رواية "الصمت والصخب"

لنهاد سيريس

الفصول الثلاثة الأولى

1

كان الطقس شديد الحرارة. لاحظت ان الشرشف تحتي كان مبتلاً تماماً. شعرت بهذا قبل أن أفتح عيني. من شدة الحرارة كنت أتنفس بصعوبة بينما كان العرق يتجمع في نقاط تسيل على رقبتي. رفعت يدي ومسحت المنطقة فوق الشفة حيث اعتدت على وجود العرق إذ يتجمع هناك في نقط صغيرة ودقيقة. استدرت إلى طرفي الأيسر ونظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار فوق النافذة. كان الضوء القادم من النافذة مبهراً إلا أنني استطعت أن أميز عقارب الساعة. كانت الثامنة والنصف بينما الضجة في الشارع توحي وكأن النهار قد انتصف.

خلعت قميصي الداخلي المبتل وأطلقت زفرة. زفرة توحي بأنني أتأفف فقد كان علي أن اشتري مروحة. تأففت من نفسي لأنني طلبت مراراً النقود من أمي وعوضاً عن أن أشتريها كنت آكل بها وأشتري التبغ. فضلت أن ابقى مستلقياً. دلقت قنينة الماء على رأسي وصدري العاري فشعرت بالانتعاش. هذا الأمر تعلمته من لمى. كانت أيضاً تبلل المنشفة بالماء ثم تأتي بها فتمدها على جسدي العاري برهة فأشعر بالبرودة ثم كانت تسحبها بإصبعين من كل جانب فتمر على كامل صدري ثم وسطي حتى قدميّ. كنت أشعر ببرودة منعشة قبل أن يسخن الماء الذي يبلل المنشفة. وكنت أيضاً أنتعش فتستجيب لمى أوكنت أصطنع البلاهة فلا أظهر معرفتي بما كانت تشتهي بلعبة المنشفة هذه فأتركها تستسلم لي بدلال.

إنها الثامنة والنصف وأصوات الخارج تصل إلي بدون تنسيق.  كانت الأصوات تأتي على شكل ضجيج بينما مكبر الصوت يرفع صوتاً لعيناً يلقي شعراً حماسياً غير مفهوم ثم يتوقف ليعطي بعض التعليمات. كانت معاني الكلمات تضيع لأن مكبر صوت آخر يضج بأغانٍ حماسية. بينما كان تلاميذ المدارس يرددون كلمة "عاش.. عاش"

لماذا لا أملك ستارة على النافذة تحجب عن عيني ضوء النهار المبهر بل اكتفيت بلصق ورق أبيض على الزجاج؟ أمي أعلنت أكثر من مرة أنها على استعداد لأن تخيط لي واحدة ولكنها طلبت مني أن أقيس أبعاد النافذة. وعدتها بأنني سأحضر شريط قياس، أي متراً ولكنني لم أجد من أستعير منه هذه الأداة التي تسحب الشريط بفعل نابض بعد الانتهاء من القياس. مرة، طلبت مني أمي أن أقيس أبعاد النافذة بخيط طويل ولكنني لم أفعل.

سوف أجر المكتبة يوماً فأسد بها النافذة لأرتاح من الضجيج والضوء.

شقة لمى أكثر سخونة من شقتي لأنها ليس فيها سوى نافذة واحدة تطل على الجهة الجنوبية أما سريرها فأعرض ولا يزقزق مثل سريري. أما الحمام فتقع بجانب المطبخ أي في الطرف الآخر من الشقة التي تحتوي على غرفتين، واحدة للنوم وهي ذات النافذة الوحيدة بينما الأخرى للمعيشة وتقوم مقام موزع واسع إلى غرفة النوم من جهة وإلى المطبخ والحمام من الجهة الأخرى. بينما شقتي فيها ثلاث غرف مستقلة، أنام في واحدة وأعمل في واحدة واستقبل ضيوفي من الأصدقاء في الثالثة. كل الغرف فيها نوافذ حتى المطبخ له باب إلى بلكونة صغيرة. شقتي يغمرها ضوء النهار وتلعب فيها تيارات الهواء ومع ذلك أشعر فيها بالحر وأتعرق بغزارة. أستيقظ وأنا أسبح بعرقي. يغمر الضوء الشقة وكذلك ضوضاء الشارع ومكبرات الصوت فعمارتنا تطل على شارعين فيهما عدة مساجد ومؤسسة عامة ومدرسة. وكلما اشتكيت لأمي من الحر والضجيج تقول لي إن شقتي تقع في منطقة ناطقة. لا أعلم لم تطلق على منطقتنا صفة النطق وأعتقد أنها تقصد أن المنطقة مرغوبة وعليها رِجْل أو انها ملتقى لعدة طرق. منطقتنا ليست ناطقة بل صارخة بسبب الضجيج الهائل الذي يملؤها ويخترقها ويخترق سمعي ويبدد هدوئي. شقة لمى أكثر هدوءاً بل إنها تعتبر ساكنة. بالكاد تسمع فيها أصوات خطوات الساكنين. شارعهم لا تمر فيه السيارات والمآذن بعيدة وسكان العمارة لا ينجبون الأطفال. حتى سريرها لا يزقزق. متعة. أما هنا فعلي أن أغلق النوافذ لأصد الضجيج فأحترق بلهيب الصيف الصحراوي.

