- تعالوا إلى القسم
الثاني من الكوميديا الفلاحية … حكايات ممتعة ، أخبار عجيبة ، حوادث
مذهلة حروب بين القبائل ، عشق وفروسية ، غزو وسلب ، هروب إلى أطراف
المدينة، أعمال سرية، أسلحة ، حشيش ، دعارة ، وصراع على النفوذ في
محطة القطارات مع عشيرة أبو عبيد .
- ستتمتعون أيضاً
بوقائع أحلام العشاق وستسمعون تنهداتهم. كل الحكايات المثيرة ،
يرويها لكم اليوم الحكواتي الأكثر شهرة في الحي : أبو النون ...
احجزوا محلاتكم سلفاً !!
-
- لماذا أنتم صامتون ومتوترون هكذا ، هل أنتم
حزينون على ما جرى في "قرية الذهب" ؟ ولكن الحكاية لم تنته بعد . لقد
جئتم لأسرد عليكم ما بقي من القصة ، وهاهي ذاكرتي قد نشطت وما عليكم سوى
الاستماع . لقد كان ما جرى هو البداية ، لذا ، اطلبوا الشاي من جديد ،
أشعلوا سجائركم ، وإذا أردتم فاخلعوا أحذيتكم أيضاً ، لأن قصتنا طويلة ،
والزمن الذي مضى طويل ، والباقي منه قصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله
.
- كان ياما كان في قديم الزمان ، كانت "قرية
الذهب" قد احترقت عن آخرها ، ما عدا الجامع وبيت المختار وبعض بيوت
الفلاحين الطينية ، وكان كثير من أهلها قد مات .
- قعد الباقون على قيد الحياة يلطمون وجوههم
ويبكون . كل واحد فيهم قد ماتت له امرأة أو أبن أو أخ أو أم أو ما شابه .
دفنوا موتاهم رحمة بهم ثم تجمعوا وقالوا :
- - يا شباب ليس لنا قعود هنا.
- - أين سنذهب ؟
- - إلى جهنم ، ولكن لن نقعد
هنا.
- - علينا أن نفكر أولاً .
- - لماذا لا نسكن بجانب الفرات
؟
- - بل الأفضل أن نذهب إلى قرى آل المدرس ، إنهم
يزرعون القطن .
- - بل عند آل الرفاعي .
- - ما رأيكم بآل الأسعد ؟
- نهض عزيز وأسكتهم ثم قال :
- - أنا من جهتي لن أزرع أرضاً بعد الآن ، سوف
آخذ عيالي وأرحل إلى المدينة ، ومن أراد المجيء معي فليتفضل
.
- حمل عزيزي كيسه ومشى . لحقت به إمرأته سعدية ثم
زليخة وبناتها هند ودلال وسميرة وعزيزة ومنيرة . اجتازوا النهر دون أن
ينظروا إلى الخلف ، بعد قليل عرف أن الحلاق فهمي شاعر القرية دون منازع .
وأبو غالية صاحب المخزن وفضة أرملة حسين وعبدو خادم الشيخ معتوق قد لحقوا
بهم. ظلوا يمشون حتى وصلوا إلى طريق السيارات . هناك اكتشفوا أنهم لا
يملكون سوى بضع ليرات في جيوبهم وقرطين من الذهب مركونين في أحد جيوب
عزيز . كان قد اشتراهما من البلدة ليقدمهما هدية للست كاميليا . استقلوا
البوسطة وقوفاً وقالوا للسائق أنهم راحلون إلى المدينة . انطلقت البوسطة
وانطلق عقل عزيز يفكر . ماذا سيفعلون في المدينة ؟ أي شيطان دفعه ليقرر
الرحيل إليها ؟ فهو يعرف المدينة ، كان فيها - كما تعلمون ، قبل عدة
أسابيع حين مات الشيخ معتوق . الخلاصة هي أن عزيز لم يحب المدينة ولا
ناسها ولا شوارعها ، ومع ذلك فهو يقودهم إليها . لعن عزيز حظه، فقد جاءت
المدينة وخربت بيوتهم . ماذا سيحصل لهم ؟ قال في لنفسه … عليك أن تنتبه
جيداً يا عزيز وتفتح عينيك لئلا تعلق بواحدة مثل ما علق الدكتور ابن
المختار بتلك الأفعى التي اسمها كاميليا. قعد في قعر الباص وراح يلف
سيكارة . جلس فهمي الحلاق إلى جانبه ثم أخذ علبته ليلف لنفسه هو أيضاً .
سأله أين سينامون في المدينة ، فقال له أنه لا يعلم . ثم سأله ماذا
سيعملون هناك ، فأجابه مرة أخرى أنه لا يعلم . أشعل فهمي الحلاق سيجارته
ثم نفخها في وجهه وهويحملق في عيني عزيز ثم قال له وهو يكز على أسنانه
:
- - ابن القحبة … لماذا إذن تأخذنا إلى هناك !
.
- فقال عزيز :
- - لا تقلق يا فهمي ، فأنت حلاق وستجد بسهولة من
يشغلك عنده .
- هز فهمي رأسه ثم همس سنرى ثم راح يغني بصوت
خافت .
- توقف الباص قرب البيوت الأولى من المدينة . كان
عزيز يدخن صامتاً حينما خطر بباله النزول هنا عوضاً عن النزول في وسط
المدينة المزدحم بعربات الترام والسيارات والحمير . حمل كيسه فجأة وصاح
في جماعته لينزلوا . نزلوا . لحق بهم معاون السائق ليقبض الأجرة . قبضها
ناقصة فشتمهم . لم يردوا على شتيمته لأنهم لم يرغبوا ببدء حياتهم في
المدينة بعراك .
- ساروا من جديد باتجاه الجنوب ، إلى هناك كان
يشدهم شيء لا يعرفون ما هو ، فربما كان شكل البيوت الشبيهة ببيوتهم ،
وربما كان شكل الناس الشبيهين بهم . على كل ، سار عزيز بالمقدمة وخلفه
كان الحلاق فهمي ثم عبدو ثم زوجتاه وبناته ئم فضة وأخيراً أبو غالية الذي
كان صامتاً طوال الوقت بعد أن احترقت أمواله فانكسرت شوكته
.
- قبل المغيب دخلوا حياً يسمونه حي البداوة .
وعندما سمع عزيز باسم الحي من عجوز كانت تركب حماراً ، ارتاح كثيراً ،
فالإسم لا يمت بصلة لا إلى المدينة ولا إلى القرية ، وهذا ماكان يناسبه
كثيراً في تلك الساعة .
- كان الحي عبارة عن شارع عريض مترب يتفرع إلى
زواريب ضيقة تغص بالنساء الجالسات على أبواب بيوتهن ، وبالأطفال الحفاة
وبالمجارير المكشوفة . وكان هناك أيضاً كثير من الحمير والأتربة والأوساخ
والذباب . سمع الأرملة فضة تشتم وتقول :
- - دعونا نرتاح قليلاً يا جماعة، سأموت من التعب
.
- فقال لها فهمي الحلاق بتهكم :
- - ما دام طباخنا جعيص سوف تشرقين مرقة يا أختي
فضة - ثم أضاف بصوت أعلى- الحقي البوم …
- أخذ عزيز على خاطره ، خصوصاً وأن ابنته هند
راحت تضحك وتتسهسك . قال لهم أنه لا يقودهم بل هم يلحقون به ، والذي لا
يعجبه يتفضل يروح يشوف له مكاناً آخر. قالت له فضة :
- - لاتزعل يا أخي يا أبو حمود . أتركنا نبيت هنا
الليلة فقط .
- وجدوا فسحة بين البيوت فوضعوا أغراضهم وقرروا
المبيت الليلة فيها .
- كانت عينا عزيز محمرتان من حلاق الزفت هذا الذي
اسمه فهمي . وكان المكان يعج بالذباب وبالروائح الكريهة المنبعثة من
المجارير . وكان الناس يأتون للتفرج عليهم ، ولاحظ أن بعض المراهقين
يروحون ويجيئون وهم يتلصصون على بناته . شتم هذه العيشة وشتم جنس البنات
. هذا والله همٌّ آخر له . كان قد لاحظ في القرية أن هند قد أبلغت وأصبحت
في الخامسة عشرة . هذا يعني أن الرجال سيضعون عيونهم عليها . ولكنه لم
يكن يعرف أنها هي التي ستضع عينها على الشباب . ضربها مرة وقال لها يا
إبنة الكلب سأذبحك وأطعم لحمك للذئاب … إنتبهي ! .
- أختها دلال التي تصغرها بسنة واحدة أفضل منها ،
فهي خجولة ، تستحي من خيالها ولا تكلم الرجال . مرة قال للشيخ أدهم إمام
الجامع ، إنه يريد تزويج ابنتيه هند ودلال ، قال له ذلك على انفراد قبل
أن تأتي تلك المصيبة . قال له الشيخ أدهم توكل على الله وعلي ، سأوصي
بهما إلى الجميع .
- توكل عزيز على الله وقعد ينتظر . ماذا أتاه ؟ .
جاء إليه عدة رجال يطلبون ابنته الثالثة سميرة إبنة الثالثة عشرة .
الرجال أولاد كلب – هكذا فكر عزيز – يركضون ويلهثون وراء الفتاة الصغيرة
والجميلة ، ورغم أنه يعرف أنها أجملهن فهو يصر على تزويج الأثنتين أولاً
.
- مضت ثلاثة أيام وهم يبحثون عن عمل دون جدوى .
كانوا يعودون في المساء إلى ذات المكان حيث كانت تبقى الأرملة فضة مع
البنات والأغراض . كانوا يسألون عن أي عمل في ورش البناء والأفران ، أما
فهمي فلم يترك حلاقأ إلا وسأله . أحدهم استخدمه نهاراً واحداً لقاء ثلاث
ليرات ثم اعتذر . قال له أن طريقته في الحلاقة لا تناسب أهل المدن ،
ونصحه بشراء كرسي وبحمل أدواته والوقوف في ساحة باب الحديد ، لحلاقة رؤوس
الفلاحين والبداوة . أما أبو غالية فقد غادرهم إلى الأبد . قال أن له
طريقة خاصة في العمل والبحث عنه ، وقال إنه تاجر إبن تاجر وإنه سيحاول
البدء من جديد ولكن في المدينة القديمة هذه المرة .
- مرة ، عادوا في المساء إلى مكانهم في حي
البداوة . قالت لهم فضة أن أحد الرجال سأل عنهم وقال إنه يجب أن ياتي
الرجال إلى المضافة بعد صلاة العشاء .
- - وماذا يريد ؟ سأل عزيز فاجابت الأرملة
:
- قال أن الزعيم يريد أن يراكم .
- - الزعيم ؟ سأل عزيز في نفسه ، لماذا يريد أن
يرانا ؟ ومن هو الزعيم ، هل هو المختار؟ . سمع إمرأته زليخة أم البنات
تقول :
- - إنهم يريدون طردنا.
- فقالت الأرملة فضة لعزيز :
- - إذهب وقل له أن يصبروا علينا شوية
.
- بعد العشاء ذهب عزيز وعبدو . سألا أين المضافة
فدلوهما إليها . كانت عبارة عن غرفة مثل "الغرفة" في "قرية الذهب" . كانت
مكتظة بالرجال . دخلا وهما يلقيان السلام ، بحث عزيز عن الزعيم فوجده .
كان رجلاً في الخمسين ، قوي البنية ، أحمر الوجه ، أشقر الشعر . كان
قاعداً في صدر الغرفة يدخن النرجلية . سار عزيز إليه ثم صافحه ، فعل ذلك
أيضاً عبدو . أشار الزعيم جميل السحنة إلى أحد الرجال فنهض ثم أشار
إليهما أن يجلسا دون أن ينبس بكلمة .
- كل الرجال ، ما عدا الزعيم وأحد الشيوخ ،
يرتدون السراويل السوداء الضيقة عند الكاحلين والعريضة جداً في الوسط .
حتى أن مؤخرة السروال كانت تروح وتأتي كالنواس عندما يسير الرجل. راح
عزيز وعبدو يراقبان الرجال الذين كانوا يتحدثون ويدخنون دون أن يأبهوا
إليهم ، أما الزعيم فكان يدخن صامتاً ويهز رأسه وهو يستمع إلى رجاله
يتحدثون إليه . قعدا هكذا نصف ساعة ثم بعد ذلك ، ترك الزعيم نرجيلته
وسألهم :
- - من أين أنتم قادمون ؟ .
- - من قرية الذهب ، أجاب عزيز فسأله مرة أخرى
:
- - ولماذا أتيتم إلى المدينة ؟
- حكى له عزيز كل شيء ، من يوم موت الشيخ معتوق
وحتى هروبهم من القرية . لاحظ أن الرجال قد صمتوا وراحوا يتابعون القصة ،
حتى أن الزعبم استمع بانتباه حتى انتهى عزيز . صفق رجل يداً بيد أسفاً
وهو يقول :
- - لاحول ولاقوة إلا بالله .
- ثم راح الرجال جميعاً يتحدثون دفعة واحدة
.
- - إنها والله قصة طريفة .
- - الناس ، ها الأيام فقدت عقولها ياشيخ
.
- - المرا شر في الدنيا وشر في الأخرة
.
