Print

حلقة بحث ضمت نخبة من رجال الفكر والأدب والفن في ندوة (الأنباء) بدمشق - 2

والسؤال هنا لماذا أحبَّ الناس مسلسل (خان الحرير) ؟

بعيداً عن مناقشة السوية الفنية، أعتقد نحن في مرحلة يتغير فيها التاريخ بسرعة شديدة. التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وهذا يجعلنا نشعر بالخوف لأننا مقبلون على مجهول ليس لنا فيه قدم ثابتة. لذلك هناك حنين إلى الماضي وتشبث بالذاكرة أو ببقية قيمنا التي نحس أنها مهددة بالانقراض.. هذا العمل يقول للمشاهد انتبه نحن كنا على هذه الصورة الإيجابية التي تحمل قيمها النضالية والإنسانية بعجرها وبجرها ومع ذلك كنا حلوين. هذا هو نبض الشارع في الخمسينات الذي يمثله اندفاع أحمد وخفر سعاد، طيبة الشيخ علي والحماس الوطني عند تأميم قناة السويس ووحدة ما يغلبها غلاب .. الخ. فعلاً هذه هي صورتنا الحقيقية التي كنا عليها. في العدوان الثلاثي على مصر، على نصرة الثورة الجزائرية، ومساندة كفاح الشعب العربي للتحرر. كنا نتحسس نبض الشارع العربي والعالمي. والآن تتبدل الصورة هنا وفي مصر والجزائر وفي كل أرض عربية وفي العالم مع ذلك لا شيء يتحرك فينا (مثل بعضها) إذن فهناك إحساس بأننا نفقد أجمل ما فينا ونحاول التشبث به من خلال الذاكرة كنوع من التعويض.

ومسلسل (خان الحرير) أضاف لنا وقدم البيئة الحلبية بعد أن كانت كل الأعمال تنحصر في دمشق تقريباً. وكان المشاهد يتساءل دائماً هل دمشق هي سوريا كلها؟ وعندما نتجاوز دمشق ونذهب إلى القرية والفلاح. وبالطبع سوريا أكبر من هذا وذاك، فقدم لنا (خان الحرير) مدينة حلب وبيئتها. هذه النكهة وهذه الخصوصية أضافت أهمية للعمل. اكتشفنا حلب التاريخ والواقع الاقتصادي الذي يمثلنا جميعاً. وإنجازات الكاتب نهاد سيريس بالمعنى الدرامي تظهر من خلال قدرته على جعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي متشابكين في نسيج واحد. كل يتصل في الآخر ويؤثر فيه، وهذا النسيج كان موفقاً ومتقناً والناس بلغ حماسهم لهذا العمل حداً جعلهم يتواطؤون مع الكاتب ويقبلون حلولاً سياسية واقتصادية وفكرية مجردة. ومن جماليات العمل أنَّ الشخصيات ليس لها نمط ثابت كل شخصية متطورة. ولكن هناك ملاحظة تتعلق فيما أسميه (الإشباع الدرامي) فأنا عندما أكون على خلاف مع فلان من الناس ثمَّ أقرر مصالحته لا أتخذ قراراً فورياً بالمصالحة لكنني أمهد لها. وهذه الحالة يجب أن يعيشها المتلقي ليكون مقتنعاً بمبررات المصالحة وهذا ما أسميه الإشباع.. القوميون تصالحوا مع الإخوان المسلمين. والبرجوازية تصالحت مع الوطنيين. واستساغ الجمهور تخريجات الكاتب والمخرج. وهناك أشياء طرحت في العمل الدرامي ولم تستثمر فصار الشيء المطروح مجانياً. وعندما نرفع الغطاء السياسي عن هذا العمل والذي هو أحد أسباب نجاحه (هذه عملية تعسفية) ولكني مضطر بالنقد أن أقول إذا جرَّدت فلاناً من المفهوم الطبقي السياسي هل تبقى شخصيته الدرامية حية أم لا؟ وإذا طبقنا ذلك على مسلسل (خان الحرير) أعتقد أنه ينجح بنسبة 80% وتبقى نسبة 20% [فلو].

