Print

علي الدميني: حادثة نهاد سيريس

حادثة " نهاد سيريس "

بقلم: علي الدميني، صحيفة الوطن السعودية

لا أدري كيف ستقودني الكتابة للحديث عن "نهاد سيريس" ، وعلاقتي بالجزء الأول من اسمه ، ولا كيف سيسعفني حيز الزاوية لمقاربة إبداعه السردي وخاصة رواية " حالة شغف" والتي منع توزيعها في سوريا ،ذات المناخ الثقافي والاجتماعي الأكثر انفتاحاً ، خاصة إذا تذكرنا أن رواية حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر" _التي أحدثت أزمة في مصر _ما زالت توزع في سوريا ويتولى المثقفون هناك الدفاع عنها عبر كل المنابر وتحت سقف من الحرية يغبطون عليه.

ورواية "حالة شغف " يمكن النظر إلى أسباب منعها عل أنها شكل من أشكال الحساسية الرقابية التي تنتقل عدواها من بلد إلى آخر كردة فعل يحتكم إلى متغيرات بروز أصوات التيارات الاجتماعية والسياسية المحافظة في لحظة معينة أو هدوئها ، وليس إلى الأطر الثقافية المهنية التي يمكن أن تحدد مرجعية هوية النص واختراقاته للسائد الاجتماعي .

وقد تعرفت على اسم الكاتب _على شبكة الانترنت في ملتقي الكتاب والصحفيين العرب الذي تشرف عليه الاستاذة "ناهدباشطح "- من خلال حديثه عن الرقابة المرادفة للسلطة التي يلجأ إليها الرقيب فيلبس ثياب العارف بكل شئ والمرجع المؤول لقراءة النص والجهة التنفيذية التي تزاوج بين حيازة مشروعية الحكم وامتلاك تنفيذه دون إعطاء الفرصة للكاتب للدفاع عن عمله أو للمختصين في حقل تلك الكتابة ممن يمكن الاستنارة بآرائهم في التفريق بين ما هو فني بحت وما هو استثارة مجانية للمبتذلات الجسدية الجنسية التي يروج لها الأدب الرخيص.

و خلال يوم واحد استطاع هذا الجهاز العجيب أن ينقل للروائي رغبتي في الاطلاع على رواياته وعلى موقعه على شبكة الانترنيت ، فشكرت صدفة اطلاعي على الموقع الذي قادني للدخول إلى عالم "نهاد سيريس" السردي و موقعه على الشبكة حيث أكملت قراءة الرواية على الشاشة مباشرة في ليلتين.

وقد توفرت لهذا العمل عناصر عديدة ساهمت في تكثيف درجات استمالته لقارئه وشدّه لإكمال القراءة دفعة واحدة، ولعل أبرزها الحبكة الروائية التي تنتمي لمناخ الرواية البوليسية، وعلى خصوصية الكشف عن عالم "الخوجات" أو "العوالم " بالمفهوم المصري ، وما يكتنفه من غموض و أحزان مطمورة تحت غلاف براق ، ومن علاقات مثلية قام الروائي بتوظيفها في سرديته لتبرير عقدة الراوي الشيخ نافع وابنه اسماعيل وتفسير هروبهما من حلب إلى بيت منعزل على أطراف الريف السوري .

وفي يقيني أن أي قارئ منصف لهذه الرواية لا يمكن إلا أن يقرأ التراجيدي في قلب غواية الجسدي المثلي وأن يضع يديه على حقيقة هذا التعالق الوجودي بين طرفي الظاهرة من جهة وبين الجهود البشرية الهائلة لبطلتي النص للتحرر من أسر ما يبدو لنا مغايراً لطبيعة البشر، وهو ما قامت به بديعة وابنتها وداد من بعدها حيث هربت الأولى إلى تركيا والثانية إلى مصر.

وحين أكملتُ قراءة الرواية قلت: يا عم نهاد عليك أن تحمد لهذا الرقيب اكتفاءه بمنع الرواية فقط دون جرك إلى السجون حتى لا تضطر لتغيير مواقفك وقناعاتك مثلما حدث للدكتورة عالية شعيب في الكويت التي كانت تنوي نشر دراسة عن " العلاقات المثلية" بين الطالبات الجامعيات ، ولكنها بعد السجن أضطرت لتغيير موقفها وموقعها وحتى ألوان حجابها !