- - اللهم إحمنا من مكائد النسوان
.
- - ولكن الحق على الرجال ، كان عليهم أن
يكبِّروا عقولهم .
- - خربوا بيوتهم بايديهم .
- - ها المرا شيطان رجيم .
- - زين قول لي ، حدا حسن
يركبها؟
- - هاء … هاء … هاء …
- رفع الزعيم يده البيضاء ذات الشعيرات الشقر
فسكت الجميع . قال لعزيز :
- - هذا يعني أنكم هجرتم القرية
.
- - نعم سيدي . قال عزيز فسأله الزعيم
:
- - وأين ستعيشون وماذا ستعملون … كيف ستأكلون
؟
- صمت لحظات وهو يفكر ، قال عزيز في نفسه أن عليه
أن يستدر عطفه . قال له :
- - والله يا زعيم لا نعرف أي شيء ، أنا لم آت
إلى حلب سوى مرتين ، أما عبدو خادم المختار فهو لا يعرف المدينة على
الأطلاق . – ثم تابع وهو يبكي – نحن في عرضك يا زعيم ، اعتبرنا من رجالك
، سنكون أوفياء لك مثل وفاء الكلب لصاحبه الذي يطعمه . لن ننسى لك هذا
المعروف… يا زعيم. راح يمسح دموعه ويتمخط ، بينما صمت الزعيم مفكراً .
كان يقلب الموضوع في ذهنه . ناولوه من جديد مشرب النرجيلة فراح يقرقر
بها. قدموا لعزيز وعبدو قدحين من الشاي الأسود ، وبينما كانا يرتشفانه ،
قال الزعيم :
- - سوف نعطيكم بيتاً في الحي ، أنت وعبدو
ستعملان مع الرجال في العتالة في المحطة ، أما فهمي الحلاق فعليه أن يعمل
حلاقاً متجولاً حتى نجد له دكاناً . سوف نأخذ بناتك لرجالنا ونعطي بناتنا
للذين يستطيعون الزواج منكم . لم يعد هناك شايب أو شبارب ، أنتم الآن من
الحسّون . نهضا وقبلا يد الزعيم ثم استاذنا وخرجا.
- أسكنوهم في بيت يطل بابه على الشارع العريض .
كان البيت مؤلفاً من أربع غرف ومطبخ ومرحاض وباحة داخلية يسمونها
"الحوش". كانت أرض الغرف والحوش متربة ، لم تصقل بالأسمنت بعد . أخذ عزيز
وزوجتاه وبناته الغرفة الكبيرة ، واحتلت الأرملة فضة الغرفة الثانية ،
وعبدو وفهمي الغرفة الثالثة ، أما الرابعة فقد كان يسكنها حمدو مع زوجته
وطفلهما الرضيع .
- ذهب عزيز إلى السوق فباع قرطي الذهب واشترى
بثمنهما فرشاً ومخدات وأدوات مطبخ ، وأعطى الليرات الباقية لفهمي الحلاق
ليشتري بها كرسياً وما يحتاجه من أدوات للحلاقة . فرشوا الغرف ثم نام
الرجال ساعة ليشعروا أنهم في بيوتهم أخيراً .
- أي حظ هذا الذي صادف عزيز ؟ عندما قرر الرحيل
إلى حلب ، لم يكن حتى يحلم أن الأمور ستجري على ما يرام بهذه السهولة .
لقد استطاع عزيز أن يؤمن للجميع بيتاً وحماية وعملاً ، كما أمن رجالاً
لبناته . كان سعيداً غاية السعادة … الله وكيل .
- *****
- كان يا ما كان لم يكن حي البداوة سوى أرض جرداء
في أطراف المدينة حينما وصلت بقايا عشيرة الحسّون التي أنهكتها الحروب
الطويلة مع عشائر البادية . نصبت النساء الخيام وانطلق الرجال إلى
المدينة ليجربوا حظوظهم فيها ، فهم لا يملكون سوى بعض من رؤوس الأغنام
والماعز وعدد من الحمير والبغال . كان الشيخ أحمد الحسّون هو زعيم
القبيلة . جلس في أول خيمة نصبت وأمر الرجال بالذهاب إلى المدينة للبحث
عن عمل . ولكن الرجال الذين تفوح روائح القذارة من جلداتهم وثيابهم
والذين طالت شعورهم فجعلوها ضفائر كالنساء ، ضاعوا في المدينة ولم يجدوا
أحداً يستخدمهم . سألوا الدباغين والخياطين والحذائين وورشات الغزل
والنجاربن وغيرهم ، ولكن أحداً لم يأبه بهم ولا بتوسلاتهم . كانوا يسيرون
في الطرقات المسفلتة والمرصوفة بالأحجار البازلتية وهم يتعثرون ويقعون
لأنهم لم يتعودوا بعد السير في الأرض السهلة والمريحة .
- أضناهم التعب والجوع والحر . جلسوا على رصيف
الجامع الأموي يمسحون عرقهم ويشربون ماء السبيل وينظرون إلى المصلين
الداخلين والخارجين . وبينما هم كذلك ، جاء دركي وسألهم عن مرادهم .
بصعوبة فهموا عليه ، فقالوا له أنهم جائعون وأنهم يبحثون عن عمل ، وأنهم
من عشيرة الحسّون . سألهم عما إذا وجدوا عملاً أم لا فقالوا له بصوت واحد
: لا بالله ، فقال لهم إنه ينصحهم بالتطوع في الجيش الفرنسي ، عندها
سيأكلون ويشربون ويلبسون الخاكي وبحملون البنادق . فرحوا بهذه الفكرة
وقبلوا بها فوراً ولكن بقي أن يوافق الشيخ أحمد على ذلك
.
- عادوا إلى المضارب منهكين وجائعين . وعندما
سألهم الشيخ أحمد عن النقود التي كسبوها أطرقوا صامتين . شتمهم الشيخ ثم
حمل عصاه وانهال عليهم ضرباً وبصقاً . قال لهم إن لديه نساء وليس رجالاً
. وما إن هدأ غضبه حتى قالوا له ما نصحهم به الدركي الذي قابلوه أمام
الجامع الأموي . كان ذلك ما يحتاجه الشيخ أحمد . فبعد أن تعرضت عشيرته
للذبح ، على أيامه وأيام أبيه ، وبعد أن قتل أكثرمن نصف رجالها وتم نهبها
وسرقة مواشيها ، أصبح يشعر بالضعف . وما اقترابه من المدينة إلا دلالة
على ضعفه واستعداده لأن يرضخ لشروط المدينة .
- طرد الرجال وقعد يفكر وحيداً . إنها فرصة لا
بأس بها لتقوية نفوذه وإنقاذ من بقي من العشيرة . سوف يرسل عشرة من رجاله
ولا بأس إن أرسل واحداً من أولاده ، فالوضع خطير ولا بد من المغامرة .
الدنيا صغيرة وقد تهاجمه العشائر هنا أيضاً .
- وفي اليوم التالي أرسل ابنه الثاني مسعود مع
عشرة رجال أصحاء إلى ثكنة الدرك فتطوعوا ، أما الباقون فقد أمرهم بالعودة
إلى المدينة للبحث عن عمل .
- عمل رجاله في أحقر الأعمال . كانوا يكنسون
الشوارع ويجمعون الزبالة ويبيعون التراب الأحمر الخاص بأحواض الزرع ،
للبيوت . كانوا أيضاً يجمعون قطع الخبز اليابس وقشور البطيخ وروث
الحيوانات ، وكانوا يعملون أيضاً في العتالة . هذا العمل أعجبهم أكثرمن
غيره . كانوا يعملون في "الميرة" وفي سوق الهال وفي المحطة وفي الشاحنات
وعند تجار الحبوب في "جب القبّة" . وبدأت الأموال ترد إلى الشيخ . وبدأوا
يبنون البيوت الحجرية لحي البداوة . بنوا بيت الشيخ أولاً ثم المضافة ثم
بيوت الأسر ابتداءً من أسر أولاد الشيخ الأربعة . وعندما شرعوا ببناء
بيوت أولاد العشيرة الآخرين سألوا الشيخ عن الأفضلية ، فقال لهم الأفضلية
لعدد الزوجات ، فمن المعروف أن المذابح قد هدرت أرواح نصف الرجال مما
أستدعى تزويج الأرامل لرجال متزوجين ، والرجل الأفضل والأكثر كرماً ، هو
الذي يأخذ أكثر من أرملة واحدة مع أولادها ، لذلك بنوا أولاً بيوت من
لديهم أربع زوجات ثم لذوي الثلاث زوجات وهكذا . ولم تمر سنين ثلاث حتى
انتهوا من بناء حي البداوة .
- لم يسمّ الشيخ أحمد الحسّون الحي بهذا الإسم
ولم يسمّه أيضاً أحد من أفراد عشيرته ، بل أهل المدينة هم الذين أسموه
هكذا نسبة إلى ساكنيه .
- مات الشيخ أحمد وهو في السبعين ميتة ربه . هكذا
قالوا . وقالوا أيضاً أن زوجته الأخيرة الشابة والتي لم تبلغ الخامسة
والعشرين بعد ، هي التي أنهكته فمات . أم رشيد ، أرملة المرحوم الأولى هي
التي همست لبعض النساء اللواتي تولين أمر الندب والعويل على الفقيد ،
بذلك . قالت لهن أيضاً أن مسكينة ، وهذا هو اسم زوجته الرابعة ، كانت
تغري الشيخ للنوم معها ثلاث مرات يومياً حتى امتصت فحولته وقوته ونظره
فتيبست روحه ومات .
- أصبح رشيد الإبن البكر للشيخ أحمد زعيماً
للعشيرة . أول شيء فعله الزعيم الجديد هو ذبح امرأة أبيه الشابة "مسكينة"
فقد همست له أمه بما همست في آذان النواحات ، وهمست له بأشياء أخرى لا
يعلمها سوى الله . وبما أنها أرملة الزعيم المتوفى فعليها أن تقعد دون
زواج مرة أخرى ، وبما أنها لا تستطيع أن تعيش دون رجل ، فقد وجد أمامه
طريقين لا ثالث لهما . فإما أن يختنها بشكل كامل بحيث لا تشتهي الرجال
أبداً ، وهذا شيء معيب إذا ما عرف بذلك أحد ، وإما أن يذبحها فينتهي منها
وينقذ شرف العشيرة ويقوي مركزه بين الرجال . وقد اختار الطريق الثاني وهو
الأسلم .
- شهد حي البداوة نمواً عظيماً إبان زعامة رشيد
الحسّون ، فقد سمح لبعض المهاجرين الجدد من الريف بالبناء والسكن في الحي
شريطة العيش بسلام والولاء للعشيرة وعدم خيانتها والدفاع عنها إذا ما
تعرضت للأذى من قبل أي إنسان سواء كان من المدينة أو من العشائر الأخرى .
كان كل مهاجرجديد ، يتقدم إلى المضافة ويقدم نفسه إلى الشيخ ويتعهد أمامه
بكل ذلك ، ثم يطلب لنفسه ولأسرته السماح بالعيش في الحي . كان الزعيم
يسأل القادم الجديد عن المهنة التي سيعمل فيها وأين سيعمل وعن أمواله
ومواشيه ونسائه وأولاده ، فيمنعه من العمل في مهنة معينة ويسمح له في
أخرى حسب مزاجه وحسب الضرورة . وهكذا أصبح للحي جزاره الخاص ومقهى باسم
مقهى البداوة . وعندما دخل إليه قادم جديد ملتح عرف أنه شيخ وأنه يعرف
القراءة والكتابة فسأله : ماذا تريد أن تعمل يا شيخ عبد الرزاق ؟ قال له
إنه سيفتتح كتّاباً ليعلّم أطفال الحي القراءة وحفظ القرآن . فأمر من
فوره رجاله ببناء مسجد بقبلية وغرفة كتّاب وغرفة لمعيشة الشيخ وأمر رجاله
بإطعامه بالدور بحيث أن على كل بيت أن يسكب له مما يطبخ ليوم كامل حين
يحين دوره ، وبما أن الشيخ يدخن السجائر بشراهة كبيرة فقد أمر له بعشر
ليرات كل أسبوع من جيبه الخاص لشراء التتن وورق اللف.
- وما أن اكتمل البناء حتى أرسلوا له عشرة صبيان
ثلاثة منهم من أبناء رشيد الحسّون والباقون كانوا من أبناء المقربين ،
فبدأ يطبق عليهم ما يعرفه من أساليب التعليم . وأول هذه الأساليب عصا
غليظة طولها متران يستطيع بها أن يصل إلى أبعد رأس في غرفة الكتّاب ،
وراحت تسمع أصوات الأطفال وهم يتلون سورة "تبت يدا أبي لهب وتب" ! وسورة
"النساء" وكذلك أصوات سعال الصبيان بسبب دخان السجائر الكثيف الذي كانت
تعبق به غرفة الكتّاب ، وأيضاً كانت تسمع صرخات الشيخ عبد الرزاق وهو
يكيل السباب والشتائم للصبيان ، ولم يكن أحد ليهتم كيف أن الشيخ الذي
يحفظ القرآن عن ظهر قلب ويؤم بعض الرجال للصلاة ، يستطيع أن يتلفظ بكل
هذه الكلمات النابية أو أن يلعن دين الصبيان ودين الذي أرسلهم إليه
.
