتها بهذا الشكل الذي ترونه أمامكم، فكما قلت في البداية لم أعتد على كتابة الإنشاء أو مواضيع التعبير، وكل ما كنت أجيده هو كتابة التقارير المالية التي تهم رؤسائي في المصرف الزراعي، فهل أستطيع أن أكتب مثل هذه الحكاية الطويلة؟ كنت أعتقد بأن على هذه الحكاية أن تتخلد في كتاب، والشيخ كما تعلمون قد بلغ أرذل العمر ولم يتبق له سوى القليل، ثم إنه لو كان خطر له كتابتها لكان كتبها منذ زمن ولم يتركها حبيسة في صدره..ولهذا الأمر وجدتني أمام مهمة عظيمة وصعبة في آن معاً، كيف ستكتب هذه الحكاية أو الحكايات؟ ومن سيكتبها إن كنت أنا لا أستطيع؟ سمعت عن أحدهم يوماً وكان شاعراً معروفاً فذهبت اليه ورجوته أن يسمعني أسرد عليه الحكاية لكي يكتبها، فقد كان يجيد الكتابة. وبعد أن اقتنع مني وأسمعته جزءاً منها توقف عن الاستمرار واعتذر عن كتابتها وصرفني بالحسنى، وفي الحقيقة كان الحق معه، ففي الحكاية شيء يخدش الحياء كما قال، رغم اقتناعي بأن هذه الأشياء لم تعد تخدش الحياء هذه الأيام. وعدت إلى بيتي وقد ازدادت همومي ومخاوفي من أن أموت وتموت معي الحكاية..ولهذا الأمر قررت أن أكتبها بنفسي..فإن وجدتني أخي القارئ لا أجيد كتابة القصص فاعذرني، ثم إنني قد فتحت كتاباً أدبياً بالأمس فوجدت المؤلف قد استهل كتابه بالاعتذار من قارئه لأن الكتاب غير كامل والكمال من صفات الخالق، فإذا كان الكتّاب المتمرسون بهذا الفن يقدمون الأعذار فهذا يعني أنني أستطيع أن أكتب ومن ثم أعتذر. بقي أن أقول إنني حاولت العودة إلى بيت الشيخ مرة أخرى فلم اهتد إليه. حاولت أيضاً صيفاً واستعنت بالبوصلة وسألت كل الفلاحين والرعيان عن البيت فلم يتعرف عليه أحد..هذا غريب طبعاً، ولكنني أؤكد لكم أنني وصلت إلى هناك في ليلة عاصفة وماطرة.. وإليكم الحكايات.. وقد تجدونني أخرج عن سياق القصة لأناقش الشيخ وأجادله حول ما أسمع، أو قد ترونني أصف الشيخ وخادمه والبيت الذي عشت فيه خمسة أيام، أو تسمعونني أحكي عن الأحداث الفظيعة التي حدثت لي هناك، فأرجو المعذرة... والله من وراء القصد. * * * * * 1 كيف ظهرت وداد البريئة في صورة مع المفوض السامي قال الشيخ.. كان ذلك في 27 أيلول 1936... كان القطار يقترب متمهلاً من محطة الشام وهو يطلق صفارته دون انقطاع. لم تنهض وداد لتنظر من النافذة إلى الخارج كما فعل معظم الركاب. كانت تتشبث بالمقعد تجاهد لكي لا تلتقي عيناها بعيني الرجل الذي جلس في المقعد المقابل إلى جانب باب المقصورة لا يفعل شيئاً سوى النظر إليها. تمنت لو ينهض هو أيضاً فيخرج رأسه من إحدى النوافذ في الممر الضيق لقطار الشرق السريع. تردد رمشاها ثم نظرت مستطلعة. تمنت لو أنه حوّل عينيه عنها إلى السماء، إلى المباني الأولى للمدينة، إلى الأشجار التي أصبحت بطيئة في هروبها إلى الخلف أو إلى صورة برج أيفل المعلقة على خشب المقصورة فوق رأسها. ولكنه كان يتابع النظر إليها وفي عينيه شيء مخيف لطالما قصدت أمها تنبيهها منه حين كانت تنصحها بالاحتراز من الرجال. كان سيرسم ابتسامة لولا أنها انكمشت أكثر والتصقت بزاوية النافذة وعادت للنظر إلى يديها المركونتين في حجرها. ألغت وظيفة البصر وأصبحت تتواصل مع ما كان يجري بواسطة أذنيها فقط. كان القطار يتباطأ بينما استمر في إطلاق صفارته. من الممر كانت تسمع تعليقات الركاب ثم بعض الهتافات الحماسية، فالقطار يحمل بعض الرجال المهمين، ومن المفترض أنه سيجري لهم استقبال حافل. تمنت لو تنهض وتنظر لترى هل هذا صحيح؟ ولكن الرجل سيستمر في النظر إليها وعندها سيغرز نظراته في مؤخرتها. إذن عليها المكوث هكذا حتى يتوقف القطار، عندها سيتسنى لها الهرب. ولكن ماذا لو فرغ القطار من الركاب إلا هما؟ أصابتها رعدة وشعرت بسخونة في وجهها. كانت تعيش لحظات رعب، ذات الرعب الذي كانت تحسه حين كانت أمها تسرد عليها في ليالي البرق والرعد ماذا يمكن أن يفعله الرجال بفتاة صغيرة. الخوف كان بسبب نصائح الأم المريضة أما الآن فهو بسبب شيء حقيقي، بسبب رجل جالس أمامها ينظر اليها بطريقة واحدة في غفلة عن جميع الركاب الذين كانوا يتسلون بالنظر إلى الخارج ويطلقون الهتافات الحماسية ضد فرنسا ويحيون الوفد. أي وفد؟... وما هو الوفد؟ ولماذا يحتفون به؟ ومن أين هو قادم؟ انتظرت على رصيف محطة ميدان أكبس أكثر من ثلاث ساعات قبل ان يصل القطار القادم من استنبول في طريقه إلى حلب. كانوا قد أرسلوا لوداعها عبدو السنكة، وهو ولد مجذوب بنصف عقل أطلقوا عليه أسم السنكة لأنه اجتاز أحد الأيام الحدود التركية (تقع ميدان أكبس على الحدود التركية) فطعنه أحد الجنود الاتراك بالسنكة فأصبح يعرج وصار مضحكاً أكثر، وهناك عاهة ثالثة تجعله مضحكاً جداً، ففي صف أسنانه العلوية الامامية فجوة كبيرة تجعله يصفر دون قصد حين يتكلم. وقد كانت وداد تتسلى دائماً بعبدو السنكة حين يأتي إلى بيتهم، قبل ان تموت أمها، وكان يحرص على زيارتهم لخدمتهما وتسلية وداد، تلك الفتاة اللذيذة التي تضحك وتضحك كلما تحرك أو ركض أو تكلم، فيشعر بالغبطة ويروح، مستلقياً على ظهره، يضحك محركاً يديه وساقيه إلى الأعلى. كان يلمسها في بعض الأحيان بينما هي ساهية أو مغشي عليها من الضحك فيشعر برجفة غريبة تجعله سعيداً طوال يومه ويفقد جزءاً من حيويته ويفضل بعدها الركون في الظل تحت إحدى الأشجار. هي لم تكن تفهم معنى تلك اللمسات وماذا يحصل له، وعندما رآه يوماً إمام المسجد الشيخ عبد الصبور نهره ثم لحق به ممسكاً غصن رمان رفيعاً يريد تأديبه. لم تفهم حينها وداد سبب غضب إمام المسجد ومؤذنه حتى إنها كرهت الشيخ، وعندما جلس هذا الشيخ إلى جانب فراش أمها المريضة يهمس لها وهو يتطلع إلى وداد حسبت أنه يشكوها إليها لأنها تكرهه، هكذا حسبت، وعندما أصبحت في المساء وحيدة معها أعادت الأم على مسامع الابنة تحذيراتها لها من الرجال ولكن وداد لم تكن تحسب عبدو السنكة منهم، ولم تكن تشعر بالخوف منه على الإطلاق. ثلاث ساعات في انتظار قطار الشرق السريع قضاها عبدو السنكة وهو يبكي لأنه سيفقد وداد إلى الأبد، فهو يعلم، رغم عقله القاصر، أن أمها قد أوصت برحيل ابنتها إلى حلب بعد موتها، وقد رأى الشيخ عبد الصبور وهو يعطيها ظرفاً فيه رسالة وعليه العنوان وبعض النقود ثم أرسله معها كيلا تنتظر وحيدة، ذلك القطار الذي يتأخر في بعض المرات أكثر مما تحتمله فتاة في الثامنة عشرة. وعوضاً عن مواساتها وجعلها تنسى خوفها بإضحاكها كما اعتاد أن يفعل (كانت خائفة مما يخبئه لها سفرها بالقطار وحيدة للمرة الأولى في حياتها) كانت وداد هي التي تواسيه وتتحدث معه طوال الوقت تكذب عليه أنها سترجع سريعاً، وهي تعلم جيداً أنها لن تعود. وعندما وصل القطار يسبقه صفيره الطويل الممتد، تغير حال عبدو وصار يضحك وينط فرحاً من منظر القطار المزينة بعض عرباته بالأعلام واللافتات، مما أضفى عليه بعض البهجة طيرت النصف الباقي من عقل عبدو السنكة. والآن أصبحت هي تبكي وهو يضحك لاهياً عنها، وبصعوبة استطاعت ان تمسك به وتجعله يهدأ ثم ضغطت على يده بقوة وجرته إلى إحدى العربات غير المزينة وعند بابها أمسكت بيده بكلتا يديها تشجع نفسها على الصعود ومن ثم الابتعاد عن القرية التي ولدت فيها ولم تغادرها إلا اليوم. صعدت إلى العربة وبحثت لها عن مكان فارغ في إحدى المقصورات. وبعد ان ركنت حقيبتها