Print

حلقة بحث ضمت نخبة من رجال الفكر والأدب والفن في ندوة (الأنباء) بدمشق - 3

· الكاتب نهاد سيريس: العمل الذي رأيناه روائي ولكن طابعه الواقعية التاريخية. بمعنى أنه يأخذ التاريخ كوثيقة ويبني الواقع الملائم لهذا التاريخ. وللعمل ثلاثة مستويات، الثلاثة مربوطة بشبكة علاقات شاقولية. بمعنى أنَّ الشخصية قد تلعب عدة أدوار وتنتقل بين المستويات. وأنا لم أعطِ رأياً في الوحدة، وإنما أظهرت وجهات نظر الفئات السياسية والاجتماعية. وإذا كنت ملت قليلاً نحو الرأي الليبرالي الديمقراطي الذي يمثله مراد (جمال سليمان) القادم من أوروبا والذي يتحدث عن الجديد وعن الصناعة وكأنه ينظم الشعر. كان يمكن رصد فئات أخرى في حلب لكن الحيز الجغرافي ووحدة الموضوع (المكان والزمان) فرضا علي أخذ فئة واحدة هي الفئة المتوسطة التي دخل عليها الجديد المتمثل بمراد. ولذلك ظهرت أحيانا أشياء عاطفية من أجل تقديم وجهات نظر التقليديين من الأبوية إلى المرأة إلى الصناعة إلى السياسة والوطنية. وحاولت تقديم وجهات النظر المختلفة والمتصارعة. بالنسبة لأحمد (بسام كوسا) في العمل، هذه الشخصية كانت تختزل حركة سياسية كاملة. وكان شاباً. لأن ذلك برأيي كان متفقاً مع طبيعة وحركة الشباب في تلك المرحلة. وفعلاً كانت الحركة الوطنية صادقة في منطلقاتها. حماسية وشعاراتية. لكنها لم تكن سيئة. ولذلك قدمت أحمد بحب شديد. وما وصلت إله الحلقة الأخيرة في العمل وهي الأكثر إشكالية كما نابعة من طبيعة هذه الشخصية التي كانت أمينة لنفسها في موقفها من حليفها القديم. التيارات تناست خلافاتها الصغيرة حول الوحدة. وبعد ذلك ظهرت التناقضات على السطح. القوميون المتحمسون أرادوها وحدة على أي صورة. أما الآخرون فكانوا أكثر عقلانية. وكان همهم بناء الوطن والحفاظ على الجمهورية السورية ككيان سياسي وجغرافي. وهذا موجود في التاريخ ونقلته بأمانة. وقد أشار الدكتور صادق جلال العظم إلى كتاب باتريك سيل (الصراع على سوريا) وفي هذا الكتاب تظهر فيه الحقيقة بوضوح. أقصد خلافات القوميين مع الوطنيين الليبراليين الذين يمثلهم في الواقع خالد العظم نائب رئيس وزراء سوريا في ذلك الوقت. والذي أشرنا إليه عدة مرات في المسلسل. وهذه الشخصية نكن لها الاحترام الكبير، وكان خسارة أن نفقد الليبرالية المحلية التي كان لها مشروع متكامل اقتصادي وسياسي واجتماعي.

حول بعض الأسئلة التي طرحت في الندوة بالنسبة للشيوعيين ولماذا لم يتواجدوا في العمل. لأنني لم أعثر عليهم بين شرائح الفئة التي قدمتها. وإن كانوا موجودين على مستوى الوطن بأفكارهم التي حملها مراد (جمال سليمان) وأمه.

بالنسبة لسؤال ممدوح عدوان حول عدم استثمار شخصية نعيم ومقيم، ردي أني استثمرت هاتين الشخصيتين بقوة. كان على مراد أن يدخل خان الحرير كإنسان جديد وإلا ترنح العمل. وأنا مهدت في الحلقة الأولى لهذا الدخول: موت (أبي نعيم)، الخلاف بين الولدين، وفي الوقت ذاته بحث مراد عن ممول لبنائه مصنعه، التأزم بين الناحيتين مهد لهذا اللقاء. ولا ننسى أنَّ أبا نعيم ومقيم يمثل الحزب الوطني وكان يحدث كمال (سليم صبري) ويذكره بأيام النضال المشترك ضد الفرنسيين لكن الأمور تغيرت. وكان علي أن أقود محوراً من خمس حلقات لإيصال مراد إلى الخان حاملاً الجديد بكل آرائه. ومن هنا كانت التهم توجه إليه (كل الحق على أبو برنيطة) وأصاب المخرج الأستاذ هيثم حقي بإشارة فنية ذكية عندما وضع البرنيطة في مواجهة الطربوش. كمال كان مستعداً لمصالحة الجميع لكن هذا (أبو برنيطة) مستحيل. وبالفعل أجهض هذا المستقبل الرائع الذي كان من الممكن أن يقدم شيئاً لوطننا.