تمنيت لو كانت لمى هنا لكنت طلبت منها أن ترطب المنشفة ثم تمسكها بإبهاميها وسبابتيها وتمررها على جسدي العاري. ولكنها ليست هنا بل في فرنها الخاص. عندما أنام في شقتها تحتار كيف ترطب جسدي. تراها تذهب الى الحمام كل فترة فتقف تحت الدوش ثم تعود دون أن تجفف نفسها. تلتصق بي لتنعشني وهي تبكي لأنني أشعر بالحر ولأنني لن أطيق شيئاً وخاصة المداعبة في تلك الحالة الجهنمية ولأنني سوف أرتدي ثيابي قبيل الفجر وأهرب.

نهضت في التاسعة إلا خمس دقائق. عندما نهضت خفت الضوضاء دون سبب مقنع. أعتقد أن الإنسان يشعر بالضجيج بشكل مضاعف وهو في وضع أفقي. لهذا السبب اعتدت على النهوض من الفراش فور استيقاظي. عندما أنهض يزداد   اهتمامي بأشياء البيت. أشاهد الفوضى، ثيابي الملقاة على الأرض، على السرير أو على المقعد. أنظر الى نفسي في مرآة خزانة الملابس. أذهب الى الحمام وأغلق الباب على نفسي فيتراجع الضجيج. الحمام هي أقل المناطق ضجيجاً في شقتي لأنها تشبه الصندوق المغلق. عندما يصل الضجيج الى مستواه الأعلى أهرب الى الحمام. في شقة لمى أشتهي سماع صوت تنفس أحد ما. في شقتي لا أسمع صوت تنفسي.

في الحمام أعمل جرداً لما فعلته في اليوم السابق. منذ مدة يصيبني الغم والاستياء من نفسي لأنني لا أفعل شيئاً. اليوم السابق كان مثل الذي قبله ومثل الذي قبل قبله ومثل الذي قبل شهور. لم أعد أعمل شيئاً. لم أعد أكتب ولم أعد اقرأ ولم أعد أفكر. فقدت منذ فترة متعة العمل. لهذا السبب تعكر مزاجي اليوم أيضاً وأنا في الحمام لأنني لم أفعل شيئاً في الأمس. كنت أحرص في الماضي على عمل أي شيء لأكتسب متعة الإنجاز في صباح اليوم التالي. متعة العمل تجر متعة الإنجاز. متعة تخلف متعة وهكذا. سلسلة يحركها فعل العمل. أما وقود هذا الفعل فليس لدي أي فكرة عنه لأنني فقدته في مكان ما وزمن ما ولا أعلم كيف أستعيده. ليست لدي إمكانية لاستعادته. الفعل أصبح من الماضي أما الحاضر فقد تحول الى حالة من الاكتئاب أو الاستياء من النفس تصيبني حالما أدخل الحمام. لو كان بيدي لظللت نائماً موفراً على نفسي جلسة المحاسبة اليومية هذه ولكن الضجيج القادم من الخارج يدفعني إلى الاستيقاظ.

الضجيج. من فعل ضج يضج القبيح. لم أجد في اللغة العربية فعلاً بهذا القبح. أفضّل عليه كلمة الصخب. أكتب هذا وكأنني أبحث عما يجعله حميمياً. سوف أستخدم الكلمتين معاً في قصتي، ثم علي أن أحدد معناه من خلال وصف حلم شاهدته مرةً. كنت في مسرح أرتدي بدلة سوداء وربطة عنق خمرية وكان العازفون قد احتلوا كراسيهم وراحوا يضبطون إيقاع آلاتهم الوترية. لم يكن قائد الاوركسترا قد دخل بعد فارتفعت أصوات ضبط الإيقاع. كل الآلات تصدر أصواتها دفعة واحدة بدون تنسيق أو لحن يجمعها. ضجيج عال وقبيح من آلات موسيقية لن تلبث بأوامر قائد الفرقة ان تصدح بأعذب الألحان. ولكن قائد الفرقة لن يدخل ويستمر الضجيج دون توقف و دون فترات فاصلة. اللحن هو الصوت بينما الضبط هو الضجيج وأحاول سد أذني بيدي حتى يكاد رأسي ينضغط من الجانبين. ظللت الليلة كلها أحلم بالضجيج وعندما استيقظت أخيراً كانت أذناي تؤلمانني ورأسي ثقيل بينما غرفتي غارقة في ضجيج الشارع.