في رف الامتعة جلست. كان عبدو واقفاً تحت النافذة يتحسس يده التي أمسكت بها قبل قليل. كان يتحسس يده وينظر إلى وداد الجالسة خلف النافذة. كانت دموعها ترسم خطين على وجنتيها، وقبل ان ينطلق القطار شعر عبدو انه أكثر الناس سعادة فراح ينط وهو يضحك ليجعل فتاته تضحك ولكنها ظلت تبكي حتى انطلق القطار، وعندما ابتعد عبدو السنكة ومبنى المحطة كثيراً مسحت دموعها وابعدت عينيها عن النافذة لتلتقي بعيني ذلك الرجل الذي قضى الوقت كله ينظر اليها دون ان يجعل باقي المسافرين في المقصورة يشتبهون به. انتبهت إلى أصوات جديدة، اختلطت بنعومة بصفارة القطار وهتافات المسافرين وصليل الحديد على الحديد. كانت أصوات الموسيقى تقترب وتعلو، حينها شعرت بإلفة مفاجئة تجاه المحطة التي سيتوقف عندها القطار. ودون أن تنظر إلى الرجل، وبسرعة، أدارت وجهها باتجاه النافذة. كان هناك حشد هائل من البشر قدموا لاستقبال الوفد القادم بالقطار. كانوا يهتفون فرحين، يرفعون اللافتات والاعلام ويلوحون بأيديهم باتجاه العربات الأولى، بينما راحت فرقة موسيقية من الدرك تعزف المارشات العسكرية. ابتسمت دون أن تشعر، فقد أفرحها الاستقبال الحاشد. - إنهم يستقبلون الوفد.. استدارت بشكل عفوي وأثر انفعالها مرسوم على وجهها. كان الرجل يوجه اليها الحديث وقد اقترب هو أيضاً من النافذة. في تلك اللحظة دخل المسافرون لالتقاط حقائبهم وهم يثرثرون ويضجون، وفكرت بان تنهض هي أيضاً ولكنها كانت ستحتك بالرجل ان نهضت فظلت على جلوسها، ولأول مرة نظرت في وجهه هكذا عن قرب. كانت عيناه محمرتين، ينظر في عينيها كأنه يخترقهما. كأنه يتفرج على شيء لا يملكه أحد سواها. حينها شعرت أن عليها أن تهرب، أصبح الأمر خطيراً. تململت في مقعدها ونظرت اليه برجاء أن يتركها تنهض وترحل، ولكنه، مستفيداً من كونهما أصبحا وحيدين في المقصورة، مد يده نحو وجهها وراح يتلمسه. ارتدت إلى الوراء وصارت ترتجف بينما كانت الموسيقى تعلو أكثر وشعرت بأنها إن صرخت فلن يسمعها أحد فوجدت نفسها ترجوه: - الله يخليك. ولكن يده ظلت تجول على خديها وذقنها وانفها، لا تهدأ، توزع دفءها على كل بشرة وجهها. ولم تجد مناصاً من دفعه والنهوض فوقع على المقعد الآخر فالتقطت حقيبتها وخرجت. وعندما نظرت لتعرف إن كان سيلحقها وجدته جالساً يبتسم لها بنشوة، وخافت ان يلحق بها فراحت تركض تبحث عن وسيلة لتنزل بها إلى رصيف المحطة، وقد كان ذلك من سابع المستحيلات فقد كان الجمهور قد التصق بالقطار وسد المنافذ على الجانبين فاضطرت إلى الانتقال من عربة إلى أخرى علها تجد مخرجاً ممكناً. كانت جموع الناس تتموج ذهاباً واياباً بينما استمرت الفرقة الموسيقية عزفها للمارشات العسكرية، حتى ضاق رصيف المحطة بهم، واضطر بعضهم إلى تسلق القطار وتراكضوا على سقفه ليصلوا إلى العربة التي سينزل منها الوفد ليطلوا عليه من الأعلى. وعندما أطل رئيس الوفد (وكان بالمناسبة هاشم الاتاسي) سمع هدير قوي وحاول المستقبلون الإفلات من رجال الدرك الفرنسيين للاقتراب من العربة، ولكن الأوامر كانت مشددة وكان على الدرك إبقاء الناس بعيداً عن العربة التي سينزل منها الوفد كي يتسنى للمفوض السامي المسيودو مارتيل الاقتراب ومصافحة الوطنيينالعائدين من باريس. اقترب المفوض يرفل ببذلته البيضاء والتي علق على صدرها نياشينه العديدة وأخذ هاشم الاتاسي بالأحضان حتى إنه شمه عن عمد ليكتشف فيه رائحة خريف مدينة باريس، ثم صافح باقي أعضاء الوفد الذين كانوا ينزلون من العربة الواحد بعد الآخر وكانوا ينتظرون على الدرجات ريثما يأتي دورهم للمصافحة أو العناق، وكلما ظهر أحدهم على درجات العربة كان يستقبل بعاصفة من التصفيق وبكثير من الهتافات من الجمهور المحتشد. ورغم أنهم كانوا قد قضوا ستة أيام في هذا القطار لم يظهر عليهم التعب والارهاق من الجلوس الطويل والملل لأنهم كانوا قد جهزوا أنفسهم قبل الوصول إلى محطة حلب فحلقوا ذقونهم وغسلوا وجوههم وبدلوا ثيابهم فكان ظهورهم مؤثراً حتى إن العديد من المستقبلين بكى تأثراً. ثم توسطهم سعادة المفوض السامي لالتقاط صورة تذكارية، وقد روعي أن تكون الصورة معبرة أكثر تشرح الوسيلة التي أقلت الوفد من باريس العظيمة إلى حلب المستعمرة فوقفوا بحيث تظهر عربة القطار في الخلفية، وفي اللحظة التي برق فيها اللامع الصناعي اللازم لوضوح الصورة ظهرت وداد حاملة حقيبتها على سلم العربة فظهرت بالتالي في الصورة التذكارية التي وزعت على جميع الصحف المحلية وصحف العاصمة (ظهرت وداد ذات الوجه البريء فوق رأس دو مارتيل) وهناك من أقسم أنه رآها على الصفحة الأولى لإحدى الصحف الباريسية، كما كبّرت الصورة وعلقت على جدران مكاتب المفوض السامي والكتلة الوطنية وبعض بيوت أعضاء الوفد. عندما شاهدها الجمهور تقف بخوف وبراءة على سلم العربة، راحت الأصوات تخفت ثم عم الصمت، ولم يعد يسمع أي صوت سوى صوت موسيقى المارشات حيث كان قائد الفرقة الشاويش صاموئيل يحرك يديه ليقودها وقد أدار رأسه باتجاه وداد، ولم يكن أعضاء الفرقة بأحسن منه، فقد كانوا هم بدورهم يعزفون وهم يتطلعون إلى تلك القروية التي نبقت من داخل عربة الوفد تحمل حقيبتها العتيقة وتضع على رأسها منديلاً لتخفي به شعرها عن عيون رجال المدينة. حتى الوزراء وأعيان المدينة الذين جاءوا لاستقبال الوفد بهتوا لظهور القروية رائعة الجمال، ولكن المفتي كان الوحيد الذي حاول غض نظره بعيداً عنها ولكنه لم يستطع، فقد حسب أنها ربما تكون جنية أو ملاكاً نزل من السماء ليحرس الوفد أثناء ترحاله فلذلك لابأس من النظر إليها. وقد استغرب سعادة المفوض السامي ذلك الصمت فاستدار إلى الخلف، وقد لزمه بعض الوقت ليعي المسالة، وتساءل في ذهنه عن سبب وجود هذه الفتاة هنا، وبسبب نظراته تلك (ونظرات أعضاء الوفد أيضاً) زاد ارتباك وداد وصار لزاماً عليها أن تشرح الموضوع فقالت بتردد وبصوت خافت: - لم أجد مكاناً آخر أنزل منه.. لم يفهم المفوض السامي في بادئ الأمر ما قالته له الفتاة فظل ينظر اليها كالأبله، ولكن عندما انفجر الجميع بالضحك لطرافة الموقف (الحلبيون لديهم حس للفكاهة رغم ما يشاع عنهم) اقتنع دو مارتيل ان في الأمر مصادفة فأهمل القروية التي سلبت بجمالها لب المستقبلين، ودعا الوفد للتحرك فعادت الهتافات وعلت من جديد موسيقى المارشات. وشق الدرك الفرنسيون طريقاً للوفد بين الحشود التي عادت إلى التدافع، فكل واحد يريد القاء نظرة إلى رئيس الكتلة الوطنية هاشم الاتاسي الذي كان يرأس الوفد، أو إلى سعد الله الجابري ابن المدينة والسياسي الأنيق.. وهناك من كان محتاراً إلى من ينظر فمن النادر ان يجتمع في مكان واحد وفي زمان واحد كل هذا العدد من الوطنيين ورجالات السياسة السوريين إلى جانب جنرالات الحكم الاستعماري. خرجوا من المحطة يسبقهم المفوض السامي الذي ضاقت بدلته البيضاء على جسده البدين، يتبعهم الناس والفرقة الموسيقية التي كانت تعزف لحناً عسكرياً رشيقاً. ولم يمر وقت طويل حتى كانت وداد تقف وحيدة على الرصيف وإلى جانبها حقيبتها وقد هدأ اضطرابها. تقف وحيدة إلى جانب عربة القطار بينما القاطرة مستمرة بنفث بخارها الأبيض اللطيف. ولكنها كانت مشوشة الذهن مما حصل معها، فهي لم تكن في يوم من الأيام تحلم بمثل هذا الاستقبال في هذه المدينة الواسعة التي يسمونها حلب، والتي طالما حذرتها أمها المتوفاة من رجالها. ولكن.. لو تعلم في قبرها في ميدان أكبس كيف استقبلها الرجال في محطة القطارات، فهل كانت ستغير رأيها بهم يا ترى؟ رفعت وداد كتفيها تجيب نفسها بصمت ثم أخرجت الظرف الذي كتب عليه عنوان من يجب ان ترحل اليهم ثم التقطت حقيبتها وخرجت من المحطة. وقفت تنتظر عربة لتستقلها كما أوصاها بذلك إمام مسجد ميدان أكبس الشيخ عبد الصبور، ولكن أية عربة في هذا الوقت؟ فقد فرغت الساحة والشوارع من الناس الذين تراهم الآن من بعيد يسيرون في حشد هائل خلف العربات والسيارات التي تنقل الوفد والمستقبلين الرسميين، وهتافاتهم تختلط بإيقاع المارش العسكري. * * * * * دخل الخادم علينا وبيده إبريق من الشاي الحار. صمت الشيخ فجأة وكأنه يعطيه الفرصة كي يقوم بعمله بصب الشاي، ولكن خطر في بالي بأن الشيخ صمت لأنه يخادع خادمه أو ربما لأنه كان يريد أن ينشد بعض الراحة. على كل فقد صب الخادم الشاي دون قرقعة وقدم لكل منا فنجانه بخفة، ولو كان الشيخ قد استمر في الكلام لما تأثر انتباهي بوجود شخص ثالث، بل على العكس، فقد شعرت أن صمت الشيخ دفعني إلى متابعة الخادم فيما كان يقوم به، وتملكني أيضاً الشعور بعدم الراحة الذي خبرته منذ اللحظة الأولى التي واجهته فيها عند باب البيت. مع ذلك شكرت الخادم بلطف وبدأت بارتشاف الشاي الساخن فقد كنت لا أشبع منه بسبب البرد الذي تسلل إلى عظامي أثناء تجوالي في البرية بعد خروجي غير المفهوم من اللاندروفر. وما إن خرج وأغلق الباب حتى جاءني صوت الشيخ الهادئ والرخيم.. ظلت وداد واقفة خارج المحطة ساعة كاملة حتى أتتها عربة حنتور ذات غطاء أسود يجرها حصان وحيد. أعطت السائق العنوان ثم ارتاحت في المقعد الخلفي مطمئنة، فقد كان السائق رجلاً يوحي بالثقة، ثم راحت تتفرج على المدينة. تساءلت في سرها كيف كانت المدينة تبدو لأمها قبل ثمانية عشر عاماً؟ كانت قد حدثتها عن ذلك النهار الذي هربت فيه من المدينة. هربت بالقطار المسافر إلى الشمال الذي استقلته من نفس المحطة. في ذلك اليوم من الحرب العامة التي تقاتل أثناءها الجميع وكل البلدان. كانت الحرب في نهايتها وكان الاتراك يتجمعون بالآلاف في المحطة، كل يبحث لنفسه عن مكان في القطارات التي ستغادر إلى الأراضي التركية. رجالات سياسة سابقون، ضباط أخفوا رتبهم، ولاة قدماء، كبار موظفي الدولة العثمانية ورجال كان السلطان قد خلع عليهم رتب الباشوية، قائمقامات لبلدات ونواحٍ ضائعة في خضم الأحداث العسكرية المدمرة. كانت المحطة تغص أيضاً بالنساء المترفات والاطفال الشبعانين وبمحظيات القادة العسكريين القلقات على مستقبلهن. كل هؤلاء كانوا يفترشون أرصفة المحطة غير عابئين بأناقتهم التي طالما حرصوا عليها، كانوا أيضاً يتأبطون الصرر والحقائب التي حملوا فيها ما ادخروه أو نهبوه في الولايات التي حكموها. كانت القوافل تصل إلى المحطة باستمرار، وعندما لم يتبق لهم موطئ قدم داخل المحطة وعلى أرصفتها، أنزلوا أحمالهم عن العربات والبغال (ثم تخلوا عنها فيما بعد عن طيب خاطر لأن الروح أغلى من كل متاع) وسكنوا الساحة الخارجية للمحطة. وعندما وصل القطار هب الجميع دفعة واحدة وصار كل واحد فيهم يصرخ محاولاً شق طريقه إلى فتحات العربات ليحتل له مكاناً فيها. وقد حاول كل واحد التعريف بنفسه، ولكن من كان يهتم بالرتب أو بالألقاب؟ أما من استطاع الوصول إلى احدى العربات فقد كان يصرخ لأنه أضاع أحد مرافقيه أو إحدى زوجاته أو أحد أبنائه.. وبصعوبة شديدة استطاعت الأم ان تجد لها مكاناً في عربة لنقل المواشي. كانت في الشهر الخامس من حملها، ولم يكن حملها ظاهراً للعيان بشكل واضح، ولكنها من أجل ان تحصل على المكان أظهرت بطنها بشكل مبالغ فيه فرأفوا بحالها ثم ساعدوها على الصعود. ومن مكانها في العربة أصبحت شاهدة على النهاية الأليمة لحكم العثمانيين لسورية. لم يتحرك القطار إلا في الليل. كان الهاربون يستعجلون القائمين على المحطة ليتحرك القطار في أسرع وقت، فالشائعات كانت تتوارد بأسرع من البرق، وكلها تنبئ بأسوأ العواقب للمتخلفين عن الهرب، فالجيوش العدوة أصبحت على مشارف حلب. قالوا في البداية إنها أصبحت في خان السبل، ثم وفي المساء ورد خبر يؤكد بأن الانكليز احتلوا الشيخ سعيد على مشارف حلب، حينها اضطرب الخلق وبكت النساء، أما الأم فلم تكن مهتمة كثيراً، فهي عربية وكانت تريد الهرب إلى تركيا قبل ان تغلق الحدود ليكون عندها أمل في أن تجد ذلك الضابط التركي، اليوزباشي جودت، الذي كان قد زرع الجنين في بطنها قبل ان يستدعوه على عجل للالتحاق بوحدته في مكان ما على الجبهة الجنوبية. في العربة، وبعد أن اطمأن الناس إلى ان الحظ قد حالفهم، وهاهو القطار يتحرك مقترباً بهم إلى شط الأمان ( كان القطار يتحرك ببطء شديد بسبب حمولته الزائدة من البشر) اكتشف الرجال جمال الأم. أصبحت العيون تنغرز فيها، تتابع كل حركة تأتي بها. عيون الرجال والنساء معاً. عيون الرجال الشهوانية وعيون النساء المليئة حقداً وغيرة. لم يدعوها تفكر بحرية في ضابطها الجميل الذي عشقته فأعطته أغلى ما عندها. كان عليها طوال الوقت ان تخفي حرجها، وبسبب اكتظاظ العربة كان عليها ان تستمر في دفع الرجال الذين أرادوا الالتصاق بها في عتمة الليل ونفث زفيرهم الحار في وجهها. ولكن عند الفجر أنقذها الجيش من جحيم الرجال، فعندما توقف القطار في محطة ميدان أكبس للتزود بالماء والحطب، أتاهم الأمر الذي لا عودة عنه، الأمر الفظيع والقاسي بلا رحمة والذي رفعوا أصوات الاستنكار بسببه وهم يبكون أو يتباكون ثم صمتوا وأذعنوا له.. على المدنيين ان ينزلوا من القطار ويتابعوا السفر مشياً على الأقدام، حتى يتسنى للجيش نقل جرحاه ومعداته بسرعة إلى ما خلف الحدود. وبينما تابع الجميع السفر كيفما شاءوا إلى الأراضي التركية قررت الأم المكوث في ميدان أكبس. كانت محطة القرية الشريان الرئيسي الذي ستمر من خلاله كل الجيوش المنسحبة إلى الداخل التركي. لهذا السبب ظلت على الرصيف تنتظر القطار الذي يحمل حبيبها اليوزباشي جودت. كانت كلما وصل قطار جديد من الجنوب تنهض وتقف حتى يتمكن من رؤيتها في حال كان منسحباً في ذلك القطار. مرت عليها أيام وهي على هذه الحال، ولكن دون جدوى، ففي نهاية الأمر وصل الجنود الانكليز يطاردون الأتراك المنسحبين ويقتلونهم، عندها عرفت أنها فقدت اليوزباشي إلى الأبد، وبدلاً من أن تعود إلى حلب (كان هذا الأمر مستحيلاً أيضاً) قررت استئجار بيت في القرية والبقاء فيها حتى تحين ساعة الولادة. لكي يقبل أهل القرية العيش معهم، اخترعت الأم قصة أخرى..