· المخرج هيثم حقي: أنا سعيد جداً لما سمعته من آراء حول (خان الحرير).. مشروعي الأساسي بعد العودة من الدراسة في الخارج كان العمل في السينما مع مجموعة الشباب السينمائيين. لكن التجربة السينمائية في التلفزيون السوري أجهضت بشكل ما. عملت فيلماً طويلاً توقف بعد إنتاجه. أنا كنت أحب التلفزيون وعملت وقتها مسلسلاً اسمه (الوسيط) فأثار ضجة كبيرة. ولفت انتباهي تفاعل الناس مع هذا العمل. حينئذٍ اعتبرت أنَّ هذه الوسيلة هي التي أبحث عنها. وعندما اشتغلت فيها لم أخرج عن نطاق مهنتي. وطبعاً حافظت على الفكر والمبدأ الذي استند إليه رغم علمي بالمحظورات الكبيرة في التلفزيون. صحيح أنَّ هامش الحرية في التلفزيون ضيق لكن التعويض يأتي من تجاوب الناس الكبير. فبدأت أشتغل. وعشت حالة صراع حقيقية مع الأصدقاء السينمائيين الذين كانوا يرون أنَّ العمل في التلفزيون يخضع للرقابات الأكثر تشدداً في الوطن العربي. وهذا صحيح، فنحن نعمل ضمن ظروف رقابية مأساوية جداً. وكنت دائماً أشعر بأنني أقدم تنازلاً فنياً. فأنا كسينمائي بالأصل وأرغب العمل بلغة سينمائية أعرف أنَّ الذي أشتغله في التلفزيون ليس صحيحاً تماماً. لكن بالمقابل شعرت بتجاوب الجماهير بسبب اتساع انتشار التلفزيون خاصةً عندما قدمت (عز الدين القسَّام) و(حرب السنوات الأربع) و(دائرة النار) إلى أن وصلت إلى (هجرة القلوب إلى القلوب) ثمَّ (خان الحرير).

الإنتاج السوري في الأصل إنتاج جدي وجريء. لكن عندما دخلت مشكلة التسويق العربي صار المطلوب أن نقدم أعمالاً على القياس الخليجي. لذلك حدث تراجع على مستوى الأفكار ومستوى التنفيذ الفني.

مجيء نجدة أنزور إلى سوريا أدخل الصراع حول الشكل. وأنا أعتقد أنَّ هذا الصراع كان موجوداً في السابق. وأنا خضته في الكويت على سبيل المثال مع المخرج عدنان إبراهيم.وبرأيي كل موضوع له شكل فني وتحديد هذا الشكل هو مفتاح العمل. أنَّ استخدام كافة وسائل التعبير بالقدر الذي يتاح لي وأول هذه الوسائل الممثل. مسألة اللغة الفنية اعتبرها مشروعي ومشروع جيل كامل من السينمائيين في سوريا أرادوا استخدام الوسائل السمعية البصرية وأرادوا أن ينقلوا أفكاراً وأحاسيس وقيماً كي يتواصلوا من خلالها مع الجمهور. وأنا سعيد أننا خطونا خطوة بهذا الاتجاه.

· الفنان بسام كوسا: تمنيت لو أنَّ الزملاء الفنانين الذين قدموا (خان الحرير) متواجدون في هذه الندوة ليعيشوا لحظات التفاعل مع الناس التي عشتها. أعتبر هذا العمل تجربة مهمة جداً لي لعدة أسباب. أولها أنَّ النص مهم للغاية ومتماسك وعندما قرأناه أحببناه. وهذا شرط ضروري للعمل. ومن الصعب أن يتوافر دائماً. ثانياً: كان فرصة للعمل مع مخرج مثقف لا يستعبد الممثلين ولا يستخدمهم كبيادق بل يبني معهم حواراً حياتياً وفلسفياً ليصلوا معاً إلى نتيجة مهمة للعمل. المخرج هيثم حقي يخلق التفاعل الحميم مع الممثل للوصول إلى المقولة النهائية للعمل. فالممثل جزء أساسي من العمل كما المخرج وكما السيناريو لأنَّ غياب أحد هذه العناصر يفقد العمل ركيزة مهمة من ركائزه.

· حميد مرعي _ مشرف الإنتاج: أنا ليس عندي فلوس. مجرد موظف يسمونني مديراً. مسألة الإنتاج أبعد من (خان الحرير) وأبعد من التلفزيون نفسه. إنها مسألة ذات شجون. ولكن الشيء المهم أنَّ الإنسان الذي يقدم عملاً جيداً يلاقي صدى طيباً. ما تزرعه تحصده. وهذا الصدى الطيب الذي لاقاه (خان الحرير) رغم تواضع تكاليف الإنتاج يعطينا الأمل بأنَّ الذي يجتهد ويكون أميناً على عمله يجد الأجر الوفير في تقدير الناس لعمله.. المنتج بصورة عامة وضعه صعب والأخوة الذين عملوا في (خان الحرير) يدركون أنَّ العمل سيواجه كل الرقابات العربية الموقرة. ورغم ذلك فهناك قناعة بأهمية العمل. ولكن يرافق الإنتاج هاجس كبير بأن ترفضه نصف المحطات العربية على الأقل. مع ذلك فإنَّ (خان الحرير) أخذته غالبية المحطات العربية وهذا عامل مشجع.

جريدة الأنباء الكويتية العدد 7134 _ الثلاثاء 26 آذار 1996 - نظم الندوة وقام بتسجيلها عصام أباظة