سينما فردوس
مقالة: نهاد سيريس

إنها ليست سينما براديسو، الفيلم الشهير الذي حققه جوزيبي تورناتو وحصل به على أوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 1989. وهذه السينما هي فعلاً صالة لعرض الأفلام في مدينتنا وتحمل اسم فردوس مثل ذلك الفيلم الذي يتحدث عن اكتشاف صبي للسينما في صالة العرض الوحيدة في بلدته الصغيرة والتي تحمل اسم براديسو. ويبدو ان اسم الفردوس (براديسو) يستهوي الكثيرين من مالكي دور السينما في العالم وليس في حلب فحسب. وكانت هناك دار أخرى تحمل اسم سينما دنيا، كنا نرتادها بين حين وآخر، وقد أراد المخرج محمد ملص أن يحقق فيلماً باسم (سينما دنيا) ولكنه أجل المشروع أو رفضوه له ولكن الشيء المشترك دائماً هو تلك الأسماء الشهيرة لدور السينما التي تصنع نوستالجيا عميقة في نفوسنا عن تلك الأيام التي اكتشفنا فيها هذا الفن البديع.

كانت (سينما فردوس) تقع في حي سكني مزدحم، وقد شهدت أيام عزٍ لا مثيل لها. أما الآن فقد تحولت إلى صالة للمفروشات. وللعلم فإن (سينما دنيا) قد تم هدمها لتتحول الأرض التي أقيمت عليها إلى ساحة عامة، في حين مرت (سينما السعد) في باب النصر بعدة تبدلات في المهنة ثم أغلقت لمدة طويلة قبل أن يشتريها مالك جديد ليحولها بدوره إلى مستودع للمفروشات (لاحظوا المفروشات مرة ثانية) ثم باعها إلى أحد تجار البناء الذي هدمها وأقام مكانها بناءً سكنياً.

أعود إلى (سينما فردوس)، فقد بدأنا بارتيادها في سن متأخر، أي بعد اكتشافنا لعالم السينما على المقاعد الخشبية (لسينما السعد). كنا نهرب من تعب الدراسة لنلوذ بفردوس السينما، فقد كانت مدرستي قريبة منها. كانت تعرض فيلمين في آن واحد، فيلماً أجنبياً وفيلماً عربياً، وقد شاهدنا فيها المئات من كلاسيكيات السينما العربية والعالمية. أما في الاستراحة فقد كانوا يفتحون النوافذ لتوفير الكهرباء مثل (سينما ليلى) التي ما تزال تعمل حتى اليوم.

وليس غريباً أن يدخل بائع الشاي ليتجول في ظلام الصالة أثناء عرض الفيلم وينقر كؤوس الشاي بالملعقة نقرات خفيفة لينبه الجمهور إليه فينادونه. كان يغيب فترة ثم يعود ليلم الكؤوس الفارغة، ولكن من يهتم له؟ عندها يبدأ بالمناداة من أجل الكؤوس وأخيراً كان يشتم كل من يخبئ كأساً بصوت عالٍ، فتقوم الصالة ولا تهدأ ويشترك الجميع في البحث عن الكؤوس التي يركنها الشاربون في العادة تحت مقاعدهم ثم ينسونها، وفي مثل هذه الفوضى (تشاط) بالأقدام فتتدحرج على الأرض مما يسهل التقاطها. ولا يهدأ بائع الشاي حتى تعاد إليه كل الأكواب، لا تنقص كوباً واحداً، لأنه يكون قد أحصاها عدداً قبل ذلك.

أما في الشتاء فإنهم اعتادوا تركيب مدفأة على الحطب في منتصف الصالة وكنا، في أيام الزمهرير، نتحلق حولها لنتابع (صراع في الوادي) أو (الخطايا) أو فيلم (جينكلي) للمثل شامي كابور. ليس هناك أروع من متابعة فيلم في (سينما فردوس) على دفء الحطب المشتعل ورائحته المحببة. وفي كثير من الأحيان، كانت بعض من دموعنا تسقط على المعدن الحامي فتتبخر على الفور إثر مشهد ميلودرامي مؤثر.

وفي إحدى المرات، وكان البرد على أشده في الخارج، انطفأت المدفأة. لم نشعر بالبداية بانطفائها بسبب حرارة الفيلم ولكن، بعد ذلك، وعندما بردت أحداث الفيلم رحنا نرتجف من الصقيع الذي كان يتسلل إلى أقدامنا من أرضية الصالة العارية. رحنا ننادي من أجل تزويد المدفأة بالحطب ولكنهم لم يردوا علينا، ثم بدأنا نصفر ونصفق ونخبط المقاعد بأيدينا والأرض بأقدامنا. أصبحت (سينما فردوس) مثل حمام السوق التي قطع عنها الماء. وفجأة توقف عرض الفيلم وأشعلت الأنوار وفتحت النوافذ وجاء مدير الصالة وصعد إلى الشاشة وخاطبنا وهو يلوح بقبضته.

قال اسمعوا يا اولاد… نحن نخصص لكل حفلة خمس حطبات، اليوم المدفأة استهلكت ست حطبات، لن نعطيكم ولا حطبة زيادة حتى لو انطبقت السماء على الأرض.

عندها اقتنعنا وصمتنا فأعادوا تشغيل الفيلم الذي تابعناه إلى الآخر ونحن نرتجف وأسناننا تصطك. ومثل (سينما براديسو) تماماً، فقد كان من شلتنا إياها "حنا ورد" الذي سافر بعد سنين من حادثة مدفأة الحطب إلى موسكو ليعود منها مصوراً سينمائياً مرموقاً وليرى كيف تحولت (سينما فردوس) إلى صالة للمفروشات.

نشرت في جريدة البيان في دبي بتاريخ 6/11/1999

 

Copyright © 1999 - 2000 Nihad Sirees All rights reserved