حياة ثانية عاشتها في خيالها. لم تقل لهم الحقيقة التي دفنتها في سرها إلى الأبد، بل جعلتهم يعتقدون أنها كانت زوجة اليوزباشي جودت وأن أهلها قد ماتوا جميعاً في الحرب وأنها كانت مسافرة إلى تركيا للبحث عن زوجها الضابط وعن أهله ولكن مجيء الانكليز واستمرار الحرب بينهم وبين الأتراك على طول الحدود منعاها من ذلك. كانت الأم جميلة، ناعمة لم ير أهل القرية امرأة بهذا الجمال حتى ولا التركيات المترفات اللواتي مررن بالقرية أثناء هربهن إلى استنبول. كانت براءة وجهها وتعابيرها اللذيذة ودموعها تقنع الصخر الأصم فكيف بقرويين بسطاء، والذي أقنعهم أكثر بصدقها هو طريقة حياتها بعد أن ولدت طفلة جميلة أسمتها وداد وجعلت تعمل بصمت وجلد في أي عمل متوفر من أجل إطعامها وتربيتها. ولم تشعر القرية إلا بوداد وقد أصبحت صبية جميلة تشبه أمها في رقتها وبراءتها وسحرها. حاول بعض الشباب التقرب من الأم لخطبة وداد ولكنها كانت ترفض تزويجها، حتى إنها لم تسمح لأحد من الاقتراب من بيتها اللهم إلا لذلك الشاب المجذوب عبدو السنكة بعد ان اطمأنت اليه. كانت تزرع باستمرار (ولسبب غير مفهوم) الخوف من الرجال في أعماق ابنتها خارقة الجمال، فشبت وهي تخافهم وتتحاشاهم. وعندما مرضت الأم بمرض السل الرهيب وعرفت انها ستموت قريباً صارت تحدثها عن المدينة وحياة المدينة وعن بعض معارفها في حلب. هذه المرة زرعت فيها حب المدينة. كانت تريدها ان ترحل إلى حلب بعد وفاتها، ولهذا الأمر أخبرتها أن لها صديقة عزيزة أسمها الخوجة بهيرة، وان عليها أن ترحل اليها بعد وفاتها حاملة منها رسالة توصية، وطلبت منها أن تنسى إسمها مؤقتاً ريثما تفارق الحياة، وان عليها أن لاتذكر إسم الخوجة أمام أحد من أهل القرية، وأن لا تسألها أي سؤال يتعلق بها. استدار سائق العربة ونظر خلسة إلى وجه الفتاة وقال في نفسه ما شاء الله وكان. كانت وداد تتفرج على طرقات المدينة بحزن مشوب بدهشة. كان كل شارع أو منعطف أو مبنى يذكرها بأمها. كانت تتصورها تسير متأبطة ذراع ضابطها التركي، أو تقطع الشارع أمام العربة بمفردها وهي تبحث في وجوه الرجال الذين تحولوا جميعاً إلى ضباط أتراك باحثة عن رجلها الذي ضيعته الحرب العامة. ولكن لماذا رفضت أمها النزول إلى حلب؟ لماذا لم ترافقها واكتفت بوصفها لها وزرع حبها لها في قلبها؟ كل شيء غامض، ماتت أمها وتركت الف سؤال يحير وداد. من هي الخوجة بهيرة.. ولماذا أبقت صداقتهما سراً غامضاً.. ولماذا أرادتها أن ترحل اليها بعد وفاتها؟ كما قلنا، فقد كان كل شيء غامضاً في عقل فتاتنا الجميلة مثل تضاريس هذه المدينة العتيقة. * * * * * قال الشيخ.. كانت بديعة (وهو اسم الام) جميلة ولكن جريئة. لم تكن خجولة مثل ابنتها وداد. ربما كل ما جرى لها جعلها تربي ابنتها بطريقة جديدة، طريقة قد تغنيها عن خوض نفس التجارب التي مرت بها الأم. كل الامهات يردن لبناتهن حياة أخرى غير التي عشنها، وخصوصاً بديعة، التي هربت من بيت أهلها في بداية الحرب. كان الرجال قد بدأوا يختفون من الشوارع ومن البيوت. محكوم على الرجل أيام الحرب ان يذهب إلى الحرب أو ان يختفي. هذه هي الحكمة أو القدر المتربص للرجال، فقد كان الجندرمة الاتراك، ذووا الحبال يتربصون بهم على ناصية الشارع. كانوا يلتقطونهم ثم يختفون بهم إلى حيث لا يعلم سوى الله ما قد حصل لهم، وهذا كان نصيب أخيها محمد علي المتزوج حديثاً، أما أبوها فقد هرب. صار يرسل لهم بعض المؤن والنقود كل مدة ولكنه هرب على كل حال. أصبح البيت بيتاً للنساء فحسب، وقانونه قانون النساء. أمها كانت شديدة وصعبة المراس. كان أغلب النساء في البيت من الجميلات ولهذا السبب راحت الأم تفرض عليهن قوانينها الصارمة، لهذا السبب هربت بديعة إلى حلب. وبما أنها غالباً ما كانت تسلي أخواتها وامرأة أخيها بان تعقد شالاً حول وسطها وترقص لهن، فقد قررت ان تستفيد من هذه الموهبة لتحصل على لقمة عيشها. لم تكن الحياة في بلدتها مستحيلة، فقد كان مجتمع النساء يدبر حاله ويمشي أموره، أما هنا في حلب فقد اصطدمت يوم وصولها بمظاهر الجوع. كانت الشوارع في بعض الأحيان تخلو من المارة الأصحاء، وفي أحد الطرقات مرت بجثة رجل عجوز مات من الجوع. ارتعبت بديعة. خافت مما تخبئه لها هذه المدينة التي طالما سمعت بها وجعلت تأتيها في المنام. حسبت ان الأمور تجري على غير هذا المنوال.. الناس يموتون جوعاً بينما هي قادمة هاربة من قوانين أمها الصارمة. كادت ان تعود أدراجها إلى بلدتها والى دولة أمها لو لم يسألها رجل مر بها وهي لاطية إلى جانب أحد الأبواب فطلبت منه حسنة لله فأعطاها قرشاً.. سألها إن كانت تجيد شيئاً غير الشحاذة فقالت انها تعرف الغسيل والتنظيف والطبخ والرقص. نعم، تجرأت وذكرت الرقص لأنها فعلاً كانت تعرف كيف تهز خصرها وثدييها، وحسناً فعلت ذلك فأعمال الكنس والتنظيف والطبخ لا قيمة لها تلك الأيام خصوصاً وانه ليس هناك ما يطبخ ويؤكل. قال لها الرجل انهضي واتبعيني. تبعته وهي تقضم قطعة من الصمون المتيبس اشتراه لها كي تسد رمقها ريثما يتدبر أمرها.. ولكن إلى أين قادها ذلك المحسن الذي جاء في الوقت المناسب؟.. هكذا سألت الشيخ وانا اتحرق شوقاً لمعرفة مصير بديعة، فقد بدأت القصة المشوقة تفعل فعلها فيّ حتى إن كوب الشاي كان قد برد وكنت قد نسيته منذ ان بدأ الشيخ الجليل في سرد قصته. طلب مني ان أكون صبوراً إن أنا أردت سماع الحكاية حتى النهاية فاعتذرت منه ثم تناولت كوب الشاي فعرفت حين ذاك انه بارد رغم شعاع الدفء الذي كان يشع من المدفأة.. هناك شيء أريد ان يعرفه القارئ وهو انني كنت أريد معرفة قصة الأم كي نعود إلى قصة الابنة، ولكن الشيء الممتع في طريقة سرد الشيخ للحكاية هو انه يتنقل من هذه إلى تلك دون قانون معين ودون ان ينتهي من حكاية الأولى لينتقل إلى حكاية الثانية وأنا لا أعرف السبب ولكنها طريقة ممتعة.. والآن فلنعد إلى حكاية بديعة واعتذر من القارئ لهذا التدخل من طرفي ولكنني أجد من المناسب الدخول على الخط بين فترة وأخرى لأن وجودي مع الشيخ واستماعي إلى حكايته هما حكاية بحد ذاتها.. قال الشيخ الجليل ان ذلك الذي تسميه محسناً قد أخذها إلى إحدى أشهر المغنيات في المدينة في ذلك الزمان وهي الخوجة بهيرة وباعها إليها بتسع ليرات ذهبيات ثم رحل ولم تصادفه بديعة مرة أخرى أبدا. سألته وأنا أرتجف غضباً: - باعها ذلك الوغد؟ - نعم باعها، ولكن لا تفهم من كلمة باعها انه قد باعها فعلاً، لقد عرف من جمال وجهها ومن إخبارها له انها تعرف الرقص انه إذا قدمها إلى الخوجة بهيرة فإنها سوف تكافئه على ذلك، وهذا شيء عادي، فبهيرة مغنية مشهورة في كل المدينة وهي تحب ان تكون محاطة بالفتيات الجميلات ثم انها كانت بحاجة إلى راقصة ترافقها في حفلاتها ولهذا السبب حصل على مكافأته. عندما شاهدتها الخوجة بهيرة كادت تسقط على الأرض مغشياً عليها (التعبير الأدبي للشيخ وقد استخدمه عدة مرات خلال سرده للحكاية). لقد كانت بديعة جميلة، بل فائقة الجمال. كانت قطعة نفيسة سقطت في يدي الخوجة بهيرة وهي ستعرف قيمتها بلا ريب. نحن نعلم ان النسوة اللواتي يعملن في هذه المهنة على شيء ضئيل من الجمال.. حتى ان العديدات منهن يعتبرن دميمات. كن بدينات، سمراوات، مترهلات الجسد ومسنات. ماعدا اليهوديات منهن، فقد كن مشهورات بجمالهن وكانت الفرق الموسيقية في المسارح تتصارع من أجل الحصول عليهن مثل تلك اليهودية جميلة التي أخرجت الآهات الحارة من الصدور ليس بسبب صوتها الشجي فحسب، بل بسبب جمال وجهها ولدانة جسمها وبياض بشرتها. أخذتها الخوجة بهيرة واعتنت بها ثم صقلت حركات جسمها وعلمتها بعض الفنون الاضافية اللازمة للراقصة مثل تثبيت الساقين والجذع جيداً ومن ثم هز الخصر بسرعة مع تحريك اليدين. هذه الحركة التي لم تكن بديعة تتقنها جيداً بل كانت تتحرك باستمرار مما يعطيها شكلاً أكثر رجولية وهذا ما لا ترغب به النساء وبهيرة بالذات، فالانوثة الطاغية ضرورية للراقصة. ظلت تعطيها الدروس وتأتيها بمن يعلمها الحركات والفنون