خرجت من الحمام دون أن أحلق ذقني ودخلت المطبخ. شربت كوباً من الحليب البارد وأنا ألعق المربى من المطربان. نظرت إلى العمارة المقابلة لعمارتنا.  كانت النساء المحجبات يقفن على بلاكين بيوتهن أو على نوافذها وهن يتطلعن إلى الشارع بصمت. لم تبق امرأة أو طفل إلا وخرجت تنظر بكسل إلى الأسفل. اقتربت من باب البلكون بحذر وفتحته فصدمتني شدة الصخب. كنت ما أزال بسروالي الداخلي فلم أكن قد ارتديت ثيابي بعد. خرجت محتمياً بستارة البلكون وبيدي كوب الحليب الفارغ. نظرت إلى الأسفل جهة الشارعين اللذين يتقاطعان في زاوية عمارتنا فرأيت المشهد العجيب. كان الشارعان ممتلئين بالحشود وهي تتماوج  وتتدافع بينما المئات من صور الزعيم تتحرك كأمواج البحر فوق رؤوس الجماهير.

ارتديت ثيابي وخرجت من البيت. أردت الهرب من الحر والضجيج إلى الخارج، ولكن هذا الخارج كان الجحيم نفسه.

عندما وصلت إلى أسفل الدرج انكشف امام عيني المشهد كله، فقد كانت جموع الجماهير تغطي مدخل البناية وكان الصراخ على أشده، إذ كان يتسرب إلى ممر البناية فيتضخم بسبب الفراغ المحصور بين الجدران والسقف. وقفت على الدرجة الأولى مفكراً كيف بإمكاني دفع تلك الكتل المتراصة والمتدافعة والضاجة للخروج إلى الشارع. في الحقيقة فقد تملكني خوف مفاجئ يشبه الخوف الذي يتملك أحد السابحين بعد ان يصبح وجهاً لوجه امام سمكة كبيرة ومتوحشة.

كان في الممر بعض الشبان من حاملي صور الزعيم وقد أشعلوا السكائر وراحوا ينفثون الدخان من أفواه وقحة وقد استندوا إلى الجدران الباردة. كانوا، فيما يبدو، قد هربوا من الجموع رغبة منهم في الاستراحة في الفيء وتبريد بشراتهم. راحوا ينظرون إلي بسخرية فقد كانت وقفتي على الدرجة الأولى مثيرة للسخرية. اضطررت للتقدم وحين أصبحت قريباً منهم اندفع إلى الداخل سيل بشري كان أصحابه قد فقدوا توازنهم بسبب الضغط الهائل من الجمهور في الخارج وسقط البعض على الأرض. هذا الأمر لفت انتباه الشبان فتركوني وشأني فقد راحوا يهزأون من هؤلاء ولم يمض سوى بضع ثوان حتى اندفع رجلان من المنظمين الذين يرتدون الثياب ذات اللون الخاكي ويضعون على سواعدهم إشارات حمراء وراحوا يدفعون الناس إلى خارج البناية. كان الشبان قد استقاموا في وقفتهم مما جعل مهمة المنظمين أكثر سهولة فأمسكوا بهم وراحوا يدفعونهم إلى الخارج.

جرى كل شيء على بعد خطوة واحدة مني. نظر إلي أحد المنظمين بعينين حمراوين وكاد يمسكني ليشدني ومن ثم ليدفعني أمامه ولكنني مددت ذراعيّ أوقفه. لقد حسبني أحد هؤلاء الذين تسربوا من المسيرة. لم يبعد ذراعيه ولم يسحبهما بل وقف وكأنه قد تجمد، حتى أنه لم ينطق بما أراد الاستفسار عنه بل لاحظت تعابير وجهه تسألني فقلت له:

- هنا منزلي.

- هل تسكن هنا؟

- نعم.

- ولماذا لست في المسيرة؟

- أنا لست موظفاً ولست منتسباً الى أية نقابة.. إنني الكاتب فتحي شين.

هذه المعلومة جعلته أكثر عدوانية. قال بشراسة:

- البطاقة. أبرزت له البطاقة فراح يدقق فيها. كان زميله قد انتهى من إخراج جميع من كان في الممر فاقترب منا. أخذ منه البطاقة وراح يقرأ المعلومات عن شخصي بصمت. قال الأول بشراسته نفسها:

- خائن حقير، فقلت شكراً. أعاد إلي الثاني البطاقة وهو ينظر إلي كمن ينظر إلى قذارة ثم استدارا ورحلا، ومن أجل ان يخرجا راحا يدفعان الجموع بفظاظة. بلعت الإهانة ووقفت هادئاً وصامتاً. لاحظت أنني لم أعد أطيق الضجيج المتضخم فاقتربت من الجموع المتراصة والهادرة، وما إن خطوت خ