- كان الأولاد يُخرجون الشيخ عبد الرزاق عن طوره
بسبب غبائهم وجهلهم وعدم رغبتهم في التعلم ، فكان يعاقبهم بالوقوف ساعات
على قدم واحدة أو يحرمهم من الغداء أو يرفعهم بالفلق ويضربهم على أرجلهم
بكل عزم حتى يتعب هو وينهد حيله ويلهث ويسقط على الأرض وهو يسب ويشتم
بينما الصبيان يبكون ويصرخون ويتوسلون بصوت أقرب إلى الصواعق . ولم يمر
شهران إلا ووجد الشيخ عبد الرزاق نفسه يعلم ثلاثة صبيان فقط أحدهم كان
ابناً للزعيم واسمه مجد الدين ، وكان في الحادية عشرة بديناً أسمر البشرة
أسود الشعر ذا وجه مستدير وجبهته عريضة وعينين سوداوين يشع منهما ذكاء
وتحد ومثابرة على التعلم .
- وفي أحد الأيام وبينما كان الشيخ عبد الرزاق
يخرج من المسجد وحيداً بعد أن أمّ ثلاثة مسنين لصلاة العشاء هاجمه جمع من
الصبيان ، ممن كانوا يتعلمون في كتاّبه ، فألبسوه كيساً من الخام المليء
بغبار الدقيق وانهالوا عليه ضرباً بالعصي والأقدام . شتموه وبصقوا عليه
ثم دحرجوه على الأرض وركلوهعلى مؤخرته ثم لاذوا بالفرار . راح الشيخ يصرخ
ويستغيث ، وحسب أنه سيموت لا محالة بسبب ما أصابه وبسبب غبار الدقيق الذي
دخل في عينيه وخياشيمه ورئتيه المتعبتين من كثرة التدخين. أنقذوا الشيخ
عبد الرزاق ثم غسلوا رأسه بالماء لإزالة الدقيق الأبيض عن شعره ولحيته
ورموش عينيه . كانوا يضحكون لمنظره ويطلقون التعليقات :
- - ماذا حدث ياشيخ عبد الرزاق … هل هاجمتك
الشياطين ؟
- - إنها شياطين المطاحن ! .
- - لعل امرأة الفرّان قد أحبتك يا شيخ عبد
الرزاق .
- - ولماذا لا يكون الفران ذاته
؟
- - الشيخ عبد الرزاق يفضل الصبيان
.
- كال لهم الشيخ السباب والشتائم ثم قال لهم إن
سكان حي البداوة عرصات وأولادهم بناديق وإن هذا الذي حصل له بسبب المعروف
الذي يقدمه لهم فيعلمهم ، وإنه لن يقعد في الحي ولا ساعة أخرى وإنه لن
يدعوا الله كي يرزقهم بعد الآن بل سيطلب منه أن يخرب بيوتهم
.
- ضحك الرجال وراحوا يواسونه ثم دعوه لشرب فنجان
قهوة في مقهى البداوة . قبل على مضض . وما إن شرب قهوته ودخن عدة سجائر
حتى عاد إلى طبيعته فراح يمزح ثم ودّعهم وذهب إلى المضافة ليشكو الصبيان
إلى الزعيم .
- *****
- بعد يومين أو ثلاثة أخذوهما إلى محطة القطار .
كان الرجال ينتقلون من حي البداوة إلى محطة بغداد على ظهور البغال أو
بواسطة الدراجات الهوائية ، وبعض منهم يسيرون على أقدامهم إلى باب الحديد
حيث يستقلون حافلات الترام . وهكذا فعل عزيز وعبدو . اشترى كل منهما
بطاقة بفرنك واحد . قال لهما أحد الحمالين أن يحتفظا بالبطاقة من أجل
العودة .
- جميل ركوب الترام في المدينة . كان عزيز يحرص
على الوقوف خلف الساثق ليراقبه . تسير الماكينة حين يحرك السائق يديه
الأثنتين ، أما جرس التنبيه فهو يدقه بقدمه . وكلما أدار الجهاز بيده
اليسرى أكثر أسرعت أكثر ، وإذا أراد السائق أن يوقفها أعاد المقبضين إلى
وضعهما الأول فتتوقف وينزل الناس أو يصعد آخرون وهكذا.
- نزلا في الجميلية ثم سارا مسافة عشر دقائق
فوصلا إلى المحطة . قادهما الحمال الذي جاءا معه إلى غرفة صغيرة . كان
هناك عمر الحسّون وهو الأخ الأصغر للزعيم جالساً خلف مكتب عتيق يتحدث إلى
الحمالين ويأمرهم بالقيام بهذا العمل أو ذاك أو يتحدث في جهاز أسود قالوا
لعزيز إنه التلفون . أعطوا كل واحد منهما خطافاً معدنياً بقبضة ملفوفة
بالصوف وأرسلوهما إلى شخص اسمه أحمد لمساعدته في تفريغ إحدى العربات
.
- الجزيرة منبع الحبوب الذي لا ينضب ، هكذا كانوا
يقولون ، ولهذا السبب أصبح لتجار "جب القبة" وكلاء دائمون من أجل شراء
المواسم في مدينة القامشلي . كل تاجر له وكيل أو أكثر . كان الوكيل يشتري
من السوق أو من المزارع أو حتى من الفلاح مباشرة . المهم أن يشتري لصالح
هذا التاجر أو ذاك وبأي سعر كان ، وما إن يتم الشراء حتى تحمّل الشنابل
في الشاحنات وترسل إلى محطة القامشلي حيث تحمل في عربات الشحن وتسير
القطارات الواحد أثر الآخر متجهة إلى حلب .
- من القامشلي يرسل الوكيل إلى تاجره برقياً كل
المعلومات عن البضاعة المرسلة إليه . رقم الرحلة ورقم العربة ووزن
الحمولة ونوعها . هنا يستطيع التاجر في حلب أن يبيع بضاعته حتى قبل أن
تصل ، المهم أنه يعلم سعر الشراء والكمية والنوع . ولذلك تحدث المضاربات
والمزيدات وترن الهواتف ويتراكغر دلالو الحبوب والقطار يسير بسرعة أربعين
كيلو متراً في الساعة ، وعلى البضاعة أن تنتقل على الدفاتر من ذمة إلى
ذمة حتى تتوقف أخيراً عند الشحّين أو أصحاب المطاحن أو
المصدرين.
- قبل أن يصل القطار إلى المحطة يكون صاحب
البضاعة النهائي قد حجز سيارات الشحن من مكتب الدور وأرسل إلى العتال
الذي يتعامل معه كل المعلومات اللازمة عن البضاعة القادمة ليتم تفريغها
من العربات وتحميلها في ا لشاحنات .
- ولكن إياكم أن تعتقدوا أن كل شخص يمكن أن يصبح
عتالاً في المحطة ، هذا الأمر كان في الماضي ، أما الآن فهناك شخصان
يحتكران العتالة في المحطة وهما الحاج عبد الجبار شيخ عشيرة أبو عبيد
والزعيم رشيد الحسّون شيخ عشيرة الحسّون .
- عندما استقرت العشيرة على أطراف المدينة وشرعت
ببناء حي البداوة ، استطاع بعض رجالها النفاذ إلى المحطة والقيام ببعض
أعمال العتالة هناك . لم يكن الشيخ عبد الجبار يملك نفوذاً قوياً في
المحطة . فكان يسمح لبعض القادمين الجدد بالعمل لحسابهم الخاص . ولكنه
بعد مدة ، لاحظ ازدياد عدد رجال عشيرة الحسّون . كان هذا الأمر مدعاة
لقلقه ، لأن وجود مثل هذا العدد المتزايد دائماً من العتالين الذين
ينتمون إلى عشيرة واحدة يجعل وجوده وعمله هو وجماعته في المحطة على كف
عفريت . فكر الحاج عبد الجبار مطولاً في طريقة يضمن فيها مستقبله وسيطرته
على المحطة فلم يجد سوى الإحتكار . طرح الموضوع على ذلك المسؤول الفرنسي
بهدوء شديد . قال له أنه سيدفع له عشرة بالمئة من الوارد إذا ساعده على
احتكار كل أعمال التفريغ والتحميل .
- كانت الحرب العالمية في نهايتها وكانت سلطة ذلك
المسؤول قد ازدادت مما دفعه إلى دراسة العرض بكل جدية وفي النهاية إلى
الموافقة عليه بحجة أن الحاج عبد الجبار أبو عبيد رجل حازم ودقيق ويقوم
رجاله بعملهم كما يلزم ، وكانت حجته أيضاً أن رجال الحسّون وغيرهم هم من
البداوة غير المتمدنين ولا يمكن الإعتماد عليهم .
- وفي أحد الأيام جاء الرجال العاملون في المحطة
إلى الزعيم يشتكون إليه أن رجال أبو عبيد يمنعونهم من العمل في المحطة
بحجة أنهم ابتداءً من الآن هم المسؤولون عن التحميل والتفريغ ، وأن لديهم
أمراً يحتكر لعشيرتهم العتالة فيها . أحس رشيد الحسّون أن ضربة كبيرة قد
وجهت إلى عشيرته وإلى مكانته شخصياً . فكّر ، ماذا يفعل ؟ لو كان أبوه
حياً فكيف كان سيتصرف ؟ إنها المرة الأولى التي يواجه فيها مثل هذا
التحدي .
- قعد مع أخويه بدري وعمر الحسّون والشيخ عبد
الرزاق وتداولوا الأمر . قال بدري أنه يستطيع أن يؤمن بنادق فرنسية
بأسعار مناسبة وأن عليهم أن يقتلوا الحاج عبد الجبار أبو عبيد وكل من
يرفع رأسه من أبناء عشيرته . وقال أخوه الأصغر عمر الحسّون أن عليهم أن
يبحثوا عن عمل في مكان آخر . أما الشيخ عبد الرزاق فقد اقترح على الزعيم
أن يحني رأسه للعاصفة وأن يذهب لمقابلة عبد الجبار والإتفاق معه على
تشغيل الرجال في المحطة حسبما يلائمه .
- بعد أخذ ورد وافقوا على اقتراح الشيخ عبد
الرزاق فأرسل الزعيم رسولاً إلى الحاج عبد الجبار يطلب منه مقابلته فقال
هذا الأخير للرسول إنه إذا أراد شيخ عشيرة الحسّون مقابلته فاهلاً وسهلاً
به في مضافته في حي "قهوة الشعار" القريب من حي البداوة
.
- التقى الشيخان وتعارفا . كان رشيد الحسّون
ضخماً وجميلاً بشعره الأشقر وبشرته الحمراء ، وكان عبد الجبار طويلاً
ونحيلاً ذا بشرة سمراء . جرت في المضافة معركة لفرض الأرادة ، خرج الشيخ
عبد الجبار منها منتصراً بسهولة ، فقد جاء إليه وبناء على رغبته زعيم
الحسّون ، ورجاه أن يسمح لرجاله بالعمل في المحطة ، فوافق الشيخ عبد
الجبار شريطة أن يعملوا كما يأمرهم هو أو رجاله ممن ينوبون عنه ، قرأوا
الفاتحة ثم تعانق الزعيمان ، ثم تعارف أخوة الشيخين وأبناؤهما ثم ودعوا
بعضهم بعضاً وانطلق الزعيم ورجاله على بغالهم عائدين إلى حي البداوة ،
صامتين ، لا يتجرأ أحدهم أن ينبس ببنت شفة ، فقد أهينت عشيرة الحسّون
وكان وضعها ضعيفاً كأنها تستجدي الخبز لأطفالها .
- لم ينم رشيد الحسّون تلك الليلة ولم يستجب
لملاطفات امرأته التي كان دورها . كانت صورة الحاج عبد الجبار محتلة ذهنه
وخياله . لقد شعر أمامه أنه صغير وضعيف وكأنه مخصي . راح يتعرق ، حتى أنه
ارتجف ، ثم راح يتصور الحاج عبد الجبار كلباً هائلاً له أنياب ، وفجأة
صغر الكلب وسقطت أنيابه وراح يلحس حذاءه . وعندما رفع قدمه وداس فوق رقبة
الكلب ، تنبّه إلى أنه يحلم ، إلاّ أن الحقد الذي تملكه لم يزل بعد أن
استيقظ ، بل راح يغذيه ، ليثأر من عبد الجبار يوماً ما لا ليعكس ما جرى
في مضافة "قهوة الشعار" فقط بل ليحطم شيخ عشيرة أبو عبيد إلى الأبد
.
- كز على أسنانه وقال بصوت مسموع : “هذا هو قدرنا
، أما نحن أو عشيرة عبد الجبار أبو عبيد” .
- حسبت زوجته أنه يتحدث إليها ، فسألته وهي نصف
نائمة عما إذا كان يريد شيئاً . نهرها رشيد بمرفقه ثم شتمها وطلب منها أن
تنام وتتركه في حاله . شخرت المرأة ولكنه لم يغمض له جفن، وما إن طلع
الفجر حتى نهض من فراشه وطلب من أحد رجاله أن يذهب للبحث عن أخيه مسعود
ويبلغه أنه في حاجة إليه ثم رفع قنبازه وتبول وعاد إلى فراشه لينام مرتاح
البال .