اللازمة حتى اتقنت بديعة الرقص الشرقي ورضيت عنها بهيرة. كان لبهيرة شكل غريب وهي المغنية المخضرمة والمعروفة في كل الأوساط في المدينة. كانت تشبه الرجال في وجهها وجسدها وحركاتها. كانت أيضاً تتشبه بهم. ترتدي ثيابهم وتتجول بها ولا تنسى ان تضع في بعض الاحيان الطربوش الاحمر. كانت تحب ان يحسبها الناس رجلاً، حتى انها تهوى الصعود إلى خشبة المسرح مرتدية بنطلوناً وقميصاً للرجال، كما انها لا تنسى ان تضع ساعة في جيب البنطلون الصغير بينما تظهر سلسلتها إلى العيان. وفي أعراس النساء فان مظهرها في جو الحريم هذا يجعل النسوة أكثر تهيجاً ومرحاً. كانت لا تأبه للتعليقات وللكلمات الداعرة التي تتفوه بها بعض النسوة، بل كانت تشارك فيها، ولعلهن كن يسمعنها مثل تلك الكلمات كي ترد عليهن بمثلها وأعظم. كانت امرأة مسترجلة ذات لسان بذيء. وبهيرة ليس هو اسمها الحقيقي، ولا أحد يعرف ماذا كانت تسمى ولعل البعض أطلق لخياله العنان فراح يدعي بان اسمها الحقيقي كان على شاكلة حسين أو عبد الـ... أو ابو صطيف وغيره من الاسماء التي تطلق على الرجال بسبب شبهها بهم. وقد كانت بهيرة حلبية الاصل من حي "قسطل المشط" لم يرزق والداها بغيرها، وخوفاً عليها من أولاد الحرام ادعى ابواها بأنها صبي وراحا يقصان شعرها ويشبهانها بالصبيان حتى انها كانت تعاشر الصبية على انها واحد منهم دون ان يشكوا في أمرها (هذه القصة صحيحة مئة بالمئة وقد كانت تعرف آنذاك باسم صبحي) حتى قيل انها شكلت عصابة من الصبية تحت قيادتها دون ان يعرف أحد بأنها فتاة، وكانت العصابة تغير على البيوت وعلى البساتين لسرقتها، وفي احد الأيام ذهب صبيان العصابة الى بيت احدى العاهرات لسرقتها ولكنها راحت تبكي وترجوهم ألا يسرقوها لأنها في الأصل لا تملك شيئاً للسرقة وعرضت عليهم بدل ذلك ان يناموا معها بالتناوب. أعجبتهم الفكرة وكاد صبحي (بهيرة) ان يفقد مكانته لدى مرؤوسيه من أفراد العصابة فقد خاف من الفكرة لأنها قد تكشف حقيقة جنسه أمامهم. حاول ان يثنيهم عن ذلك ولكنهم كادوا ان يتعاركوا معه فقد كانوا يستميتون من أجل ممارسة ذلك الفعل الذي سمعوا عنه دون ان يمارسوه حتى الآن، وهاهي الفرصة قد سنحت لهم صدفة وبالمجان فلماذا يمنعهم عنها صبحي .. ياله من كلب دنيء.. ؟!! وفي النهاية وافق فراح الصبية يدخلون على العاهرة الواحد تلو الآخر. كانوا يخرجون وهم يضحكون فقد كان الأمر ممتعاً. أخيراً جاء دور صبحي رئيس العصابة. خاف من أن تنكشف حقيقة جنسه فقرر ان يدخل وكان دوره آخر واحد فيهم. وعندما دخل على المرأة وجدها منفرجة الساقين، منهكة ومستسلمة فاجتاح بهيرة شعور طاغ بملامسة جسد العاهرة فاقتربت منها وراحت تلاطفها حتى انها استغربت فعل رئيس العصابة، فعوضاً عن أن يقوم بالفعل اللازم راح هذا العصابجي يلاطفها ويقبلها ويتلمس جسدها وخفاياه حتى شعرت بالمتعة، وهذا ما شعرت به أيضاً بهيرة فاكتشفت في نفسها ميلاً نحو بنات جنسها. منذ ذلك الوقت صارت بهيرة أكثر انسجاماً مع أعضاء عصابتها. حتى ذلك الشيء الذي كانت تخاف ان يكتشفه الرفاق تحول إلى الدرجة الثانية. لقد استطاعت ان تمارس الحب مع امرأة عاهرة كالصبيان واستطاعت ان تشعر بمتعة عظيمة. حتى انها اقترحت على صبيان العصابة الذهاب إلى بيت المرأة عدة مرات، وبما انها كانت فقيرة فقد نصحت بان يدفعوا لها، وهكذا تحولت العصابة إلى زبون دائم عند المرأة وفي كل مرة كانت بهيرة تكتشف عشقها لجسد المرأة وكراهيتها لجسد الرجل، حتى ذلك اليوم الذي همست فيه المرأة إلى أحد أفراد العصابة بان رئيسهم ليس رجلاً لأنه يكتفي بالمداعبات رغم انها كانت مداعبات محمومة. نقل الصبي ما قالته له المرأة إلى باقي رفاقه فراحوا يراقبون صبحي باستمرار فاكتشفوا بعد مدة انه لا يتبول وقوفاً مثلهم، أو أنه لا يتبول بالمرة، فقد كان صبحي يدعي انه ليس محصوراً عندما يصطف الصبيان ويخرجون أعضاءهم ويتبولون. كان يبتعد عنهم وهم يفعلون ذلك. كانت مصيبة عظيمة بالنسبة لصبيان العصابة. فضيحة بجلاجل.. فأية عصابة هذه التي رئيسها " شكر" (لا أنثى ولا ذكر)؟؟ يا للعار.. تمنوا ان يكون الأمر على غير ما يعتقدون، أو ان تكون العاهرة على خطأ، ثم كيف يمكن تصديق عاهرة والشك برئيس العصابة؟ كان عليهم ان يكتشفوا الأمر بانفسهم.. ولكن كيف؟ هل يمكن طرح السؤال على صبحي؟ هذا مستحيل، فلا يمكن طرح مثل هذه الاسئلة، انها مهينة، فماذا لو كان الموضوع كله خطأً وكانت تلك الساقطة تحاول الايقاع بينهم لتتخلص منهم؟ كانوا في رحلة إلى جسر (القرّي) على نهر قويق. كانوا قد سرقوا دجاجة من أحد البساتين القريبة وقاموا بذبحها ثم أشعلوا النار وقاموا بشيها. سبحوا في النهر وتباروا في دخول الدوامة المائية التي سبق وابتلعت العديد من الصبيان والرجال، وعندما استلقوا ليستريحوا شاهدوا صبحي (الذي اعتاد الا يشاركهم لعبهم في الماء) مستلقياً. كان نائماً. حينها استقر رأيهم. قرروا ان يمسكوا به من يديه ورجليه ويقوم أحدهم بخلع بنطلونه وقميصه. عليهم ان يحلوا المسألة اليوم مادام الوقت مناسباً، فإن كان صبحي صبياً مثلهم فسوف يضحكون ويجعلون الأمر يبدو وكأنه مزاح.. ولكي لا يستاء صبحي تعرى الصبيان. خلعوا اللباس، القطعة الأخيرة التي تستر عورتهم ثم اقتربوا من النائم، وباشارة من صاحب الفكرة أمسكوا بصبحي وراحوا يعرونه. أفاق وحاول الدفاع عن نفسه ولكنهم كانوا قد أمسكوا به جيداً وهم يضحكون. خلعوا عنه بنطلونه ثم لباسه، وعندما ظهرت عورته توقفوا عن الضحك... لقد استنتجوا ما كانوا يخافون منه. كان صبحي فتاة. تناسوا العار أمام المفاجأة. كيف لم يخطر ببالهم ان زعيمهم فتاة؟ تركتهم بهيرة وعادت وحيدة إلى المدينة وهي تبكي. أما هم فقد عقدت المفاجأة ألسنتهم. لقد استطاعت بهيرة ان تخدعهم طوال تلك المدة لأنها تشبه الصبيان في كل شيء، تشبههم بالوجه والسيقان والايدي. كان لها عضلات وكانت تقاتل كما يقاتل الصبيان. كانت تشبههم في كل شيء ماعدا في ذلك الشيء الذي يميزهم في أسفل البطن، وهذا الشيء كانت بهيرة تخدعهم به لأنها كانت تتحاشى التبول أمامهم. وماذا عن الثديين؟ كانوا في الخامسة عشرة، أي ان لبهيرة صدراً كسائر الفتيات اللواتي في عمرها.. هل كانت تربط صدرها؟ فصلوا بهيرة من العصابة وانتخبوا صبياً آخر ليكون زعيمهم، وكان أول قرار اتخذوه هو اغتصاب بهيرة. ولكنها كانت صاحية فتملصت منهم. هي أيضاً اتخذت قراراً خطيراً. قررت ألا تتزوج أبداً، لا لشيء إلا لأن الرجال والصبيان يمتلكون أجساداً تثير في نفسها الاشمئزاز.. أصبحت تكره مجتمع الرجال، ومن أجل ذلك صارت مغنية أعراس. في الثامنة عشرة اكتشفت أمها حلاوة صوتها. كانت بهيرة قد بلغت وجاءها الحلم، ولكن أي حلم هذا الذي صار يجيئها؟ كانت تحلم بمعاشرة النساء. كانت ذات قد ممتشق وغير مترهل، أما صدرها فقد نما بشكل يستحيل عليها إخفاؤه بالرباطات. لم يعد يضايقها ذلك لأنها لم تعد تحب معاشرة الصبيان وأصبحت تفضل عليهم معاشرة الجنس الألطف.. النساء. كان جنسها يهيئ لها مثل هذه المعاشرة بسهولة، ففي بلدنا يستحيل على شخص ما ان يدخل مجتمع النساء إن لم يكن امرأة، حتى لو كانت المرأة تشبه الرجال مثل بهيرة. وعندما اكتشفت امها حلاوة صوتها كما مر ذكره، صارت تشجعها على الغناء في حضرة الصديقات والجارات ولم يخطر في بال الام ان بهيرة ستصبح يوماً مغنية أعراس. كانت شهرة بهيرة قد ذاعت في المدينة وفي كل بيت. كانت مغنية الأعراس واستقبالات النساء وحفلات الولادات وبالتحديد حين يكون المولود صبياً. كانت تذهب إلى الحفل مع فرقتها الموسيقية التي من المفترض ان يكون كل العازفات من النساء أيضاً، أما هي فقد اعتادت ان تقف على الخشبة وهي ترتدي ثياب الرجال، وفي بعض الأحيان كانت تضع طربوشاً على رأسها أو ترسم شاربين مفتولين ودائماً كانت تشكل وردة بيضاء في عروة سترتها. كانت قد اشتهرت بمزاجها الذكوري ذاك وهذا بالذات ما جعل نساء المدينة يمتن فيها ويعبدنها. كانت تشكل حالة اسمها صرعة بهيرة. هناك شيء آخر اشتهرت به ألا وهو حبها للنساء. حبها لبنات جنسها. كانت أخبار عشقها ومعشوقاتها تتردد في الصالونات وفي الاستقبالات وفي حفلات الحمام. لم تكن تخجل من هذه الاخبار أو الاشاعات، بل كانت تفتخر بها وتتفاخر بآخر معشوقة لها وصراعها المحموم من أجل الاحتفاظ بها وابعادها عن الحاسدات والمنافسات من اللاتي اشتهرن أيضاً بحبهن للنساء. كان هناك صراع أيضاً بينهن من أجل اكتساب قلب امرأة أو فتاة جميلة تدخل الوسط لأول مرة، وقد كانت الخوجة بهيرة قد كسبت احدى الموسيقيات، وكانت بالمناسبة عازفة قانون شقراء، كسبتها من غريمتها الخوجة سماح وضمتها إلى فرقتها، حين قرع الباب ودخلت بديعة برفقة ذلك الرجل الذي قادها اليها ليربح بذلك تسع ليرات ذهبية في زمن الحرب والفقر والموت جوعاً. سألني الشيخ الجليل وقد أشرق وجهه بابتسامة ذكية: - هل عرفت أخيراً لماذا فرحت الخوجة بهيرة ببديعة بحيث انها دفعت مبلغاً طائلاً وبالذهب الأصفر إلى الرجل لقاء اتيانه بها إليها؟ - عرفت أيها الشيخ الجليل، أتصور انها كانت على شيء عظيم من الجمال ، فتاة فاتنة سيقت إلى امرأة مخضرمة وعاشقة للنساء. ولكن قل لي من فضلك.. ألم تثر غيرة باقي النساء من الموسيقيات أعضاء فرقة الخوجة بهيرة، وخصوصاً تلك التي أتيت على ذكرها، أقصد عازفة القانون الشقراء التي سرقتها بهيرة من غريمتها الخوجة سماح؟ - كادت الشقراء تموت من الغيرة، انت لا تعرف هذا الصنف من النساء، وربما تعرف ولا يحق لي الإقلال من شأن معارفك وخبراتك في الحياة، ولكن تصور امرأة تنافست عليها امرأتان مخضرمتان في العشق فترى نفسها فجأة وقد زال اهتمام عاشقتها بها وراحت تصب كل اهتمامها على تعليم بديعة أصول الرقص كفن وعلم وتهتم أيضاً بجمالها ورونقها وأناقتها. - وماذا حدث لتلك الشقراء؟ - هجرت الخوجة بهيرة وعادت من جديد إلى الخوجة سماح. ضحكت عندما قال ذلك الشيخ، فقد أصبحت القصة أكثر امتاعاً، ويبدو انني قد استهوتني كثيراً قصص تلك النسوة العاشقات، ومن أجل ان أبدو عارفاً بهذه الأجواء فقد أسميتهن للشيخ، قلت له: - اعتقد انه يطلق عليهن اسم بنات العِشْرة. - نعم.. بنات العِشْرة. - ولكنني لا أعرف من أين أتت تلك التسمية، هل تعرف انت أيها الشيخ؟ - أعتقد أن بنات العشرة تسمية تطلق على النساء اللواتي يتعاشرن كما يتعاشر الرجل والمرأة، لهذا السبب أطلقت عليهن هذه التسمية. ففي تاريخ المدينة هناك أخبار عن نساء يعشن سوية في بيوت كأنهن أسر عادية. كأنهن رجل وامرأة، ودائماً هناك من تأخذ دور الرجل في البيت والأخرى تأخذ دور المرأة. - وهل من الضروري ان تكون الأولى أكبر من الثانية؟ - على الأغلب، ولهذا السبب تسمى الكبيرة، أي التي هي بمثابة الرجل في البيت، والأبلاية هي تحريف لكلمة تركية تطلق على الأخت الكبيرة.. اما الثانية فهي تنسب إلى الأولى أي إلى الأبلاية ويقال عنها "فتاتها".. - وماذا حدث بعد ذلك لبديعة، فقد بدأت أهتم بها لأنها أم بطلتنا وداد التي وصلت إلى حلب بالقطار وبيدها مظروف معنون وقد صادف أن التقطت لها صورة مع المندوب السامي الفرنسي؟ - أصبر علي قليلاً، فأنا أريد ان أحدثك شيئاً عن الخوجة سماح.. ولكن الوقت قد تأخر، وأنا أرى بان الخادم قد ذهب إلى النوم، فما رأيك ان نصعد نحن أيضاً إلى غرفتينا لنأخذ قسطاً من الراحة على ان نتابع في الغد؟ قلت فليكن، وخصوصاً وأنني قد عشت اليوم أحداثاً مرهقة واذا أردت ان أستمع جيداً إلى القصص وان ترسخ في ذاكرتي، فعلي ان أكون بكامل قواي. نهضت وساعدت الشيخ في الصعود إلى غرفته. كان ضعيفاً جداً فكان يرتجف عند صعوده الدرجات، وقد وجد مشقة عظيمة في الوصول إلى الغرفة. فتحت له الباب ثم أضأت النور ثم ساعدته في الوصول إلى الفراش، ولم أتركه حتى اطمأننت عليه وعلى أغطيته السميكة. شكرني ثم تمنيت له ليلة سعيدة وهممت في الخروج ولكن نظرة سريعة ألقيتها على الغرفة جعلتني أتسمر في مكاني. كانت الجدران مليئة بالصور المؤطرة. لم يكن هناك مكان لصورة أخرى إذا ما احتاج يوماً إلى اضافتها إلى مجموعته، حتى ان الصور توزعت أيضاً على طاولة صغيرة للكتابة وعلى الكوميدينتين المركونتين إلى جانبي السرير وعلى التواليت. كانت صوراً لنساء ورجال، أطفال وشيوخ، كلهم من الطبقة، وكلهم كانت له علاقة بهم يوماً. كان الشيخ ينظر الي فشعرت انه لا يريدني ان اتطفل على صوره وماضيه (لم يكن شعوري صحيحاً آنذاك فقد أخبرني بعد ذلك بأنه كان يحب فضولي ذاك) فودعته ثم أطفأت النور وخرجت. رغم كل تعبي واستغرابي من الشيخ ومن بيته وغرفته وصوره وخادمه استغرقت في النوم مباشرة بعد ان وضعت رأسي على المخدة، وكنت قد تأكدت من أنني أقفلت الباب جيداً من الداخل، فأنا مع ذلك حريص جداً ومرد ذلك إلى جبن قديم يسكن في قلبي. * * * * * استيقظت صباح اليوم التالي وانا أشعر بثقل في رأسي. فتحت عيني وظللت مستلقياً. كنت أحاول الاحتفاظ بذلك الشعور الغريب لشخص يستيقظ صباحاً فيجد نفسه في مكان لم يعتد عليه، أو على الأقل في غرفة نوم غير مألوفة. كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة بينما ضوء النهار الرمادي وصوت انهمار المطر يوحيان ان الوقت أبكر من ذلك بكثير، في حين ان الغرفة كانت تبدو لي أكثر حميمية منها ليلة أمس حين دخلتها لأول مرة. كانت غرفة نوم بسيطة ولكنها أنيقة. تخلو جدرانها من الصور التي ملأت غرفة الشيخ حتى التخمة فاكتفوا بتعليق لوحة لمنظر طبيعي. كانت غرفة النوم من خشب السنديان المحفور ويبدو انهم قد أتوا بها من حلب، فأنا من هناك وأعرف ان مدينتي تشتهر بمثل هذه الصناعات. لم أكن أسمع أي ضجيج أو أي صوت عادي من الريف. هذه هناءة لا تعادلها أية هناءة يحلم بها ابن مدينة مثلي، وبينما كنت أتمتع باستلقائي وبالهدوء خطر في بالي انني ربما سمعت حركة داخل الغرفة بينما كنت نائماً، وبسبب الارهاق الذي عانيته وبالبرد والرطوبة التي تسللت إلى عظامي، فقد استمريت في النوم دون أن أقوى على النهوض واشعال النور وتفقد مصدر ذلك الصوت. هنا أًصابني شيء من الخوف. نهضت وتفقدت باب الغرفة فتأكدت انه كان مقفلاً ثم فحصت النافذة المطلة على الحديقة الخلفية للمنزل فوجدتها محكمة الاقفال أيضاً.. إذن فقد كنت أحلم على الأرجح فشعرت بالراحة، فدخلت إلى الحمام فاغتسلت ثم حلقت ذقني (بادوات جديدة كان الخادم قد جهزها لي خصيصاً لاستخدمها) وشرعت في ارتداء ثيابي، حينها فقط سمعت نقراً خفيفاً على الباب ثم صوت الخادم يدعوني للنزول لتناول طعام الافطار. عندما نزلت إلى الاسفل كان الشيخ جالساً إلى المائدة ينتظرني. صبحت عليه ثم جلست في