من يمتلك التقنيات يعش
مقالة

 في اعتقادي أن مفهوم الثقافة الوطنية هو مفهوم ملتبس أو مبهم يجري التنظير فيه بعيداً عن الواقع. وإذا طرحنا أسئلة محددة حول المفهوم فسرعان ما تصيبنا الحيرة حوله مثل ما هي العلاقة بين الثقافة الوطنية والثقافة القومية وما هو الخط الفاصل بينهما. ثم هل الثقافة الوطنية هي ثقافة مناضلة كما يوحي بذلك المصطلح؟ وأخيراً، ماذا نريد أن نقول في الثقافة الوطنية في عصر العولمة والذي من المفترض ان يكون في البال حين نصف وطنية الثقافة؟

أعتقد ان الثقافة الوطنية هي "ذلك الجانب الروحي الذي يدل علينا في عالم اليوم". أقول يدل علينا بلا رتوش.. بعجرنا وبجرنا كما يقول الحلبيون. في الماضي كانت اضافة الوطنية إلى الثقافة تعني البروباغاندا، أي يجب على الأمة ان تلمع صورتها في الخارج وفي أعين مواطنيها بوساطة الكذب وإخفاء العيوب وبهذا الأمر تتحول الثقافة إلى ثقافة سياحية بامتياز وهنا يأتي دور الرقيب ليحول الأفكار إلى بروباغاندا والواقع إلى سياحة. الثقافة الوطنية برأيي، حسب التعريف الذي طرحته، هي مناقشة مشاكلنا بصوت عالٍ بدون خجل أو كذب ويجب ألا نبالي بنظريات الكذب والإدعاء.

دعونا نقترح تعريفاً آخر للثقافة الوطنية. تعريفاً ينمي فينا مبادئ الصدق، فمن يكذب يكذب على نفسه. أقترح هذا التعريف: " الثقافة الوطنية هي أن نشغل الآخرين بمشاكلنا". لكي أشرح هذا التعريف أقترح الافتراض التالي.  لنفترض ان أحد روائيينا الكبار قد كتب رواية مهمة، محبوكة ومتينة ومشوقة، عن الفساد. وبما أن بلاد العرب أوطاني فإن هذه الرواية ستقرأ في معظم الدول العربية (أنا لاأقول ان أمة العرب جميعاً سوف يقرأون الرواية، فلست ساذجاً لأعتقد ذلك) هذا يعني أن عربياً في الكويت أو العربية السعودية أو في مصر سوف ينشغل بالمشاكل التي ستثيرها الرواية. سينشغل ذهن هذا العربي، أو ربما الأوروبي إذا ما ترجمت الرواية، بقضايانا الوطنية. بحياتنا ومشاكلنا وصراعاتنا وغيرها وغيرها.

هناك من يخاف من هذا التعريف أو التفسير للثقافة الوطنية. انه يعتقد ان على الرواية التي افترضناها ان تعالج قصة حب رومانسية في زمن غير معاش وفي مكان غير مداس. انه يسمي اشغال الآخرين بقضايانا نشراً للغسيل الوسخ ويريدنا ان نجمّل الواقع وان نكذب.

نعود إلى مقولة ان الثقافة الوطنية هي ذلك الشيء الروحي الذي يدل علينا في عالم اليوم، فنقول بما أن عالم اليوم هو عالم رقمي (اللبيب يفهم) فإن الثقافة الوطنية في خطر، ليس بسبب العولمة التي يحذرنا منها مفكرونا وفلاسفتنا كل يوم بل بسبب تخلفنا العلمي والتكنولوجي اللذين هما حاملا الثقافة في عالم اليوم. أرجو ألا يعتبر هذا نشراً للغسيل الوسخ ولكنني أؤكد بأننا متخلفون تقنياً ما دامت التقنيات بعيدة عن الناس فكل تقنية يتم اختراعها وتعم العالم تمنع عن شعبنا لأسباب غير مفهومة ولا تصل اليه إلا متأخرة. لقد جاهدنا ولوحقنا وفرضت علينا الغرامات يوماً من أجل الحصول على جهاز تلفزيون ملون ثم على جهاز فيديو ثم على الديش فالفاكس فالهاتف (حصلت عليه بعد انتظار دام ثمانية عشر عاماً) فالسيناو فالانترنت وأخيراً وليس آخراً على الموبايل. هناك شيء اسمه البيجر تم اختراعه وعم الدنيا وبطلت موضته واختفى ولم نعرفه هنا.

وهنا تعريف أخير للثقافة الوطنية وهي الثقافة التي تمتلك التكنولوجيا الضرورية لانتشارها في العالم أجمع وبدون هذه التكنولوجيا ليس هناك ثقافة وطنية.. فنحن نعيش زمن العولمة ومن يمتلك التقنيات يعش.

 

Copyright © 1999 - 2001 Nihad Sirees All rights reserved