- كانت الأمور في المدينة على غير ما يرام . كان
الناس يتظاهرون ضد الفرنسين فيسقطّونهم ويطالبونهم بالخروج . وكانت
"السويقة" تمتلىء كل يوم مساءً بالرجال بدءاً من باب النصر وحتى المحكمة
الشرعية حيث يتجمهرون لالتقاط آخر أخبار "الكتلة الوطنية" وما يستجد من
أجل الاستقلال .
- في ذلك الوقت ، كان نشاط الدرك في أوجه لحفظ
الأمن من هؤلاء المشاغبين الذين يطالبون بالاستقلال . والرقيب مسعود ،
الذي أصبح رقيباً في الدرك الفرنسي بسبب تشدده مع أمثال هؤلاء فيضربهم
بالعصي ويشتمهم ويلقي القبض على زعمائهم ، قد أنهكته الأحداث تماماً .
إلاّ أنه كان مصراً على حفظ الأمن وعدم السماح لأي كان بعرقلة السير في
الشوارع والطرقات . هذه هي الأوامر وعليه أن ينفذها مهما حصل
.
- في ذلك اليوم ، كان الرقيب مسعود وجماعته
يحافظون على الأمن في "طريق السجن" قبالة المحكمة الشرعية . وكان الناس
يروحون ويجيئون ، يهتفون ويشتمون الدرك أمام عينيه دون أن يحرك ساكناً .
لقد مل الرقيب مسعود كل هذا الذي يجري .
- نظر إلى جماعته فوجدهم يسلّمون على شخص ذي وجه
مألوف . من هذا ؟ قال له أحد رجاله إنه من الحسّون . اقترب منه الرجل
وقال له إن أخاه رشيد يريده في أمرمهم .
- ماذا حدث ؟ . سأل مسعود فأجابه الرجل أنه
لايعرف شيئاً .
- وجد الرقيب السبب مناسب ليبرح مكانه ويرتاح من
كل هذا الذي يجري . ركب فرسه وأمر رجاله أن يبتعدوا عن الناس قدر ما
يستطيعون ورحل إلى حي البداوة .
- كان أخوه رشيد بانتظاره في المضافة . تعانقا ثم
جلسا متجاورين . راحا يدخنان ويشربان القهوة.
- سأله رشيد عن الدنيا فقال مسعود
:
- - بنت كلب ، الناس جنوا ، يريدون خروج الفرنسين
وكأن الدنيا سايبة … أين سيذهبون … آ … قل لي ؟
- - والله علمي علمك … وماذا تفعل أنت ؟
.
- - لا شيء ، أقف أمام الناس وبيدي بندقية أهددهم
بها . أصبحوا بدون حياء ، لا أحد يهرب هذه الأيام .
- تحدثوا طويلاً . قال له أيضاً إن الصبيان يمدون
للدرك أصابعهم الوسطى دون خوف . قال له تصور . هزّ الشيخ رشيد رأسه
طويلاً وهو صامت ثم قال له :
- - المهم ، نحن في ورطة .
- سأله مسعود خير إن شاء الله فحكى له كل شيء .
قال له في النهاية :
- - يجب أن تحافظ على وضعك ويجب أن تستفيد منه .
أقصد آن الأوان .
- - ماذا تريد بالضبط ؟ .
- - الفرنسيون قدموا لعبد الجبار هدية . أنت
تخدمهم أكثر . إذهب إليهم واطلب منهم أن تتشارك عشيرة الحسّون بالعتالة
في المحطة مع عشيرة أبو عبيد نصف بنصف . هذا ضروري يا مسعود . الأيام
صعبة وعبد الجبار إبن كلب ، سوف يأكلنا يوماً من الأيام إن لم نفعل شيئاً
. وأنا لن أسكت له ، إنني أفكر أن أذله … سوف أنكح أمه . ثم هناك شيء آخر
…
- - ماهو ؟ . سأل مسعود فقال الزعيم
:
- - سوف يكون لك حصة في المحطة ومن أي عمل آخر
نقوم به لأننا نعتمد على هيبتك .
- عانق أخاه ثم اعتلى فرسه ورحل إلى ثكنة الدرك .
وما إن دخل الثكنة حتى ترجل عن فرسه وهرع إلى مكتب الكابتن الفرنسي قائد
الثكنة . طلب مقابلته فسألوه عشرين سؤالاً عن سبب مجيئه وعن سبب رغبته في
مقابلة الكابتن . أخيراً صرخ في وجوههم فأدخلوه فوراً . وما إن أغلقوا
الباب خلفه حتى مد سبابته في وجه الكابتن وأخبره أنه يريد أن يستقيل هو
وجماعته من الدرك . اندهش الكابتن . نهض عن مكتبه وسأله لماذا . حكى له
القصة كلها . أضاف عليها بعض البهارات. قال له أيضاً إن أولاد العشيرة لا
يجدون مايأكلونه بسبب طردهم من المحطة .
- ابتسم الكابتن وربّت على ذراع مسعود التي تحمل
شارة رقيب الدرك ثم سأله :
- - وماذا تريدني أن أفعل من أجلك يارقيب مسؤود ؟
.
- - أوقف إحتكار أبو عبيد لعتالة المحطة واجعلهم
يأمرون بأن تكون عشيرة الحسّون شريكة نصف بنصف مع أبو عبيد
…
- التقط الكابتن سماعة الهاتف وتحدث إلى شخص ما
باللغة الإفرنجية ذاتها التي يتحدثون بها دائماً ولا يمكن فهم أي شيء
منها ، ثم أخبره أن على أخيه ورجاله أن يذهبوا غداً إلى المحطة ، فقد
أصبح لهم نصف أعمال العتالة فيها ، ثم ودّعه إلى الباب وهو يقول له
:
- - سلم على أهوك يا هبيبي ! .
- *****
- عندما عاد عزيز إلى البيت كان كالقتيل . لعنة
الله على الشغل ، حظه سيء . كاميليا إبنة الكلب كانت السبب . كان يعيش في
القرية مرتاحاً وسعيداً . كانت نساؤه يزرعن الأرض ويحصدنها ، يفعلن كل
شيء ، أما هو فقد كان يراقب فحسب ، أو كان يمسك الرفش والمنجل في بعض
الأحيان . أما الآن فقد وقع في مصيبة . أصبح حمالاً . نهايتك أخيراً
ياعزيز يا إبن الكلب حمّال.
- مدّت زليخة أم البنات الفراش ، وساعدته سعدية
في خلع حذائه وقنبازه ، ثم غسلتا قدميه بالماء والصابون . طردهما من
الغرفة ، ثم تمدد ونام . لم يستيقظ إلاّ عند الفجر . حلم أحلاماً مزعجة،
وعندما كان يستدير في الفراش من طرف إلى آخر كان يصرخ من الآلام ، أما في
اليقظة فكان يشعر وكان جبلاً سقط عليه وبقي كذلك .
- نهضت زوجتاه وقدمتا إليه العشاء الذي لم
يتناوله . أفطر بلا شهية ثم شرب الشاي ولبس ثيابه ثم خرج ليقابل الريّس .
قال له أنه محطم وعظامه تؤلمه ، وإن شيئاً فيه يطقطق ، وإنه لن يستطيع
العمل اليوم فهو غير قادر حتى على المشي ، فنهره الرجل وقال له عيب على
الرجال ثم أمره كي يسير إلى المحطة .
- الريّس أحمد شاب ظريف يصغر عزيز بعشر سنوات
ويعمل أكثر منه بعشر مرات . ولأنه كذلك فقد عينه عمر الحسّون ريّساً .
وعندما ذهب إليه عزيز في اليوم الأول هو وعبدو ، طلب منهما أن يصعدا
فوراً إلى إحدى العربات لسحب أكياس الشعير التي يزن الواحد منها مائة
كيلو غرام، قريباً من باب العربة . وهناك ، كان يقف رجلان ليلتقطا الكيس
ويوقفاه ثم ليرفعاه إِلى ظهر الحمّال الذي يركض به نحو مؤخرة الشاحنة
ليتم تحميله من قبل الرجال الآخرين .
- مرّ اليوم الثاني مثل الأول ، ولكن عزيز كان قد
بدأ يتعود حمل الأثقال وتحمل الآلام ، وفي اليوم الرابع صاح أحد الحمالين
:
- - انظروا إلى أبو البنات إنه يسابقنا
…!
- أبو البنات هو عزيز ، هكذا أسموه بعد أن عرفوا
أن لديه خمس بنات وزوجتين وبلا صبيان . لقد انتقلت لعنة زوجته إليه بعد
موت ابنه حمود . كانوا ينادونه بأبي حمود وزليخة بأم البنات . أما الآن
فقد أصبح أبو البنات .
- اللعنة … في البداية شعر بالخجل ، ولكن بعد ذلك
تعوّد على التسمية مثلما تعوّد على سحب الشوالات ثم حملها على ظهره
والركض بها كما أن تعليقات الرجال أصبحت محتملة حتى صار يشارك فيها
:
- - الآن أصبح خبزك حلال يا أبو البنات
.
- - ولكن انتبه لئلا تنفتق ! .
- - لاتخف عليه ، خصيتاه مثل الرصاص
.
- - دور مين اليوم يا أبو البنات ، الجديدة أم
العتيقة ؟ .
- - الجديدة … قال عزيز فقالوا :
- - هذا يعني أنك ستكون غداً بلا عافية
.
- - دعوه يرتاح يا شباب لأن لديه عمل مهم الليلة
.
- - عزيز مثل البارحة … عزيز ما لازمه راحة
.
- - الجديدة ليست مثل العتيقة ، الجديدة بدها هز
أكتاف .
- كانوا يعملون أكثر من عشر ساعات يومياً ،
يحملون خلالها ألف شوال أو أكثر . كان عدد مجموعتهم سبعة أشخاص بما فيهم
الريّس ، وإذا حسبتم أجرة الشوال بعشرة قروش فهذا يعني أن أجر ما كانوا
يحمّلونه في اليوم الواحد ، مائة ليرة . كان عزيز يحصل يومياً على سبع
ليرات ، وكان راضياً بقسمته ويحمد الله على الرزق الحلال
.
- بعد أن اعتاد عمله الجديد وقوي جسده ولم يعد
يؤلمه وعى عل نفسه وقال ياولد اليوم خميس وغداً جمعة وهو يوم الراحة ،
فخذ نفساً وامرح قليلاً مع سعدية . ذهب إلى البيت واغتسل ثم بدّل ثيابه
وتعشى . كان يفكر كيف يمكن أن يختلي بسعدية أو بأم البنات وحوله كل بناته
في ذات الغرفة؟ . هذه والله مشكلة . فكر أولاً في أن يطرد البنات وأمهن
إلى الخارج ثم يغلق الباب ويفعل اللازم ، إلا أن الفكرة لم تعجبه كثيراً
، السبب هو هند ابنته الكبيرة ، فهو يراقبها منذ مدة طويلة ويعرف أنها
تفهم كل شيء . ليس فقط أنها تفهم بل أنها تحاول أن تتلصص في بعض الأحيان
، لذلك أقلع عزيز عن الفكرة ثم فكر أن يترك الأمر إلى الليل ، وينتظر حتى
ينام جمع النساء هذا ، ولكن الفكرة أيضاً غير معقولة ، فقد فعل الشيء
نفسه في الليلة الأولى لمبيتهم في هذا البيت ، حينها انتظر سماع أصوات
الشخير ، وكان يرفع رأسه ليراقب عيني ابنته هند . في كل مرة كان يشعر
أنها تمثل وأنها لم تغف بعد ، وفي المرة الأخيرة رفع رأسه لينظر فإذا
بالشمس قد أشرقت .
- سألته أم البنات ما به ، فقد وجدته محتاراً
ومحمر الوجه . قال لها :
- - بصراحة ، إنني محتار كيف سأقضي حاجتي بوجود
كل هؤلاء النساء في غرفة واحدة .
- فكرت زليخة . إنها ذكية هذه المرأة ، تجد
الحلول من تحت الأرض . قالت له:
- - الأرملة فضة تنام وحدها في غرفتها . سأطلب
منها أن تؤوي عندها البنات الثلاثة الأكبر.
- وافقت الأرملة على ذلك بسهولة ، ثم قامت زليخة
وقسّمت الغرفة بشرشف إلى قسمين وفرشت له في الداخل ، خلف الشرشف وقالت له
:
- - نام أنت هنا ، من تريد هذا اليوم ؟
.
- فقال لها أريد سعدية ، رمقته بعينيها ثم خرجت ،
وبعد قليل أرسلتها إليه ، فكان الأمر على أحسن ما يرام .
- اعتاد فهمي الجلوس في رواق دكاكين البلدية في
باب الحديد وانتظار الفلاحين القادمين من قرى المناطق الشرقية . هذا
المكان لا بأس به ، بل عظيم جداً . فالرواق يؤمن له الظل في أيام القيظ ،
وقد فكر أنه سيحميه من المطر في الشتاء أيضاً . ليس هذا فحسب بل أن ساحة
باب الحديد تعتبر مركز انطلاق ووصول سيارات البوسطة والتاكسي من وإلى تلك
المناطق ، فتغصّ بالفلاحين ونسائهم وأطفالهم القادمين إلى المدينة لشراء
حاجياتهم أو لزيارة الأطباء أو لأمور أخرى عديدة . لهذا السبب كانت منطقة
باب الحديد وجب القبة وبانقوسا وغيرها من المناطق قد تخصصت في مبيع وشراء
أو صنع حاجيات الفلاحين والبدو.