في رواية "حالة شغف" تستولي عليك أسباب إكمال قراءة النص لأن كاتبه يعرف كيفية دفعك إلى الذروة التعبيرية بمهارة تجيد استخدام تقنية الخطاب الروائي بالمزاوجة بين كلاسيكية رسم الشخصيات وملامح الأمكنة التي تكاد تشم روائحها من قلب حلب القديمة ، وبين حداثة تداخل الأزمنة واستخدام الوقائع التاريخية كخلفية بعيدة لها شفافية الحضور ، ثم بالاحتفاء باليومي ، وتجريب مهارات السرد من نهاية السردية ، والعمل على نسج شبكة العلاقات المتقاطعة بين أبطال الحكاية بطريقة تغالب افتعالها إلى نسج عفويتها ، مع الاحتفاظ بمفاتيح الغموض الذي يكتنف شفرات النص فلا يتم فكّها إلا في خاتمة الرواية.

لا ينبثق عنصر الإبهار والجذب في الرواية من الحديث عن المسكوت عنه في المادة الخام المستقاة من مناخ العلاقات المثلية المعروفة في حياة "العوالم" ولكنه ينهض من تقنية الخطاب الذي اشتغل علىالمادة الحكائية التي تغدو ضرورة موضوع فني للكشف عن سر ساكن البيت وخادمه .وقد استطاعت فتنة السرد أن تصنع من البطل الرئيسي في النص_ الرجل المسن "نافع"– وهو يقص حكايته على الراوي – أنموذجاً موازياً لشهرزاد ، ولكن بشكل عكسي ؛ إذ من المعروف أن شهرزاد كانت تحكي لكي تؤجل موتها ، أما " نافع" الذي عانى من حبس السر طويلاً فقد كان يحتاج للحكي لكي يموت بعد تخلصه من ذلك السر.

وباعتقادي أن مغامرات "إسماعيل" إبن الشيخ نافع _ لتهديد الراوي بالقتل لكيلا يكتب الحكاية السرية ، وكذلك ما تواتر من دلالات الموت في هذه الرواية للبطلة الأولى "بديعة" التي هربت من بيت العوالم القاسي لتلحق بحبيبها إلىتركيا، وللبطلة الثانية "وداد " التي عشقت الشيخ نافع في صباه ، ولموقف نافع نفسه الذي اضمر إصراره على البوح طويلاً ما يجعل من الرواية شاهداً فنياً معمّقاً على انتصار العلاقات السويّة بين الرجل والمرأة على تلك التي تنشأ في ظلام التشوهات الخلقية والنفسية المغايرة للطبيعة البشرية مهما تباينت درجات توصيفها أو تحديد مسبباتها .

حقاً كان اسم "نهاد سيريس" مصادفة ممتعة الاكتشاف إذا ما تجاوزت ما حركه الاسم في ذاكرتي الشخصية من أريج الصبا وأطياف العنف العاطفي الذي كان على صباي الغض أن يحمل تباريحه زمناً ليس بالقصير ، لأصل إلى مفاجأة أخرى حيث كنت أقلب أركان مكتبتي بالصدفة فوجدت رواية" السرطان" لنفس الروائي فسألت من جعلها الله مصباحاً لذاكرتي عن من أحضر هذه الرواية حيث لم أرها من قبل !

قالت ألا تذكر وأنت في معرض القاهرة للكتاب قبل عدة أعوام أن طلبت منك حسب توصية عبد العزيز مشري أن تحضرها من المعرض لأنها تتحدث عن تجربة مريض بالسرطان يواجه أيامه الأخيرة ، وقد نبهه إليها الروائي صنع الله إبراهيم وشجّعه علىالكتابة عن مرضه في سردياته لأنها تجارب متفردة ولا يمكن تخييلها مهما أوتي المؤلف من براعةّ ، واعتقد أن كاتبها قد توفي مصاباً بالسرطان.

لم أجب وإنما فتحت صفحات الرواية لأكمل قراءتها في ليلة واحدة .. ولأكتشف أنها طبعت ثلاث مرات ، فأدنت متابعتي ومددت الإدانة لتشمل النقاد الذين لا يكتبون إلا عن الاسماء المكرّسة دائماً ، ورأيت أن هذا الروائي والمسرحي وكاتب المسلسسلات التلفزيوينة ، وكاتب القصص القصيرة حري بمتعة القراءة ومتعة النقد معاً ، وقلت لفوزية أن الرجل مازال حياً ويبدع بشكل جميل ومتميز.

This e-mail address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it