· المخرج السينمائي محمد ملص: منذ فترة انتابني شعور بأنَّ الاستقبال أو التلقي سواء للعمل الفني أو الأدبي يعاني مشكلة. أو أنَّ المتلقي يعبر عن طريقة في استقبال العمل لا تشبه تماماً الطريقة التي نقصدها. وفي جلسة مع هيثم حقي كاد الواحد منا أن يستنتج بأنَّ المشكلة تستشري داخل المجتمع كله. وكأنَّ المتفرج أصبح يميل إلى سماع نفسه فقط ولا يسمع الآخر. صحيح أنَّه يشاهد التلفزيون ويتابع الأعمال التي تقدم. لكنه في وادٍ وما يراه في وادٍ آخر.. لذلك أرغب في توجيه إشارة تنبيه لأنفسنا. لأنَّه يخيل لي رغم جموح العمل في (خان الحرير) إلى التغاضي عن صراع الشخصيات بالمعنى الحياتي إلى صراع الأفكار، إلا أنه نجح في إثارة الأجوبة الحقيقية لقضايا حقيقية وأعاد الجدل حول الذات أو الماضي. ويبدو أنَّ هذه الطريقة في الاستقبال مؤشر مهم، سواء من خلال هذه الندوة أو فيما ألحظه من رغبة الجميع بالإدلاء بشهاداتهم لجعل هذا العمل لا يمر كما مرَّ الكثير من الأعمال.. صحيح هناك شيء آخر ربما أكثر من الحنين. ربما له علاقة بالحالة الوجدانية الحاضرة للمتفرج. هذه الحالة لا تشبه الحالة التي تقدمها المسلسلات الدرامية. فقد اتضح أنَّ المسلسل شكل أيضاً حالة اهتمام عالية عند جمهور لم يعاصر أحداثه. هناك شيء آخر يحتاج إلى استقصاء ودراسات تساعدنا على اكتشاف حقائق العمل.

· المخرج نبيل المالح: هيثم حقي كان ديمقراطياً مع شخصيات عمله. لم يتخذ منهم مواقف مسبقة وجعلهم يعيشون حياتهم بحرية وبنى معهم علاقة حب حميمة. وحتى شخصياته السلبية كان ديمقراطياً معها دون أن يدري. فكان نقياً وصادقاً مع الشخصيات وهذا يستحق عليه التحية.. وثمة شيء آخر ينبغي أن نلاحظه يتعلق بمنهج المخرج. فهو يحتاج إلى مفتاح أسلوبي يبدأ فيه العمل. والمخرج لا يقدم حكاية وليس حكواتياً. المخرج السخيف هو الحكواتي. هناك شيء آخر هو (ضمير) العمل. وهذا يحتاج إلى معادلات تتعلق بزاوية الكاميرا ومساحة الرؤية وطبيعة الحركة.. إلخ. شخصياً أحتاج أحيانا لأكثر من عام حتى أجد مفتاحي الأسلوبي.. من جانب آخر كان الحس الديمقراطي عند كاتب النص نهاد سيريس يمتد باتجاه المخرج هيثم حقي فيتكامل معه في سياق واحد لمنهج تعبيري متطابق مع الإحساس ومع مقولة العمل. هيثم حقي مثَّل حس العمل المفتوح للحياة من خلال زاوية كاميرته وانتقائه للقطات والإضاءة وحركة الشخوص وهذه بعض أسباب النجاح.

· عفيف اسعيد: الكاتب نهاد سيريس نجح في إشاعة حالة عامة من التعاطف مع العمل المتميز الذي قدمه فأعطانا صورة حية لمجتمع الخمسينات بكل سياقاته الفكرية والاقتصادية والاجتماعية. واحترام عقل المشاهد حين التزام الموضوعية والتحليل العلمي في طرح مقولة العمل التي امتازت إلى جانب ذلك بالشفافية الأدبية والرؤية الرصينة، فاستحق منا جميعاً هذا التقدير والاحترام. أما المخرج هيثم حقي فقد كان مبدعاً كعادته. ولعله تفوق على نفسه في هذا العمل. واستطاع النفاذ إلى قلوبنا وعقولنا من خلال أسلوبه في التعامل مع النص وذكائه في اختيار الممثلين وأخيراً تقديم العمل على صورة لا تتعالى على المشاهد بل تجعله مساهماً وشريكاً في مسؤولية الارتقاء بالفن الدرامي. وهذا التفاعل الجميل بين الناس وبين العمل الذي قدمه نهاد سيريس وهيثم حقي يمثل درجة من العلاقة الجدلية بين الفن النظيف والوعي الاجتماعي ويقدم مساهمة جادة في تأسيس نهضة فنية شاملة ويحفز الاستثمار على الدخول في ميدان الإنتاج التلفزيوني. أخيراً فإنَّ هذا لحضور المتميز من المفكرين والنقاد والمهتمين في ندوة (أنباء) علامة مبشرة على مستوى التفاعل بين الفن والإبداع وبين قضايا الناس وهمومهم.