- ففي سوق الصغيّر تصطف خانات وورشات صنع عربات
النقل المجرورة ذات العجلات الخشبية المؤطرة بالحديد . وهناك ورشات أولاد
الساكت الماهرين بصنع جليلات الدواب . أما دكاكين باب الحديد فقد تخصصت
في بيع حقائب الصفيح الملونة والمطبوع عليها أسماء وأشكال منتجات أوربية
غريبة وصوج الحديد المخصصة لخبز الصاج ، والحجر الكبريتي الذي يدخن إذا
اشتعل، وطناجر الألمينيوم وبرادات الشاي وقطع السكر الملونة بالأحمر
والأبيض والمعروضة أمام أعين أطفال الفلاحين وذباب المدينة . ومن هناك
يستطيع الفلاحون شراء مصابيح الكاز ومصابيح اللوكس ومواقد الكاز ذات
الرؤوس النحاسية المسماة بالبوابير ، والتمور والسكر الأبيض والشاي وعلكة
الجمل ، وكل ما يشتهيه الفلاح . أما في جب القبة ، فبالإضافة إلى خانات
تجار الحبوب ، كانت هناك دكاكين أولاد بهايا لشراء صوف الغنم واللبن
والسمن الحديدي المملوء بقرب تسمى الضرف . وهناك أيضاً باعة الأسمدة
والأعلاف وبذور الخضار والأشجار وباعة الجلابيات والكوفيات والعقالات
وثياب النساء المبرقعة والمطبعة بكل أنواع الورود ، والحلي ، رخيصة الثمن
.
- ليس هذا فحسب ، بل هناك في جب القبة ، فندق
للفلاحين وهو فندق الإعتماد ، ومستشفى للفلاحين وهو مستشفى الإعتماد
وصيدلية الإعتماد ومقهى الإعتماد وعيادة الإعتماد لختان الصبيان ولا أحد
يعرف لم سميت هذه الأمكنة بهذا الإسم ، ولا أحد يعرف الإعتماد على ماذا ،
ولكن المهم أن لها اسماً ، وهو يجذب الفلاحين والبدو وكأنه يذكرهم بشخص
عزيز ، موثوق به .
- تصل السيارات في الصباح الباكر وتسافر في موعد
ما بين صلاتي العصر والمغرب . خلال ذلك الوقت تمتلىء ساحة باب الحديد
وشارع جب القبة وسوق الصغيّر وبانقوسا وسوق البياضة بآلاف الفلاحين مع
نسائهم وأطفالهم . ففي الصباح تراهم جميعاً يتحركون ، يبيعون ويشترون ،
وعند الظهر يتركون نساءهم وأطفالهم جالسين في ظل المظلات والأزقة وفي
الدكاكين أو على الأرصفة ، أما حوالي العصر فتراهم مستلقين يشخرون بعد أن
أنهوا أعمالهم ولم يبق لهم سوى انتظار السيارات .
- في كل هذه الأوقات ترى بائعي الفلافل والسكاكر
وعرق السوس ورائب اللبن يدورون حولهم ، يعرضون عليهم التذوق مجاناً ،
ويأتي أيضاً من يعرض عليهم رشفات من القهوة المرة ، والشاي الأسود ، أو
عصير التمر هندي أو مجرد الماء فقط .
- في باب الحديد كل شيء يتم تداوله . حتى
الفلاحات الصغيرات يتم الإتفاق على تزويجهن على الأرصفة أو في الدكاكين
أو على أدراج عيادة الدكتور مصطفى أو في سيارات البوسطة أثناء العودة إلى
الخيام والبيوت الطينية ذات القباب .
- الحلاق فهمي وجد هناك متسعاً للعمل بعد أن طرده
حلاق متجول آخر احتكر منطقة كراج "الباب" في باب النصر ، ففي باب الحديد
عديد من الحلاقين المتجولين وعديد من دكاكين الحلاقة ولكن كل واحد غاطس
حتى أذنيه في الشغل . صف دكاكين البلدية طويل وأمامه ممر عريض مسقوف
ومبلط . في كل صباح يفتح البائعون دكاكينهم ويخرجون كميات هائلة ومتنوعة
من بضائعهم لعرضها أمام أعين الفلاحين وفي متناول أيديهم . وما أن تصبح
الساعة التاسعة حتى تختلط هذه البضائع بالأجساد البشرية للفلاحين . يأتون
مجتمعين ، رجالاً ونساء ، شيوخاً وأطفالاً . يقرفصون داخل الدكان وأمامها
بين البضائع ، فيجد البائع صعوبة بالغة أثناء التحرك .
- لكل دكان زبائن خاصون من الفلاحين . يأتون إليه
، يشترون منه كل ما يلزمهم وما لا يلزمهم . يتركون أغراضهم عنده ،
يستريحون ، ينامون ، يشربون الماء المبرد في "الخابيات" ويستلفون منه ما
ينقصهم من الأموال ، يرهنون عنده الفروات وأقراط الذهب والمسدسات .
يثرثرون ، يستمعون إلى البائع وهم مشدوهون عن آخر الأخبار . ينقلون إليه
أخبار من تزوج ومن مات ومن ولد له ذكر ومن أخذ أخيراً ثأره
.
- وبسبب زحمة البضائع والأجساد لم يستطع الحلاق
فهمي أن يضع كرسيه إلا قرب دكان أبو عوض بائع الحصر والمكانس والبواكير .
ورغم شعبية أبو عوض عند الفلاحين ومكوث العشرات منهم في دكانه وأمامها ،
ورغم لفائف الحصر التي كان يعرضها خارج دكانه ، استطاع فهمي أن يجد نصف
متر مربع يحتله .
- كان أبو عوض في الخامسة والثلاثين ، حلبياً
أصيلاً ، حليق الذقن والشاربين ، وشمت حبة حلب على خده وشماً دائرياً
منحه جاذبية جديدة أضيفت إلى جاذبية روحه وحديثه ولكناته المتعددة. معه
الفلاحهون يشعرون بالراحة والئقة فيقعدون عنده ، يتكئون على الحصر
والمكانس ، لا ينهضون الا ليتبضعوا أو ليتبولوا ، ينظرون إليه فاغري
الأفواه ، يستمعون إلى أحاديثه التي لا تنتهي . فهمي الحلاق أيضاً إنجذب
إليه ، أحبه منذ اليوم الأول فأقام بجانبه ، وعندما يكون أبو عوض منخرطاً
في حديث مع فلاحيه الذين يتبدلون يومياً ، يعطيه أذنه سواء كان يحلق رأس
فلاح أم لا .
- أبو عوض يعرف كل عشائر الباب وحلب ومنبج وجبل
سمعان وعشائر البادية وحماة . يعرف قراهم والبدو الرحل منهم وشيوخهم
وأبناء شيوخهم ولكناتهم وأخبارحروبهم . أبو عوض ياشباب فلتة من فلتات هذا
الزمان .
- في ذلك اليوم ، حين طرد فهمي الحلاق من أمام
كراج الباب ، حمل كرسيه وعدّته وقرر العودة إلى حي البداوة . كانت أشعة
الشمس تسلق الرؤوس وتميع إسفلت طريق الجوار الواصل إلى باب الحديد
.
- مر أمام دكاكين البلدية ومظلتها وقرر أن يستريح
قليلاً في الظل إسوة بمئات الفلاحين المقرفصين والمستلقين على البلاط .
شرب عدة كؤوس من الماء البارد على روح أموات أبو عوض ، ثم وضع كرسيه وجلس
عليه . راح يستمع إلى أبو عوض الذي كان يحدث الناس عن الحرب مع اليهود ،
ألم أقل لكم إنه فلتة ؟ قال أبو عوض : كان ذلك يا أخوتي في عام 1948 أي
قبل ئلاث سنوات حينها كنت شاباً . قالوا أن اليهود جاؤوا وأخذوا فلسطين
وطردوا العربان منها . لم تكن دكاكين البلدية قد بنيت بعد ، كانت شغلتي
أن أحمل المكانس على كتفي وأدور بها بين العربان . قالوا أنهم يسلحون
الجيش للسير إلى فلسطين وتحريرها من اليهود . قلت لنفسي والله يا أبو عوض
هذه شغلتك . تركت المكانس عند أمي وذهبت إلى المخفر . هناك قلت لهم : أنا
أريد أن أتطوع لتأخذوني إلى فلسطين . نظروا إلي باستغراب وقد انهبلوا .
لماذا يا أبو عوض لماذا ؟ . الجيش كاف وواف روح إلى بيتك فسنحرر فلسطين
بدونك ! . قلت لهم لن تحرروا فلسطين بدوني فأنا لاينقصني شيء . بعد عشرة
أيام جمعوا المتطوعين في سرية خاصة في مكان ما في دمشق . أعطونا ثياباً
عسكرية وبنادق وذخيرة وعلمونا كيف نطلق الرصاص ونصيب الأهداف ، وما أن
ابتدأت الحرب بين جيوش العربان وجيوش اليهود حتى وضعونا في سيارة
وأرسلونا إلى الأردن ثم إلى القدس .
- وصلنا إلى القدس يا أخوان . كان معنا ضابط
بنجمة واحدة . نزلنا هناك ونحن لا نعرف ماذا نفعل . كان الرصاص يلعلع في
كل المدينة . قعدنا على الرصيف وبأيدينا أسلحتنا . قلنا للملازم إذهب
وابحث عن العرب لنساعدهم نحن لم نأت إلى هنا لنتفرج على الحرب بل جئنا
لنحارب . مسكين الملازم . لم يكن معه أي أوامر ولا خرائط ولا يعرف مكان
العرب من مكان اليهود ، ولا من يحارب من . ونحن سرية المتطوعين احترنا
ماذا نفعل . كانت الشوارع نصف فارغة ، وكان المارون ينظرون إلينا بتعجب .
ذهب الملازم للبحث عن الأخوة ، ثم عاد في اليوم التالي بعد أن نفد صبرنا
فالبنادق بين أيدينا ولم نجربها بعد . قال قوموا . كان معه بدوي إبن عرب
قال لنا إنه الدليل . مشينا خلف الدليل من شارع إلى شارع والرصاص يلعلع
فوق رؤوسنا . ظللنا نسير نصف ساعة أو ساعة ، فاللّه أعلم ، حتى وصلنا إلى
بناية هجرها أهلها ، فقد كانت قريبة من مواقع المعارك . تركنا الدليل
هناك وغاب نصف النهار ثم لما عاد أمرنا أن نسير خلفه من جديد . قال لنا
أنه تعين علينا أن نحارب اليهود في خنادق محفورة على سفح أحد التلال .
وفعلاً صعدنا إلى التل ووجدنا الخنادق فانتشرنا فيها ورحنا نبحث عن
اليهود لنطلق عليهم النار فلم نجد . كل ما هناك أن القدس كانت أمامنا إلى
الأسفل وكنا نسمع أصوات الإنفجارات والرصاص ونرى الأدخنة المتصاعدة في
بعض أنحاء القدس .
- فجأة يا أخوتي ، صعد التل بنا ، وطرنا في
الهواء واختلط التراب بالنار وبالدماء واختفت الشمس وعم الظلام وانتهى كل
شيء . هل تعلمون ماذا كان ذلك ؟ . آ … ؟ لماذا لا تجيبون ؟ … زين … فتحت
عينيّ من جديد ، كان ذلك أما بعد يومين أو ثلاثة . كانت الخنادق مهدمة
وجثث الرفاق، متناثرة والدم قد صبغ الحجارة والتراب وجف . وكانت هناك
أمعاء الرجال معلقة على أغصان الأشجار ورؤوس مقطوعة وأيدي وأرجل وعيون
مفقوءة …
- رحت أبكي وأستغيث ، أغيثوني يا أهل الخير … !
لم يكن أحد يسمعني ، فنحن على تل عالٍ يشرف على القدس . كنت مصاباً في
جميع أنحاء جسدي ، ونزفت كثيراً ، حاولت النهوض فلم أستطع ، زحفت وزحفت
طويلاً نزولاً إلى المدينة ، كانت أصوات الرصاص تقترب وكنت أسرع ، ثم حل
الظلام . زحفت في الظلام ثم نمت ساعتين وعدت من جديد للزحف في الفجر .