مكان خصص لي. كانت غرفة الصالون أكثر بساطة مما حسبتها في الليلة الماضية رغم عشرات التحف والصناديق الخشبية واللوحات وقرون العاج المزخرفة وقطع الصيني النفيسة وغيرها من أشياء أحضرها الشيخ من أسفاره إلى مختلف أصقاع الدنيا. كانت تلك التحف تضفي على الصالون وغرفة المعيشة شكلاً راقياً وتشي بان للشيخ ذوقاً مرهفاً. تناولنا طعام الافطار بصمت، وكان الخادم يأتي ليصب لنا الحليب أو يقدم لنا طبق البيض المقلي. وبسبب الصمت الذي خيم علينا نحن الثلاثة أثناء تناول الطعام استطعت التمعن في وجه الشيخ فوجدته أقل شيخوخة مما حسبته ليلة أمس، بل إنني رأيته يمتلك وجهاً أليفاً ومحبباً. رأس خفيف الشعر ولامع، بينما امتدت التجاعيد الخفيفة على جانبي وجهه. كانت عيناه عسليتين لم تنطفئا كلياً بعد. كان الشيخ مريحاً للنظر وودوداً أما الخادم فقد وجدته أكثر غموضاً وعدوانية، فخطرت ببالي الاصوات التي هيئ لي انني سمعتها أثناء نومي فأصابتني رجفة خفيفة. تناولنا القهوة في غرفة المعيشة إلى جانب مدفأة الحطب، وبينما كنا نفعل ذلك (كان الخادم قد تركنا بمفردنا بعد ان قدم لنا القهوة) راح الشيخ يكمل سرد حكايته. قال بصوته الضعيف والعميق: - لقد وعدتك ان أحكي لك شيئاً عن الخوجة سماح، فلا يمكن ان تكتمل الصورة دونها. فقلت له لا بأس فأنا منصت إليك ويسعدني أن أحظى بهذا الشرف الذي خصصتني به، فقال.. كانت الخوجة سماح منافسة حقيقية للخوجة بهيرة. كانتا تتسابقان في الغناء في أرقى البيوت وأشهرها، لهذا الأمر فقد كانتا تعقدان الصداقات مع نساء أهم العائلات الحلبية وأشهرها لكي لا تفوتهما الفرصة إذا ما قررت احدى الأسر اقامة حفل خطوبة أو عرس. كانت إحداهما تتآمر على الأخرى، حتى ان احداهما كانت تعمل على تنحية الأخرى عن حفل ما لكي تحل محلها. أكثر من ذلك كانتا تتنافسان على تقديم أجمل الأغاني وأحدثها، لذلك فقد كانتا توصيان على أحدث الاسطوانات من شركة "الجراموفون ليمتد" المصرية، حتى ان الخوجة سماح استطاعت مرة ان تحصل على آخر اسطوانة للمطرب " الاديب الشيخ سيد الصفتي" حتى قبل ان تصل إلى وكيل الشركة في دمشق الشام فاستطاعت ان تغني في حفل حضره الوالي بنفسه أحدث دور لسيد الصفتي ولم يكن أحد قد استمع اليه بعد وهو " يا قلب مين قال لك تعشق" فكسبت اعجاب الجميع وتحدث عنها السمّيعة في اليوم التالي بكل تقدير مما أثار حنق الخوجة بهيرة وغيرتها. كانت سماح أجمل من بهيرة التي تشبه الرجال. كانت فيها أنوثة، بيضاء البشرة وممتلئة ذات وجه مستدير وليست مثل بهيرة التي تمتلك وجهاً متطاولاً. كانت تشكل باستمرار وردة حمراء في شعرها مما يعطيها شكلاً أنثوياً محبباً، هذا بالاضافة إلى ان الله قد أكسبها فماً عظيماً وشفتين ممتلئتين فكانت تبدو وكأنها شهوانية. هذا الاختلاف بينها وبين بهيرة في الهيئة لا يقابله اختلاف في الطباع، فقد كانت لسماح أيضاً ميول نحو النساء وقد رفضت الزواج هي أيضاً بسبب هذه الميول، لهذا الأمر فقد كانت تسرق من بهيرة فتياتها وحبيباتها، مغنياتها وراقصاتها وكذلك كانت تفعل بهيرة، وآخر عملية اختطاف (كما ذكرت سابقاً) قامت بها بهيرة حين خطفت من سماح عازفة القانون الشقراء وجعلتها حبيبتها، وهي نفسها التي شعرت بالغيرة القاتلة حين وصلت بديعة وحلت محلها في حياة بهيرة وقلبها فتركتها وعادت إلى أبلايتها الأولى سماح. كان وصول بديعة ضربة حظ كبيرة للخوجة بهيرة. جاءت في الوقت المناسب، فقد كانت سماح قد كسبت العديد من النقاط على بهيرة، فقد كانت سماح محوطة بعدد لا بأس به من المواهب النسائية المرغوبة من الاوساط الراقية. كانت فرقتها تضم موسيقيات بارعات وجميلات، ورغم انها فقدت عازفة القانون الشقراء فان ذلك لم يكن كارثة على أعمالها بسبب وجود أخريات من نفس المستوى وأفضل. كانت أمور بهيرة تسير بشكل معاكس ولم تكن في حال جيد حتى ان القانونجية الشقراء لم تحسن وضعها كثيراً بين السميعة رغم جهود بهيرة الكبيرة واستعارتها للعديد من الأغاني الحديثة القادمة من مصر وخاصة تلك التي كان يلحنها محمد أفندي عثمان و داوود حسني. سألت الشيخ مقاطعاً سير الحكاية: - ولكن لماذا كانت أمور الخوجة سماح أفضل من أمور الخوجة بهيرة، لماذا كل تلك الجميلات في فرقتها بينما فرقة بهيرة تفتقر إلى مثلهن؟ - يكمن السبب في روح التسلط التي كانت لبهيرة، كانت تعامل فتياتها بكثير من القسوة. كانت خشنة الطبع محبة للتملك، وأي تملك..؟ انه تملك للبشر مما يجعل الفتيات يهربن منها لأنها تحصي عليهن أنفاسهن. - حقاً انها كالرجال، ولكنني أعتقد ان مثل هذه الروح تلائم النساء كثيراً فلم لا..؟ - هناك شيء كما قلت لك، يميز الخوجة سماح، فقد كانت جميلة وشقراء وكانت تبدو كامرأة رغم انها كانت أيضاً من بنات العشرة.. ويبدو ان النساء اللواتي يصاحبنها يرغبن أيضاً بان تكون أبلاياتهن نساء بكل معنى الكلمة. - وهل رضيت بديعة بان تعمل لدى مغنية لديها ميول مثلية؟ عاد الشيخ إلى الحكاية فقال: ظلت بهيرة تهتم ببديعة حتى جعلت منها راقصة يعتد بها يمكن ان تقدمها في حفلاتها التي كانت تقيمها في صالونات العوائل وفي الأعراس. لقد حولتها من فتاة هاربة من قوانين أمها في احدى البلدات الريفية إلى امرأة جميلة وراقصة محترفة. لو كان ذلك الرجل قابل بديعة بعد ان أعادت بهيرة صنعها لما صدق أنها نفس المرأة، فقد اعتنت بلبسها وشعرها وبشرتها، كما علمتها كيف تمشي بعد ان شاهدتها تلقي بقدميها أمامها بشكل ريفي غير محبب في المدينة. أما رقص بديعة فقد صار أكثر توازناً وعلمتها كيف تبتدع الحركة من الايقاع وتبدلها باستمرار، وكانت بهيرة تنصح بديعة باستمرار باظهار تلك الرقة التي كانت تميزها وعدم جعل الخجل يقلل من ظهورها. كانت تريدها راقصة حقيقية يصفق لها الرجال والنساء على السواء كما كانت تريدها امرأة رائعة الجمال تأسر القلوب وتنتزع آهات الاعجاب من كل شخص يراها، وبما ان بهيرة كانت تعلم قيمة بديعة فقد خططت جيداً لطريقة اخراجها إلى العلن وتعريف الوسط بها، وقبل ان يعرفها كائن من كان جعلتها تشاركها في فراشها وقامت بمداعبتها فأذاقتها طعم الحب لأول مرة، فقد كانت تلك القروية تجهل الكثير مما يمكن أن تفعله معها امرأة مثلها. كانت بديعة سعيدة بكل هذا الذي كان يحصل معها، فقد انتشلتها بهيرة من مصير غامض كان مكتوباً لها في شوارع المدينة الجائعة، وفي أفضل الأحوال كان يمكن أن تعيدها ظروف الحرب والمجاعة إلى قوانين أمها، ولكن بهيرة أنقذتها من كل تلك المصائر السوداء وجعلتها تتذوق رفاهية لا تخطر ببال الحالم فكيف بفتاة ريفية بريئة؟ وعدتها بالحب والحرائر والذهب.. وعدتها بالشهرة والاضواء.. وعدتها بكل ذلك وأكثر ولكن كان عليها ان تكون أمينة لأبلايتها، أن لا تخونها مع أي شخص كان وخصوصاً مع سماح سارقة النساء. أخبرتها انها ما إن تخرج إلى الأضواء حتى ستسمع الهمسات اللطيفة والوعود السخية وكلمات الاعجاب الكثيرة، أخبرتها أيضاً ان كثيراً منالنساء قد يقعن في غرامها، ولكن كل هذه المشاعر هي ضرب من النفاق، فلا يوجد على هذه البسيطة من يمكن ان تحبها مثل بهيرة ذاتها التي صنعتها وأحيتها من جديد ولذلك عليها ان تسمع وتنسى. لا يوجد أصدق من بهيرة ومن وعود بهيرة ومن حبها ومداعباتها. ثم هناك الرجال، انهم وحوش كاسرة عليها ان تأخذ حذرها منهم وتبتعد عنهم. انهم يزرعون الهموم في قلوب النساء ويزرعون الاجنة في أرحامهن ولذلك عليها ان تحتاط منهم. كان الرجال أعداء بهيرة الألداء. قد تستطيع بنت عشرة ان تخطف فتاة من بهيرة، ولكنها لن تلبث ان تعيدها منها.. أما إن قام رجل باختطاف حبيبة لبهيرة فليس هناك من أمل باعادتها إلى مخدعها بعد ان تكون قد تزوجت منه وقام بفض بكارتها وجعل بطنها ينمو ثم أشغلها بالاولاد..