· د. هاني عبيد: في شهر رمضان عملين حازا على أكبر قدر من الاهتمام والمتابعة. وإذا كان مسلسل (خان الحرير) قد استحق بجدارة هذه الحفاوة من مختلف الأوساط تقديراً للسوية الفنية الرفيعة التي ظهر فيها والأمانة التي تعامل فيها مع أحداث التاريخ، فإنَّ مسلسل (أخوة التراب) أثار ضجة من نوع آخر لأنه افتقر إلى الأمانة في سرد أحداث التاريخ الذي نعرفه جيداً. وهنا تكمن خطورة الاجتهاد الشخصي في الاختزال والتعسف في الاختيار والانتقائية على حساب الحقائق. فقد قدم كاتب النص تاريخاً يحجب ما قبله من تاريخ ويستهين بعقول الناس. (أخوة التراب) عمل تجرأ وزور التاريخ وحاول أن يهيل التراب على أبطال صنعوا مجد التاريخ وتحفظهم الذاكرة الوطنية بكل إجلال.

· شوقي بغدادي: مسلسل (خان الحرير) علامة مميزة في تاريخ الدراما التلفزيونية السورية ويمثل مفصلاً في حركة الإنتاج. بحيث يمكن القول أنَّ هذا العمل سوف يصبح معياراً لقياس جودة الأعمال الفنية. وبعد مرور أعوام سيغدو (خان الحرير) نقطة ارتكاز في مسيرة التلفزيون السوري، فيقال بعد خان الحرير أو قبله. وهذا العمل أهميته ليست فقط في المضمون الذي قدمه كمرحلة تاريخية مهمة، لأنَّ أي مرحلة تصبح مهمة من خلال المعالجة التي ترتفع بالعمل أو تنحدر به. إنما الأهمية البالغة نلمسها في تكاملية الرؤية بين الكاتب والمخرج ووعيهما العميق بدلالة الأحداث والتحولات الاجتماعية في تلك المرحلة وقدرتهما الفائقة على بناء نسيج الدراما من خيوط الشفافية والإبداع. وعلى المستوى الفني، طريقة المخرج في استخدام الكاميرا يمكن أن تقتل العمل أو تحييه، ويمكن أن يقنعك باللقطة أو أن يصدمك فيها.. نفس العمل الذي قدمه لنا هيثم حقي بهذه الحرفية العالية والواعية لو أعطيناه لمخرج (أخوة التراب) نجدة أنزور، مع احترامي لموهبته، سوف يسقط. لأنَّ موهبة أنزور فجة وغير ناضجة وتفتقر إلى الثقافة بقدر ما تعتمد على البهلواني وعرضا لعضلات. وأعتقد أنَّ المقارنة بين هيثم حقي ونجدة أنزور غير واردة.

· ريم حنا: أهم شيء في شخصية هيثم حقي أنه غير أناني. يستثمر لقطة الكاميرا لصالح الحدث الدرامي ونجومية الممثل. وهذه ميزة خيرة للمخرج عندما يعرف كيف يحرك الكاميرا ويختار نجوم العمل. تحمست كثيراً لخان الحرير كأنه عمل يخصني شخصياً. والسبب باعتقادي أنه ينتصر للتيار الدرامي الذي يمس وجدان الناس من الداخل. ومن حسن حظ نهاد سيريس أنه التقى حقي ليقدما هذا النموذج الراقي في العمل.

· علي الكردي: التفريق بين عملين قدما في نفس الفترة لهيثم حقي ونجدة أنزور أرى أنه تصح المقارنة بين نهجين مختلفين. في (أخوة التراب) عند نجدة أنزور هناك عمل بصري وجماليات لكنه غير موظف درامياً. خط الدراما في جهة وحركة الكاميرا في جهة أخرى. غياب الترابط وغياب الجدل بين النص والكاميرا بين الحدث والصراع وعدم تنظيم هذه المسائل ضمن رؤية عامة شاملة أفقدت أنزور العمق. بينما وجدنا عند هيثم حقي كل شيء متناغماً ومدروساً. واللقطة البصرية موظفة لخدمة الدراما والصعود بها إلى مرتبة الوعي بحيثياتها وتفصيلها الدقيقة وهنا يتجلى العمق في تجربة هيثم حقي.