كانت الشوارع خالية إلاّ من بعض الزاحفين مثلي . وبينما كنا كذلك وإذ بي
أسمع صوت طلقة رصاص جانبي . قلت يا أبو عوض أنت لا بد ميت . ولكنني
اكتشفت أنني ما زلت أتنفس . نظرت حولي . ماذا رأيت ؟ إحزروا ! . طبعاً
أنتم لا تعرفون فإنكم تسمعون هذه الأمور لأول مرة ، رأيت واحداً من
العربان قد قتل واحداً من الزاحفين ليأخذ منه بندقيته الجديدة . متّ من
القهر ، أردت أن أصرخ في وجهه ، أن أشتمه ، أن أقول كذا في أمك ولكنني
كنت أعزل فقد نسيت بندقيتي هناك على التل، أو قل أضعتها . اقترب مني
العربي ثم عبأ البندقية الجديدة ووجهها نحو رأسي . بلت في ئيابي . قال
بالحرف الواحد : واصل الزحف يا إبن الكلب وإياك أن تنبس بحرف . وهكذا كان
. واصلت الزحف حتى صادفت بعض العرب . حملوني وركضوا بي إلى أحد
المستشفيات ، وهناك أجروا لي العمليات ليخرجوا الشظايا من جسدي ثم ،
عندما شفيت ، أعادوني إلى حلب عن طريق الأردن .
- سمع فهمي الحلاق الفلاحين يسألون أبو عوض بهدوء
وهم يتثاءبون :
- - قل لنا يا أخي أبو عوض ماذا يعني ما حدث في
ذاك التل ؟ .
- - إذن لم تطلق رصاصة واحدة يا أبو عوض يا لك من
محارب ! .
- - ما نوع البندقية الجديدة التي أخذها ذاك الذي
قتل أخاه العربي ؟ .
- - وكيف تحررت فلسطين بعد ذلك يا أبو عوض ؟
.
- - آ … قل لنا … ماذا حدث بفلسطين بعد ذلك ؟
.
- هز أبو عوض رأسه مرات عديدة . كان ينظر في أعين
الفلاحين دون أن يتفوه بشيء . بعد ذلك التقت عيناه بعيني الحلاق
المتعبتين . كان يريد هو الآخر معرفة ما يسأل عنه الفلاحون
…
- في صباح اليوم التالي ، وعندما وصل أبو عوض إلى
دكانه ليهم بفتحها قبل وصول الفلاحين وجد الحلاق جالساً قربها وكأنه
يحرسها . صبّح عليه فهمي ثم ساعده برفع الدرابيّة وإخراج لفائف الحصر
وتعليق المكانس إلى الكلاّبات المدلاة من سقف السقيفة ، ثم أجلسه على
الكرسي وحلق له ذقنه مجاناً فأصبحا صديقين . وما أن وصلت باصات البوسطة
وسيارات التاكسي القادمة من قرى المناطق الشرقية ونزل الفلاحون يجرون
وراءهم نساءهم وأطفالهم إلى دكاكين البلدية حتى صاح أبو عوض
:
- - هذا هو الحلاق فهمي ، حلاق الإعتماد !
.
- راح يعمل له دعاية بين الفلاحين . هيا يا عربان
، قوموا احلقوا ! أنظروا إلى ذقني فأنا لا أسلمها إلى أحد ، ولكنني
سلمتها إلى فهمي . أنظروا إليها ، لقد أعاد إلي شبابي . اليوم عند أم عوض
عرس . رفع أحد الفلاحين الكهول كوفيته وتلمس رأسه. قال : أي بالله ثم جلس
علي كرسي الحلاقة . وضع له فهمي الفوطة الجديدة ناصعة البياض وراح يحلق
شعر رأس الرجل على الصفر ، أبقى له بناء على طلبه ، وكالعادة قليلاً من
الشعر الطويل في مقدمة الرأس .
- كان الفلاحون يروحون ويجيئون . يبيعون ما حملوه
معهم من القرى والمضارب ، ويشترون ما يلزمهم وما فكروا أنه يلزمهم . كثير
منهم ذهبوا إلى الحكيم مصطفى ثم اشتروا ، بناء على الوصفات، أكياساً من
الأدوية ، فقد اعتادوا على ذلك ، وخصوصاً ضرب الإبر ، فهم يمرضون كثيراً
… كثيراً جداً . وعند الظهر وانتظاراً لموعد انطلاق الباصات ، تكوّموا
أمام الدكاكين ، وخصوصاً أمام دكان أبو عوض ، واكتشف بعضهم أنهم يجب أن
يقصوا شعورهم ويحلقوا ذقونهم ، ثم سمعوا صوت الحلاق فهمي يحكي لهم حكاية
"قرية الذهب".
- *****
- ما إن خرج الفرنسيون وتم تسليم قيادة ثكنة
الدرك إلى ضابط عربي حتى انسل مسعود وجماعته من الثكنة تحت جنح الظلام
وهربوا إلى حي البداوة . لقد أصابتهم مصيبة ، وتصوروا أنهم سيذبحون إذا
ما باتوا هناك ، وأن الناس الذين يملأون الدنيا ضجيحاً وهتافات فرحين
بخروج الفرنسين، يمكن أن يسحلوهم في الشوارع ثم يقتلوهم ضرباً بالعصي
والحجارة إذا ما رأوهم في وضح النهار ، لذلك انتظروا حلول الظلام والهدوء
لينسلوا إلى بيوتهم .
- أخذوا أسلحتهم معهم وهرعوا يتلفتون إلى الخلف
بين الفينة والأخرى حتى وصلوا إلى حيّهم ، فلاذوا في بيوتهم ، أما الرقيب
مسعود فقد ذهب مباشرة إلى بيت أخيه الشيخ رشيد . طرق الباب ولما فتحوا له
طلب أن يوقظوا أخاه فهو لا يستطيع الإنتظار إلى الغد .
- حكى لرشيد كل مخاوفه . قال له إن الفرنسين قد
خرجوا وراح هو في داهية ، فقد كان قاسياً مع الناس يشتمهم ويضربهم أو
يهددهم بإطلاق النار عليهم وأنهم لا بد ينتظرون الفرصة لينتقموا منه لذلك
فهو لن يعود وجماعته إلى الثكنة ، وهناك شيء آخر وهو أنه سمع الدرك
يهمسون خائفين بأنهم سيقدمون إلى المحاكم بسبب انخراطهم يوماً في الدرك
الفرنسي .
- قعد رشيد صامتاً يستمع إلى أخيه ، وما إن انتهى
أخوه من سرد مخاوفه حتى غرقا ، هما الإثنان، في صمت طويل لا يسمع منهما
سوى أنفاسهما العميقة أثناء تدخين السجائر . لقد أصبح لرشيد أيضاً مخاوفه
وهو أن عبد الجبار أبو عبيد سوف يكسب هذه الفرصة ويطردهم من المحطة . إنه
يعرفه جيداً فهو لعين وإبن كلب ، لقد شاركه في احتكاره العتالة رغماً عنه
بسبب أوامر صريحة من الموظفين الفرنسيين فصمت عبد الجبار على شر ، والآن
، لن يثنيه أحد عن طردهم ، ومتى بعد أن اعتمد رشيد على العتالة في المحطة
ليطعم عشيرته . كان عليه ان يستمع إلى نصائح أخيه بدري الذي يصر على
تنويع أعمالهم بعد أن جمعوا شيئاً من المال . كان يخاف من المدينة وغدرها
، أما الآن فقد وجد خوفه لا مبرر له . أخذ نفساً عميقاً من سيجارته ثم
سحقها على الأرض بإصبعيه وقال لأخيه الذي لم يره خائفاً بهذا الشكل من
قبل :
- - الصباح رباح يا مسعود ، قوم أذهب إلى نسوانك
.
- بعد عدة أيام وصلت شاحنة مليئة بالدرك وألقوا
القبض على مسعود وبعض من جماعته بينما هرب الآخرون . قادوهم إلى الثكنة
حيث سجنوهم في سجن ثكنة الدرك لعدة أيام ثم ساقوهم إلى السجن المركزي
القريب دون أن يتبرع أحد ويقول لهم ما هي تهمتهم ، إلا أن مسعود كان يعرف
السبب تماماً ، فقد قسا على الناس كثيراً وتم ترفيعه لهذا السبب أيام
الفرنسين .
- بعد مدة علم أنهم قد أمروا بإطلاق سراح من
اعتقلوا من جماعته وعندما طلبوا منهم أن يعودوا إلى الثكنة رفضوا رفضاً
قاطعاً فسرحوهم ، وعندما علم بذلك فرح كثيراً وتنبأ أن يفعلوا معه ذات
الشيء إلا أنهم لم يستدعوه إلا بعد مضي ستين يوماً على سجنه
.
- جاء دركيان وأخذاه مع أغراضه إلى ثكنة الدرك
وهناك قابله ضابط وقال له دون أن يدعوه للجلوس ، إنهم يطلقون سراحه بعد
أن قضى المدة اللازمة في السجن وأنه إنشاء الله يكون قد أخذ درساً وأن لا
يعيد فعلته .
- فسأله مسعود :
- - وماذا فعلت أنا يا سيدنا الضابط ؟ . فصرخ
الضابط في وجهه قبل أن يطرده :
- - كيف تتجرأ على الهرب من الثكنة آ … ؟ إن
أعدتها فسأرسلك إلى تدمر .
- عندها فهم مسعود أنهم لم يسجنوه لأنه كان يضرب
المتظاهرين بل لأنه هرب من الثكنة ودفع عشرة آخرين لفعل ذلك أيضاً . سمع
نصيحة أخيه وبقي دركياً . قال له أيضاً أن عليه أن يرتقي أكثر فأكثر
ليصبح ضابطاً . يجب أن يصبح رجلاً مهماً في الحكومة ، فهيبة أولاد
الحسّون من هيبته ، وكلما ارتقى أكثر علت سمعة العشيرة ومهابتها
أكثر.
- بعد خروجه من السجن رفّع مسعود إلى رتبة مساعد
في الشرطة من ضمن من رفعوا بمناسبة الإستقلال ، وخلال ست سنوات ، خدم في
مخافر دير حافر ومنبج وسلقين وفي مخافر حدود تركيا واستطاع أن يتعلم
القراءة والكتابة مستخدماً من أجل ذلك أوقات الفراغ الطويلة التي كان
يعيشها وعديد من الشرطيين المتعلمين والذين دخلوا السلك حديثاً . لقد وعى
أنه كي يرتفع إلى الأعلى فإن أمّيته ستكون العائق الأوحد لذلك تعلم بسرعة
شديدة أذهلت رشيد الحسّون ومرؤوسيه في المخافر .
- كان مسعود قد ضحك على نفسه لأنه توهم بأنهم
سيحاسبونه ، يوماً من الأيام ، على ما كان يفعله بالناس أيام الفرنسيين .
وعندما انتهى الصخب وانتهى زمن الاحتفالات فرحاً بالإستقلال، أصبح على
الشرطي أن يفرض هيبة الحكومة أينما كان . ومسعود شرطي ممتاز ، ولهذا
السبب أصبحت شخصيته تقوى كل يوم واكتشف أنه يمكن أن يكون مخيفاً للشرطين
العاديين وللفلاحين في القرى أينما حل وفي زمن الإستقلال أيضاً . إسمعوا
هذه القصة فمسعود يفتخر بها : كان يا ماكان ، كان مسعود يخدم في أحد
مخافر بلدة منبج ، كان معاوناً للملازم رئيس المخفر . وفي أحد الأيام
جاءتهم إخبارية أن شاباً كان يعشق إمرأة في قرية (بلابان) وأنه تقدم إلى
خطبتها من أبيها فرفض الأب لأن القصة انكشفت للناس ، ولم يكن الشاب
ليتمكن من كتمان سره . هدد أبو الفتاة الشاب وطلب منه أن يغادر نواحيهم
وإلاّ قتله ، فغادر ولم يعد . مرت أشهر عديدة فخطب الفتاة ابن عمها وتم
تحديد موعد العرس . وفي ذلك اليوم ، اجتمع الناس وبدأت الطبول والزمور
تعزف فرقص الرجال وزغردت النساء وذبحوا الخواريف وسلقوا البرغل ، وبينما
كان العريس جالساً إلى جانب أبي العروس يعقدان القران ، دخل الشاب وبيده
بندقية فرنسية معبأة . سدد إلى العريس ثم أطلق فقتله ثم سدد إلى أبي
العروس وقتله أيضاً ثم هدد الناس أنه سيقتل كل من يلحق به وهرب
.
- كتبوا المحضر ثم وضعوا في أسفله ختم المخفر
وأرسلوا برقية بحث بالشاب وأرسلوا نسخة عنه إلى ناحية منبج أما النسخة
الثانية فقد صنفوها في مصنف ممتلىء بأخبار الجرائم ، وأخذ الثارات ، ثم
أرسلوا شرطياً إلى القرية ليعاين ، الله أعلم ما يجب أن يعاينه ، ونسوا
القصة .
- كان ذلك في أيار . بعد ذلك بعدة أشهر وتحديداً
في آب اللهاب ، كان الطقس حاراً فطقت روح المساعد مسعود فقرر في نهاية
دوامه أن يستقل سيارة شحن محملة بالشعير ، قادمة من عين العرب ويسافر
معها إلى حلب . ركب إلى جانب السائق ثم خلع سترته وقميصه الداخلي وعمرته
علّه يشعر ببعض الرطوبة والإنتعاش وسارت الشاحنة . بعد قليل غفا مسعود
وحلم أنه أصبح ضابطاً وأن الملازم رئيس المخفر قد طقت مرارته من القهر .