كانت بهيرة لا تنفك تحدثها عن الرجال وكم هم كريهون بأعضائهم التناسلية الفظيعة حتى جعلتها تكرههم. لقد صورتهم لها كوحوش كاسرة يمتلكون خراطيم أسفل بطونهم يمزقون أحشاء النساء بواسطتها. أما البديل الملائكي فقد كانت ملاطفات بهيرة في سريرها ليلاً. كانت تحضنها وتقبلها ثم تجردها من ثيابها وتظل تحتك بها حتى تجعلها تتأوه. لقد أحبت بديعة ما كان يحصل لها في سرير بهيرة، وفي احدى المرات تركتها الخوجة دون ان تلمسها. تركتها تنام وكأنها تعاقبها على ذنب اقترفته. ولكن بديعة كانت قد اعتادت على ملاطفتها ولن ترضى ان تنام دون أن تلمس. كانت تسمعها كيف تزفر وتتقلب في الفراش ثم شعرت بها وهي تبادر فعرفت بهيرة ان بديعة قد أصبحت جاهزة ولا خوف عليها إن هي قدمتها إلى المجتمع.. وهكذا كان. فجرت الخوجة بهيرة قنبلتها في الوسط الفني الحلبي. لم ترد ان تقدمها في عرس عادي، ففي الاعراس تضيع مثل هذه المفاجآت، بل قدمتها في حفل أقامته زوجة الوالي التركي حضرته نساء أهم رجالات المجتمع من تركيات وعربيات وشركسيات. كان على الخوجة بهيرة ان تغني لهن في بيت الوالي وكان من الطبيعي ان تصطحب معها راقصتها، ولكن لم يخطر في بال أي من الحاضرات ان تخرج اليهن ملاك في بذلة الرقص. كانت الخوجة بهيرة تغني وهي تراقب أكثر من مئة عين توسعت فجأة ثم ثبتت على بديعة رائعة الجمال التي كانت ترقص برقة تسلب الألباب. فجأة شعرت السيدات والخانمات انهن مأسورات بهذا الجمال الأبيض الذي يتحرك بايقاع ناعم. بعضهن زفرن بصوت غير مسموع وبعضهن بصوت مسموع. وفي اليوم التالي تحدثت المدينة كلها عن الراقصة بديعة وراحت طلبات احياء الحفلات في صالونات أهم البيوت في المدينة تنهال على بهيرة، حتى ان بيت الخوجة فقد هدوءه بسبب كثرة الزائرات اللواتي جئن للتعرف على بديعة البديعة ومراقبتها عن كثب. جاءت الكثيرات من أجل تجريب حظهن معها، فقد عشقنها منذ اللحظة الأولى التي رأينها فيها ترقص ولكن الخوجة بهيرة كانت تستقبل الزائرات والعاشقات بحيث كانت تحرص على ان تجلس بديعة إلى جانبها، ملتصقة بها، وغالباً ما كانت تأخذ راحتها بين يديها امامهن ليفهمن بأنها فتاة بهيرة وان حظهن في كسب ود بديعة صفر. حتى ان بهيرة امرتها ان تقبلها كلما خطر في بالها أمام أعين الزائرات. كانت تعلن للجميع انها أبلايتها، حتى أنها اتفقت مع خادمتها ان تطلب من الزائرات العاشقات ان ينتظرن في الصالون لأن بهيرة وبديعة ما تزالان نائمتين في السرير، ثم وبعد وقت، تأتيان بثياب النوم لترحبا بهن فتبدوان وكأنهما كانتا تمارسان الحب وقد قطعن عليهما لحظات حميمة. كان الرجال يأتون أيضاً إلى بيت الخوجة بهيرة للتعرف على بديعة بعد ان سمعوا من نسائهم عن تلك الأعجوبة. وكان هؤلاء ضباط أتراك ورجال الوالي وكبار التجار والمستشارين المدنيين.. جاء حتى مارشال الماني وباشا تركي وبكوات عرب. كانت بهيرة تظهرها أمام السيدات والخانمات بطيب خاطر، أما أمام الرجال فقد كانت تظهرها وهي مجبرة على ذلك. كانت تخاف من الرجال. أما الخوجة سماح، منافسة بهيرة في الغناء وفي عشق النساء فقد كانت تتابع الأخبار بغيظ. كانت قد أرسلت عدة عميلات سريات ليأتين لها بعد ذلك بوصفٍ دقيقٍ لعشيقة بهيرة ذائعة الصيت. حاولت سماح اغواء بديعة. أسمعتها بعض الوعود عن طريق بعض النساء من عميلاتها ولكن بهيرة كانت لهن بالمرصاد. كن يجابهن بوجه ذكوري صارم وبإرادة صلبة مستعدة للحرب في سبيل بديعة. وعلى مدى أكثر من سنتين كانت بهيرة هي سيدة الساحة الفنية النسائية في المدينة، والعاشقة السعيدة لأجمل وأرق راقصة فيها، وكانت بديعة بدون منافسة حقيقية واستطاعت بهيرة حمايتها فاكتفت العاشقات الأخريات بالتأوه من بعيد فحسب. ولكن مهما كان المرء حريصاً فإنه لن يلبث ان يغفل عن المكروه الذي يخاف أن يقع له. كانت بهيرة تخاف من مثيلاتها من النساء ان يخطفن منها بديعة. كانت تخاف أيضاً من الرجال الأشرار فحاولت بدأب جعل بديعة تكرههم (فهم على كل حال أصل كل مصائب النساء حسب رأيها). وفي احدى المرات التي كان بعض الرجال الأشراف يقومون بزيارتها، وقعت بديعة في غرام أحدهم. كان الرجل هو اليوزباشي جودت، الضابط التركي الوسيم الذي خطف قلب بديعة ثم خطفها من الخوجة بهيرة. كان شاباً قوياً ذا رونق لا يقاوم. دخل إلى بيت بهيرة مرافقاً لأحد كبار الضباط العثمانيين. جلس صامتاً ينتظر الفرص لينظر إلى بهاء بديعة دون ان يجعل أحداً يكتشف ذلك، فقد كان خجولاً ولكنه في داخله كان مغامراً جريئاً. لقد وقع في غرام بديعة. كان ذا عينين دقيقتين وعميقتين كعيني النسر. كانت بديعة تشعر برعشة لطيفة تجتاحها كلما التقت بهما. هي أيضاً وقعت في غرامه ولكنها ما كانت لتجرؤ على البوح بذلك أو تجعل أبلايتها تعلم. كان يأتي إلى الشارع، حيث يقع بيت بهيرة فيقف عند الناصية ساعات طوال. وعندما اكتشفت بديعة انه هناك راحت تقف هي أيضاً على نافذة الكشك الخشبي لتنظر اليه وتتركه ينظر اليها. كان يبوح لها بحبه بالاشارات ويدعوها إلى الخروج لملاقاته. أصبحت تفكر به في صحوها وتحلم به في منامها حتى ضعفت مقاومتها، حينها صارت تختلق الاعذار وتخرج لملاقاته. كانت تأخذ معها الخادمة (والخادمة يمكن رشوتها بسهولة) وفي احد البيوت استطاع ان يحصل عليها ويذيقها طعم الحب الصحيح فاكتشفت بديعة ان الرجال ليسو سيئين إلى هذا الحد، وان خراطيمهم لها طعم لذيذ. وفي أحد الأيام شعرت بالغثيان وكان طمثها قد انقطع منذ مدة. كانت حاملاً بوداد. ما العمل؟ أخذها وكتب كتابه عليها عند أحد الشيوخ، كان عليها ان تخبر أبلايتها بهيرة ولكن الخوف منها كان يؤخرها حتى ذلك اليوم الذي تعاظمت فيه الحرب وقالوا ان دمشق على وشك السقوط بأيدي الجيوش العربية والانكليزية. حينها كان على اليوزباشي ان يرحل مع ضابطه العثماني العجوز إلى الجنوب للعمل على صد تلك الجيوش. كان وداعاً حزيناً بكت فيه بديعة خوفاً على حبيبها الضابط التركي اليوزباشي جودت وخوفاً من مستقبلها الغامض. رحل جودت وتركها خائفة من ان يظهر حملها فتكتشف بهيرة أمرها. ولحسن الحظ كانت الحفلات قد توقفت بسبب هزيمة العثمانيين، فمن يحفل بالغناء والرقص في هذه الظروف؟ وعندما سمعت ان دمشق سقطت هي الأخرى وان الضباط الاتراك يهربون بالقطارات إلى الأراضي التركية هربت بدورها من أبلايتها الخوجة بهيرة. هربت بالقطار (كما قلت) وسكنت في محطة ميدان أكبس تراقب القطارات القادمة من الجنوب لعل حبيبها الضابط التركي يجدها فيعيشان معاً كما خططا. ولكن الحرب انتهت، وهرب كل الجيش التركي من سورية وجاء الجيش الانكليزي ولم يظهر اليوزباشي جودت. أما الخوجة بهيرة فقد كان عليها ان تتحمل هذا الخسران الفظيع.. خسران بديعة، وكان عليها ان تتحمل شماتة الخوجة سماح. * * * * *
|
Copyright © 1999 - 2001 Nihad Sirees All rights reserved