· المخرج محمد ملص: يبدو من كثرة المصابين بالحول أو العور أصبح من حق صاحب العينين أن يتلقى تحية إعجاب. مع أنه في حقيقة الأمر من يملك عينين فهو مجرد إنسان طبيعي.. مع ذلك فالمقارنة بتقديري تتم من خلال عنصرين: العنصر الأول هو وجود إحساس للمخرج موجود أصلاً في وجدان الناس وليس فقط في إطار الائتمان التاريخي الضروري لعمله وشكل الطريقة التي يشتغل فيها أو بالمشاعر التي يريد نقلها للمتفرج الذي أول ما يلتقطه هو إحساس صانع العمل بعمله. فإما أن يحب المتفرج هذا العمل أو لا يحبه. العنصر الثاني للمقارنة: أن الشكل هو مضمون. والمقصود بالشكل هنا هو المفتاح الذي تحدث عنه نبيل المالح. المخرج عندما يجسد النص يحتاج إلى وقت طويل ليلتقط المفتاح. وهذا المفتاح له علاقة بالإحساس وبالحب والكره والموقف الفكري والإيديولوجي. لكن مجرد ألا يبحث مخرج ما عن هذا المفتاح أو يعتمد حلاً ليس له علاقة بالنص والشخصيات، وقد يكون هذا الحل نشأ عن عدم قراءة المخرج للنص، فإنه يشي بطريقة مختلفة. وهناك ناس يريدون عمل شيء ما بغض النظر عن النص الذي بين أيديهم اعتماداً على ما داخلهم من طاقات ورغبات عميقة مكبوتة. برأيي أنه بالإضافة للأمانة التاريخية يجب أن يكون هناك وفاء للنص والتزام الحلول الإخراجية به. وهي تبدأ من كيف يرى العمل، وإلى كيف سيعرضه ومن أي زاوية.. اللقطات التي سميت بهلوانية قد تكون لقطة مهمة للغاية لأنها تعكس موقف المخرج. ولكن عندما تصبح موضع سخرية فلأنها تكون مجانية وليس لها علاقة بما تريد أن تقوله. عندما تكون هناك علاقة واعية بلغة العمل وبدرجة ارتفاع الصوت ومحتوى الكلام الذي نقوله. معنى ذلك أننا نقدم عملاً منسجماً. وإلا فستصبح الحلول المهمة عبثية لأنها تكون مجانية.

· ممدوح عدوان: هناك مشكلة متكررة حدثت في الشعر والمسرح والسينما والرواية والآن تنتقل إلى التلفزيون وهي (الشكلانية) وعلاقة الشكل بالمضمون. وهذه أبجديات ولكنها في كل مرة تطرح وكأنها تطرح لأول مرة.

هناك مخرجون في أذهانهم أشكال مسبقة ويريدون نصاً يتطابق مع هذه الأشكال. لذلك يقال بوجود أزمة نصوص. والشكل الذي قد يكون جميلاً إذا لم يكن مناسباً لمضمون النص يصبح مثل إقحام الطربوش على التنورة كلاهما في غير مكانه الصحيح. هيثم حقي تثقف بالمرحلة التي قدمها وقرأ عنها وتعارك مع النص ليجد الحلول منه. ولم يفرض حلوله المسبقة على النص. ويقال توزيع الأدوار نصف الإخراج. وقد نجح هيثم في توزيع الأدوار على الشخصيات. ولمسنا ديمقراطية تشبع العين حتى في تقديم الكومبارس. وفي بعض المسلسلات المخرج يكون مشغولاً بحلوله الشكلانية الطاغية تضعف النص وتبعده عن جوهره. تماماً مثل الشعر ابتعد عن الوجدانية وصار المسرح أسير إشكالية التجريب، وحدثت فجوة بين المسرح وجمهوره بسبب الشكلانية.

الآن يأتي التلفزيون. وهذه التجربة الشكلية لا تحترم الدراما ولا الأشخاص ولا العمل الأدبي وبالتالي لا تخدم المتفرج. الشكلانية لها إبهار وجاذبية. والشكلانيون ربما ظنوا أنَّ ذلك حداثة كصاحب الكلمات الشعرية الغريبة وغير المفهومة وغير المترابطة. كل مشارك في العمل هو جزء من العمل وليس كل العمل. وهذا هو جوهر الديمقراطية. أراد أن يقول أنا وهذه المجموعة من المؤلف إلى آخر كومبارس قدمنا لكم هذا العمل. والمخرج الجيد مثل النحات الممتاز التي لا تظهر من منحوته ضربة إزميل. وبالتالي الإخراج الجيد هو الذي لا أرى فيه المخرج كل لحظة يمد لنا رأسه ليقول ها أنا ذا.