فجأة شعر أن الشاحنة قد توقفت . فتح عينيه فرأى السائق قد توقف لشاب يشير
له . طلب الشاب من السائق أن يسمح له باعتلاء الشاحنة وأخذه معه إلى حلب
. وافق السائق فركض الشاب إلى الخلف وصعد فوق شنابل الشعير . ما إن عادت
الشاحنة إلى السير حتى عاد مسعود إلى النوم ، ولكنه عوضاً عن أن يحلم
بأنه صار ضابطاً حلم حلماً غريباً . حلم أنه في عرس كبير يرقص الدبكة مع
الرجال وسمع زغاريد النساء ثم حلم أنه يأكل لحم الضان والبرغل المسلوق
ويشرب اللبن ، وحلم أنه يجلس داخل كوخ ذي قبة مع العريس وأبي العروس
وفجأة دخل ذاك الشاب الذي اعتلى الشاحنة قبل قليل وهو يحمل بندقية فرنسية
وراح يطلق الرصاص فقتل العريس وأبا العروس ثم هرب .
- فتح مسعود عينيه وهو مسطول . فكر في معنى هذا
الحلم ، هذه أول مرة يحدث معه مثل هذا، انه في العادة يحلم ، ولكن أحلامه
ليست لحل الألغاز أو للقبض على المجرمين ، بل كل أحلامه تدور حول مستقبله
، مثلاً يحلم أنه أصبح ضابطاً أو رئيس مخفر أو مدير ناحية ومرة واحدة حلم
أنه أصبح محافظ مدينة كبيرة مثل حلب . طلب من السائق إيقاف الشاحنة ثم
قبض على مسدسه ونزل .
- طلب من الشاب النزول فنزل . في البداية حسب
الشاب أن معاون السائق عطف عليه فأراده الركوب في كابينة السائق ولكنه
عندما شاهد المسدس جفل . لم يتوقع أن تتوقف الشاحنة على الطريق للقبض
عليه . فسأله مسعود عن أسمه فتعثر لسانه . قال له أنه حميد . أمسكه مسعود
من رقبته وانهال عليه ضرباً بقبضته وقبضة المسدس . ألقاه على الأرض ثم
ركب فوقه واستمر في ضربه دون حتى أن يسأل سؤالاً ثانياً . ظل يضربه عشر
دقائق فسال الدم من كل جزء من رأس ووجه الشاب وسقطت عدة أسنان من فمه .
بصراحة لقد هشّم وجه الشاب حتى أن السائق راح يتقيأ من رؤية ذاك الوجه
الريفي الجميل الذي تحول إلى كتلة من اللحم الأزرق والدم . بعد كل ذلك شد
مسعود على خناق الشاب وسأله :
- - ألست أنت الذي قتل العريس وأبو العروس في
قرية كذا … ؟
- كان مسعود قد نسي اسم القرية فتأتأ باسم غريب .
وبدون أن يتلكا الشاب لحظة واحدة قال نعم أنا من قتلهما . نهض مسعود عنه
ثم سحبه إلى داخل الشاحنة وعندما وصلوا إلى حلب سلمّه إلى الجنايات فصار
عندهم عيد لأنهم أخيراً ، وبمساعدة مسعود ، استطاعوا القبض على مجرم هارب
.
- كان المساعد مسعود قد ملّ الخدمة في مخافر
القرى والنواحي والبلدات ، كما أنه جرب مخافر الحدود ولم يحبها رغم
الفائدة التي قد يجنيها في بعض الأحيان من عابري الحدود من وإلى تركيا
.
- كان رشيد يحاول تقوية مركزه في المحطة وكان عبد
الجبار أبو عبيد يضايقه في بعض الأحيان . قال له أخوه رشيد مرة
:
- - حاول أن تأتي إلى حلب يا أخي فأبو عبيد يحرك
ذنبه .
- ليس هذا فحسب بل إن إلحياة بدون نساء طيلة
الأسبوع تجعله متضايقاً وعصبي المزاج ومتفجراً لأقل شأن . إذن عليه أن
يسعى ليخدم في مخافر حلب من أجله ومن أجل رشيد ومن أجل نسائه
.
- كان لمسعود ثلاث نساء ماتت الصغرى إبنة الخامسة
والعشرين منذ أشهر وهي تضع له توأمين. زعل عليها . أرسلوا إليه تلغرافاً
إلى مخفر الحدود قرب مدينة إعزاز أن عليه أن يحضر لأن زوجته ماتت . تأسف
عليها كثيراً ، خصوصاً وأنها الصغرى . قال في نفسه أنها لو كانت الكبيرة
لفرح حقاً . زوجته الأولى حمدة أكبر منه بخمس سنين ، قبيحة ، سوداء
البشرة ، من عشيرة غريبة عجيبة . زوّجها له أبوه أثناء الحروب التي
خاضتها الحسّون ليكسب صداقة عشيرتها .
- زوجته الثالثة وهي الأصغر كانت أجملهن وأصغرهن
، كانت من الحسّون . ورغم أنها ولدت له ثلاثة أطفال إلا أنها كانت ضيّقة
، فكان يتلذذ أثناء مضاجعتها ، أما الأولى فهي واسعة جداً ، مثل الطاقة ،
ليس لها جدران ولا قرار ، لعنة الله عليها . كان يهرب منها إلى الثالثة
أما الآن فإنه يهرب إلى الثانية ، رغم أن الثانية وهي بدون طعمة ولا
مزّية ، إمرأة مثل ألوف النساء ، ولكن لا بأس بها إن هو قارنها بالأولى
.
- أخذ إجازة مدتها عشرة أيام وأخذ نقوداً من أخيه
رشيد ودعا بعض المعارف المهمين ، الذين تعرف إليهم بعد أن قبض على المجرم
الهارب ، إلى أحد كباريهات شارع الملك فؤاد الراقية .
- فتحوا لهم طاولة إلى جانب المرقص الذي يسمونه
"البيست" وقدموا لهم العرق والويسكي والبراندي . أحد المدعوين اعتذر عن
الشرب لأسباب دينية . بعد أن رقصت الراقصة الديرية "وداد" وكشفت لهم
عمداً عن سروالها الداخلي ، فتح مسعود الموضوع مع مدعويه . قال لهم أنه
قد مل وأن الحياة في حلب جميلة وأنه يشتاق إليهم لأنه يخدم بعيداً عن
المدينة وأنهم إذا ما تم نقله إليها فسوف يمضون أوقاتاً جميلة معاً . ثم
حكى لهم الحكايات وأخرج من جيبه ألوف الليرات كي يسيل لعابهم ، فنهض واحد
من المدعوين المهمين رافعاً كأسه وشرب نخب الراقصة وداد وضرب على صدره
ضربة قوية وأخذ على عاتقه مهمة تحويل مسعود للخدمة في حلب
.
- في اليوم التاسع لإجازته استدعوه إلى قسم
الشرطة في السراي وأبلغوه أنه بناءً على سلوكه الحسن ونباهته وحسن تصرفه
وشجاعته وحزمه وما إلى ذلك ، وبناء على توصية عديد من الضباط ، قررت
قيادة الشرطة في حلب تعيينه رئيساً لمخفر "المنزول" في محلة بحسيتا
.
- هل تعرفون ماهو المنزول ؟ كلنا عرفنا أو سمعنا
عنه ، انه المحل العمومي . يقولون إنه في كل مدينة يوجد مثل هذا المحل ،
حيث تعيش وتعمل الساقطات . ويختلف هذا المحل من مدينة إلى
أخرى.
- فقد يكون عبارة عن بيوت متناثرة في الأحياء
فتسكن العاهرة الفقيرة في الأحياء الفقيرة والعاهرة الراقية في الأحياء
الراقية . وفي مدن أخرى يلتقطون العاهرات من الشوارع ويذهبون بهن إلى
الفنادق أو الشقق الخاصة . وهناك مدن لا يوجد فيها مثل هذه الأمور بسبب
تعصب أهلها ومدن أخرى يعم فيها العهر بشكل تتحول كلها إلى مكان عمومي
.
- ولكن في حلب يختلف الأمر وذلك بسبب موقع حلب
وطبيعتها ، فهي كانت وما زالت تستقبل الوافدين إليها وتفتح لهم ذراعيها.
ومن هؤلاء الوافدين الساقطات . فكل واحدة تكتشف أنها عاهرة أو يكتشفون
أنها كذلك تهرب من قريتها أو عشيرتها أو بلدتها أو ناحيتها إلى حلب وذلك
خوفاً من الذبح . وما إن تصل إلى حلب حتى تنزل في ذلك المكان فسمي
بالمنزول.
- تقوم الدولة بحماية نزيلات المنزول . فما إن
تسجل اسمها حتى تصبح العاهرة نزيلة شرعية ، ثم عليها أن تؤمن لنفسها
وكيلاً وهو القواد الذي يؤمن لها السكن داخل المنزول ويقوم بالدعاية لها
وينظم دخول الرجال إليها .
- والمحل عبارة عن حي كامل له شوارعه وزواريبه
ومراحيض عامة خاصة به . كما يوجد فيه محال تجارية ومقاهٍ صغيرة لشرب
الشاي والقهوة والتهام الصندويش . كل شيء منظم ، حتى أن مدخله الوحيد
محروس جيداً من قبل الشرطة لمنع دخول الأحداث والأطفال والقتلة وأقرباء
النزيلات الذين يريدون غسل عارهم . الشرطي في المنزول له أهمية عظمى ،
فهو يمنع إدخال الأسلحة والسكاكين والمشروبات ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة
. فلا يمر يوم إلاّ ويحدث عراك بين الرواد أو بين الرواد والقوادين أو
بين النزيلات أنفسهن . مهمة صعبة وليست سهلة ولكن قيادة الشرطة التي
تعتبر أمن المنزول من أمن المدينة وجدت في شخص المساعد مسعود الرجل
المناسب لهذا المكان بسبب طبيعته وشكله البدوي الصارم . فله وجه جامد
كالحجر وبشرة سمراء منكوشة من آثار جدري قديم وله شاربان غليظان فاحمان ,
كل ذلك بالإضافة إلى الوجه المهشم للعاشق المجرم الذي سلمهم إياه مسعود
قد دفعهم إلى عدم تخجيل أصدقائه الذين أوصوا به .
- فرح مسعود كثيراً فصافح الضابط الذي أبلغه
القرار ثم خرج مبتسماً . لم يحول إلى حلب فحسب بل أصبح رئيس مخفر فيها .
هكذا سمع وهكذا فهم ولكن ما هو هذا المنزول ؟ . توقف عن السير وراح يفكر
وفجأة ارتعد ووقف شعر رأسه . مخفر المنزول في محلة بحسيتا ؟ ! هذا هو إذن
. الآن فهم الأمر . لقد جعلوه قواداً كبيراً لكل قحبات المحل العمومي .
بصق ثم لعن حظه وأسرع لمقابلة أخيه رشيد في حي البداوة .
- قال له أخوه رشيد :
- - لا تزعل يا أخي لا تزعل ، بل افرح ، هذه هي
البداية ، أنت من خلال هذا الموقع ستتعرف سراً على معظم الرجال المهمين
في البلد . سوف يلبون لنا أي طلب نريده .
- *****
- كان يا ما كان في قديم الزمان ،كانت قبيلة
الحسّون تخيّم قرب بئر ماء في بادية الشام على بعد عشر ساعات من القريتين
. لا أحد يعرف متى كان ذلك ، ربما في نهاية العشرينات أو في بداية
الثلاثينات ، وهذا لا يهم ، فمتى كانت القبائل تسجل ما يحدث لها ؟ ومتى
كانت للتواريخ أهمية ؟ فهذه الأمور من اختصاص أهل المدن ، فالزمان يحتاج
إلى مكان ، ومن ليس له مكان لا زمان له ولا تاريخ . كان ذلك العام ، عام
محل وجفاف . وكانت القبيلة قد قضت الصيف فيما بين النهرين … وما إن حل
الشتاء وبدأت تظهر في السماء طلائع الغيوم حتى أمر الشيخ أحمد الحسّون
بطي الخيام وجمعها ثم أمر رجال الاستكشاف بالركوب والسير إلى الأمام
لاستكشاف الطريق إلى الشامية ، وحملت الأرزاق والخيام المطوية على الجمال
ثم سارت القافلة تثير خلفها زوبعة من الغبار . كان الطريق إلى تلك البئر
آمناً فوصلت إليه القافلة بعد عشرة أيام ، فأعيد نصب الخيام وكانت في ذلك
الوقت تعد خمسمأة خيمة .
- كان مالكو البئر هم "الوُلْدْ علي" . وكانت
الحسّون والولد علي في حلف منذ ثلاث سنوات بسبب صراع الأخيرة مع شمّر ،
ولكن وبينما كانت الحسّون مخيمة في ما بين النهرين وصل إلى أسماع الشيخ
أحمد بأن الحرب بين القبيلتين الكبيرتين قد انتهت وأنهما تصالحا وأنهما
عقدتا عدة زيجات فيما بينهما دعماً وتكريساً لهذا الصلح
.
- فرح الشيخ أحمد كثيراً . لقد انتهت حرب طاحنة
دامت ثلاث سنوات اضطرت قبيلته لدخولها بسبب مجاورته للولد علي على مدى
سنين طويلة ، ولسبب آخر وهو أن الحلف معهم قد ضمن له الأمان أمام القبائل
الكبيرة الأكثر شراسة والتي فرضت عليه لسنين عديدة خُوّة كبيرة شعر عدة
مرات أنه عاجز عن دفعها .
- لم يكن الشيخ أحمد على علم بأن الولد علي قد
أصبحت في حل من كل تعهداتها وأحلافها . لم يكن يعلم بأن الصلح بينها وبين
شمّر ، قد كان ولكن ليس في صالحه هو.
- وفي أحد الأيام انبلج الصبح على المخيم . كانت
خيمة الشيخ ذات الأعمدة الكثيرة في الوسط تحيط بها بشكل دائري الخيام
الأخرى وسجف أبوابها مزاحة باتجاه الريح . كان السلم يعم الدنيا والولد
علي وشمّر متصالحتان . كل شيء يثبت ذلك ، فالضباب الخفيف الذي راح ينقشع
بهدوء ، ومن جراء تنفس الصباح ، عن الخيام . وثغاء الغنم وصهيل الأحصنة
وصياح الديكة في أرجاء المخيم دليل واضح على ذلك السلم .
- كان رشيد يسمع شخير زوجاته مختلطاً بحلم بدأ
يبتعد قليلاً قليلاً . كان يحلم أن السماء قد انقشعت وراح المطر يهطل
بغزارة بعد سنة الجفاف هذه . شاهد في حلمه أنه ونساءه وكل قبيلتهم خرجوا
من الخيام وراحوا يرقصون ويصرخون ويزغردون فرحاً . أي حلم جميل هذا ؟ .
والصراخ . ما أقواه ؟ . انتظر في حلمه أن ينتهي . راح يغيب الحلم ولكن
الصراخ أصبح أقوى . فتح عينيه وانتفض جالساً . كان ألوف الرجال والنساء
يصرخون ويولولون . ماذا حدث ؟ بعد لحظة فهم أن أمرا ما يجري في الخارج
وليس في الحلم . خرج من خيمته عاري الصدر . من يمكن أن يكون مات ليحدث كل
هذا الصراخ والعويل ؟ هل مات الشيخ أحمد ؟ . نظر إلى جهة خيمة أبيه . كان
الشيخ واقفا أمام باب خيمته ينظر إلى محيط المخيم . نظر رشيد إلى ما كان
والده ينظر إليه ففهم فوراً ماذا كان يحدث .
- كان مئات الفرسان يدورون حول المخيم مصوبين
بنادقهم نحو الخيام وهم يصرخون صرخات الحرب ، وكان المخيم قد تحول إلى
خلية نحل . كان الرجال يخرجون مذهولين من خيام حريمهم ، يقفون لحظات
محاولين فهم ما يجري ، وحالما يدركون أن قبيلتهم تتعرض للغزو حتى يركضون
إلى هنا وهناك لا يعرفون ما يجب فعله .
- رشيد فهم فوراً . بعد قليل سيهجم الفرسان على
المخيم بعد أن يكونوا قد تأكدوا من أن رجال الحسّون قد تركوا مخادع
زوجاتهم وخرجوا من الخيام . إذن لديه فرصة من الوقت . راح يصرخ طالباً من
الرجال حمل بنادقهم والتجمع زمراً في أرجاء المخيم . ورغم الفوضى فهم
الرجال ما يريده دون أن يسمعوه . كان من عادة الرجال المحاربين ربط
أحصنتهم إلى جوار خيامهم . وكان من عادة الغزاة انتظار دخول النساء إلى
الخيام مجدداً للاختباء فيها قبل أن يطلقوا الطلقة الأولى . ولكن رشيد
كان يتمنى أن لا تدخل النساء ليكسب وقتاً إضافياً . إلاّ أن الفرسان
الغزاة فقدوا صبرهم وخصوصاً أنهم شاهدوا الرجال يتجمعون وفرسان رشيد قد
قفزوا إلى صهواة أحصنتهم وراحوا يتجمعون في الخلف مع قائدهم الأشقر
.
- ولكن هل سيهاجمون أم أنهم جاؤوا فقط لإخافة
الحسّون وطردهم من البئر ؟ . ثم ماذا حدث كي يقوم رجال الولد علي بغزوهم
، ألم يكونوا حلفاء ؟ أم أن كسب صداقة شمّر يعني كسب عداوة الجميع ؟ .
هكذا تساءل الشيخ أحمد وهو يلتقط بندقياته من خادميه ويعتلي صهوة حصانه
.
- في تلك اللحظة بدأ اطلاق النار . اخترق رجال
الولد علي المخيم في عدة أماكن بينما كان آخرون يطلقون النار من خارجه .
والتحم فرسان الحسّون مع فرسان الولد علي بالسيوف والخناجر. وشوهدت عدت
خيام تحترق فازدادت الفوضى وركضت النساء من جديد وهن يولولن . أمر الرشيد
بعضى فرسانه للخروج من الخيام لجر الغزاة إلى الخارج ولكن الخطة لم تفلح
فخسر عددا منهم .
- بعد مرور ساعة أحس رجال الحسّون أنهم خسروا
المعركة . كانوا عبارة عن مجموعات متعددة محاصرة من الداخل والخارج .
وكان كثير من الرجال يتركون بندقياتهم ويرفعون أياديهم . وأحس الشيخ أحمد
أن المعركة إذا طالت أكثر فسيخسر عددا أكثر من الرجال والخيام
.
- ألقى الشيخ أحمد بندقياته الثلاث ثم نزل عن
حصانه الكميت مقرفصاً على الأرض . كان الجميع يحاربون وأعينهم على الشيخ
، وما إن فعل ذلك حتى ألقوا بدورهم أسلحتهم وقرفصوا منتظرين ما سيفعله
الولد علي . عندما يستسلم رجال القبيلة فهذا معناه أن المعركة قد انتهت
وأن القبيلة الخاسرة تقبل بشروط الغازي المنتصر . هنا قانون الصحراء يفعل
فعله . المنتصر يأمر وينهب ويسبي . أمروا أن تترك الحسّون البئر ، ثم
قاموا بنهب نصف الجمال والأحصنة والغنم . وعندما أراد بعض الرجال خطف بعض
الفتيات الشابات منعهم قائدهم . منع السبي ، فهو لا يريد أن يترك جرحا
عميقا في شرف الحسّون يستدعي حرباً طويلة وطلباً مستمراً
للثأر.
- تجمع الولد علي وجمعوا غنائمهم ثم أعادوا تكرار
أمرهم إلى الحسّون بأن يتركوا البئر والمراعي العاثدة لهم ثم رحلوا .
كانت خسائر الحسّون عظيمة ، فمنذ خمس سنوات لم يتعرضوا لمثل هذا الغزو أو
لمثل هذه الخسارة . خسروا عشرين رجلاً وثلاثة نساء ومئات الجرحى وسبعين
خيمة وثلاثمائة جمل وألفي رأس غنم ومائة جواد . مصيبة ، الحلفاء الذين
حاربوا إلى جانبهم قبيلة شمّر وقبائل أخرى متحالفة معها غدروا بهم .
كانوا يعرفون بعضهم بعضاً ويتقاتلون . كان أحدهم يصرخ :
- - خذ ياحماد هذه الرصاصة في مؤخرتك
.
- يعرف اسمه جيداً . كيف لا وقد حاربوا معا في
أكثر من معركة واحدة ، ومع ذلك يقتله . كانت أدخنة الخيام المحترقة تصعد
إلى سماء المخيم وكان الوجوم مسيطراً على الجميع وهم يطفئون الحرائق
ويدفنون جثث قتلاهم وقتلى الولد علي . كانت الأرامل الجدد يعملن وهن
يبكين بصمت ، ولاذ الشيخ أحمد إلى خيمته لا يستقبل أحداً . أما رشيد فقد
بقي واقفاً إلى جانب خيمة أبيه ينظر إلى حيث رحل الولد علي وهو يكبت
غيظاً وغضباً وألماً يكاد ينفجر.
- حتى فجر اليوم التالي كانت الخيام قد قوضت
وحمّلت إلى جنبات الإبل . وبسبب فقدان عدد كبير منها فقد أمر الشيخ أحمد
بتحميل الأشياء الأكثر أهمية مثل قرب المياه وأكياس الطحين والتمر
.
- سارت القافلة حزينة متعبة ولكن متنبهة وحذرة .
زاد الشيخ أحمد عدد رجال الاستكشاف المسلحين وسارت خلفهم القافلة بعرض
مائة متر . سارت الجمال المحملة أولا ثم الرجال الذين فقدوا جمالهم
وأحصنتهم تصحبهم النساء والأطفال دائمي التشكي والصراخ والأنين ، بعد ذلك
كانت تقاد الأغنام . كان الفرسان يسيرون وفد أحاطوا القافلة كالطوق
مطأطئي الرؤوس يجرون خلفهم سحابة كثيفة من الغبار والعار
.
- كان الشيخ أحمد يقود حصانه الكميت لا يرفع
عينيه عن حصى الطريق . لماذا فعل ذلك الولد علي ؟ الجواب عنده سهل فهو
يعرف جيداً قوانين هذا العالم الكبير والصعب الذي اسمه الصحراء . ما إن
يكون في حل من التزاماته تجاه القبيلة الكبيرة حتى تعود الأمور كما كانت
في الماضي . عليه ألاّ يقرب مراعيها ولا آبار مياهها . كان عليه أن يعرف
ذلك ، ولكن كيف ؟ لقد أمضى الصيف ما بين النهرين ولم يدر شيئاً عما جرى
بين الولد علي وشمّر . عرف أنهما تصالحا ، ولكنه لم يفسر ذلك بأن الولد
على فسخت تحالفها معه . كان يمكن للولد علي أن يضربوه بشكل أقسى وبشكل لا
تقوم له قائمة بعد ذلك . لم يأخذوا النساء وتركوا له أكثر من نصف الجمال
والأغنام والأحصنة . انذارهم رهيب الولد علي على كل حال
.
- إلى أين هم راحلون ؟ . لن يعود إلى ما بين
النهرين ، الطريق طويل وشاق مع هذا العدد الكبير من المشاة . سوف يعود
إلى ديارهم عند بئر حسن فالأرض أرضهم والبئر بئرهم رغم شحة مياهه
.
- يقع البئر حسن قريباً من حدود العراق ، ولو كان
وضع الشيخ أحمد أفضل منه الآن لما اختار العودة إلى بئرهم بعد أن هجره
خمس سنوات كاملات . فحول هذا البئر توجد آبار وقبائل أخرى ، وقد اضطر
الحسّون إلى هجره بسبب النزاعات الكبيرة بين هذه القبائل على هذه الأبار
رغم شحها .
- لن يقود قبيلته إلى المخاطر من جديد ، فهو لا
يستطيع أن يطأ أرضا دون أن يسأل أصحابها السماح ، والآن ليس لديه الوقت
الكافي لإرسال الرسل . الأفضل أن يعود إلى أرضه وبئره ومن ثم يرسل الرسل
لإيجاد حليف ما يستطيع أن يرعى في أرضه .
- الطريق الذي كان على القبيلة أن تقطعه في ثلاثة
أيام قطعته في ستة بسبب النساء والأطفال والحفاة الذين كانوا يتشكون
باستمرار . ليس هذا فحسب ، بل كانت القافلة في كثير من الأحيان تضطر إلى
التوقف بسبب ظهور رجال مسلحين أغراب على سنمات إبلهم ، وكانوا يضطرون إلى
إرسال الرسل لدفع جوازات المرور إلى القبائل الكبيرة .
- بعد رحلة شاقة ومعذبة وصلوا إلى بئر حسن . كانت
الأرض المحيطة بالبئر تعلوها القذارة وتفوح منها روائح البراز والجيف ،
فعرفوا أن قافلة ما قد أقامت هنا مدة ثم رحلت قبل أن يصلوا . قبل أن
ينزلوا الأحمال قاموا بفحص البئر فوجدوه وقد شحّ كثيراً . لم تكن فيه
مياه تكفي لمئة خيمة فكيف بخمسمائة . ما العمل ؟. هل تعود القافلة إلى ما
بين النهرين بالرغم من خطر مواجهة قبيلة المنتفك الأشرار أم يقتربوا من
حلب حيث أراضي قبيلة الموالي الصديقة أم يعسكروا في بئر حسن انتظار
للأمطار التي سترفع منسوب البئر؟.
- جمع الشيخ أحمد أولاده وسألهم تلك الأسئلة .
قال الجميع أن عليهم أن يقيموا في هذا المكان وأضاف رشيد أنهم يجب أن
يرسلوا الرجال ، من هنا ، لغزو القبائل الصغيرة المعسكرة قريبا منهم كي
يغنموا بعض الإبل والأحصنة ليعوضوا ما فقدوه منها وقد يستطيعون دفع أحداً
ما لمغادرة بئر غزير المياه . قال أيضاً أن الجميع سيعرفون بغزو الولد
علي لهم وأن السكاكين ستكثر عليهم لذلك يجب أن يواجهوهم أولاً لإعادة
بأسهم إلى سابق عهده وانقاذ ماء وجههم . أمام حماسة الشباب ، في مثل حال
الشيخ أحمد ، تغيب حكمة الشيوخ . نصبوا الخيام وأرسلوا الجمال والأغنام
إلى المراعي القريبة وبدأوا يشكلون جيش الحسّون الصغير .
|