Print

حلقة بحث ضمت نخبة من رجال الفكر والأدب والفن في ندوة (الأنباء) بدمشق - 1

· بشرى كنفاني (مديرة الإعلام في الخارجية): لست ناقدة فنية. ولكني كمشاهدة أتحسس واقعي، فقد شدني مسلسل (خان الحرير) أكثر مما شدني أي مسلسل سوري آخر منذ سنوات. كنت أنتظر موعد عرض المسلسل بشغف لأرى قطعة من حياتي وحياة الآخرين. وجميل جداً أن نعيش مرة أخرى هذه الأحداث المهمة. وهي كذلك حتى لمن لم يعش تلك المرحلة ليعرف كيف كنا وكيف صرنا. ولذلك فإنَّ المسلسل قدَّم خدمة وطنية جليلة كموضوع.

النص تعامل مع الأحداث بموضوعية شديدة، وعندما قدم شخصية أحمد رمز التيار الوحدوي، رأيت فيه ما رآه جيل الخمسينات، الفورة العاطفية والانفعالية وسرعة الجري وراء المؤتمرات (الوحدة بأي شكل). أيضاً رأينا التيار الوحدوي سواء كان مستقلاً أم ملتزماً يتأثر بالبرجوازية عندما تدخل صفوفه فتحرفه. ولا أستغرب كيف أنَّ أحمد سار في ركاب كمال الذي يمثل البرجوازية الصناعية لأنَّ هذا ما كان يحدث بالفعل. والذين قاموا بالانفصال كانوا من جماعة كمال وأمثاله. بينما شخصية مراد الليبرالية المتفتحة مثلت العقلانية. والنص أراد أن يقول لنا بوضوح أنَّ التيار العقلاني كان على حق في موضوعية الوحدة. أما التيار العاطفي فقد كان على خطأ بدليل أنَّ الوحدة لم تستمر. وهذا بتقديري شيء على درجة من الأهمية عندما نرى التلفزيون السوري بدأ يعرض للآراء الناقدة للتيار الوحدوي في تلك الفترة. ومعنى ذلك أننا نعبر إلى مرحلة إعادة النظر في نظرتنا للأشياء دون تقديس ما جعلناه من المسلمات. وهذا يعني الانفتاح على الواقع بموضوعية.

· عماد عبد الوهاب (فنان تشكيلي): مسلسل (خان الحرير) عالج مرحلة زمنية تكاد تكون من أجمل الفترات في التاريخ السوري المعاصر. وليس معنى ذلك أنَّ الجمالية الكامنة في زمن المسلسل هي التي أعطته كل هذا النجاح. لأنَّه كان يمكن أن يعالج هذه المرحلة بالذات بطريقة أخرى فلا ينجح.. لكن الفترة التاريخية بزخمها الاجتماعي والسياسي أعطت المسلسل أهمية خاصة رأينا التشابك بين الهم الوطني الداخلي وبين الهم القومي العام. وهذا مستوى آخر أعطى العمل بعداً مهماً. أما على مستوى النص السياسي فإنَّ أي عمل إبداعي يحمل وجهات نظر. وكل انسان يمكن أن يستخلص منه نتائج مختلفة عندما يقرأ ما بين السطور. وما قالته السيدة بشرى كنفاني يتقاطع كثيراً مع رأيي لجهة النهاية التي انتهى إليها (أحمد) والعزل الذي جرى (لمراد). فقد كان منطقياً أن يحدث ذلك في سياق الأحداث. ولو أخذنا بالمنطق العاطفي ربما قلنا ليتهم عقدوا صلحاً يجمعهم. لكن في الصراع هناك منطق وفرز يجب أن يحدثا.

في المسلسل ثلاثة مستويات: التيار القومي(الشعارات) يمثله أحمد بعاطفية انفعالية: يا فلسطين جينالك، وبدنا الوحدة باكر باكر، هذا التيار يريد الوحدة بأي ثمن.

وهناك تيار البرجوازية الصغيرة أو الكبيرة وهو أيضاً يريد الوحدة، ولكن لأسباب انتهازية تحقق مصالحه. وكذلك التيار الإسلامي الذي التحق بالوحدة أيضاً من منطلق انتهازي.

وهناك التيار العقلاني الديمقراطي الذي كان يمثله مراد والذي قال إنَّ الوحدة يجب أن تبنى على أسس موضوعية مدروسة. وهذه أهم رسالة من وجهة نظري استطاع أن يقولها المسلسل. بمعنى، ما هي الرؤية الموضوعية الآن لموضوع الوحدة العربية؟ والإجابة أنَّ الوحدة حتى تتحقق يجب أن تقوم على قاعدة الديمقراطية ومن دونها لا وحدة للعرب.

أريد أيضاً أن أشير إلى المستوى الفني في هذا العمل. فالشخصيات التي وصفت بأنها من لحم ودم كانت أيضاً شخصيات متطورة. وهذا شيء مهم في العمل الدرامي. تطور الشخصيات وتنامي أدوارها لخدمة الهدف والوصول إليه بصورة منطقية. بينما رأينا الشخصيات في مسلسل آخر عرض في نفس الفترة، شخصيات متراجعة. وهنا أنوه إلى مسألة أخيرة ولها أفضلية هي معالجة النص التاريخي لأنها مسألة في غاية التعقيد. فأنا إذا أخذت مرحلة تاريخية قديمة تفتح أمامي مجالاً للتخيل وربما تزوير بعض الحقائق التاريخ. لكن عندما يتناول الكاتب التاريخ المنظور والمعاصر، فهناك قاعدة عريضة من المشاهدين عاشت هذه المرحلة. أو أنَّ المرحلة لم تبتعد كثيراً عن الذاكرة الشعبية لا يجوز فيها التزوير. وهذا يضع أمام الكاتب والمخرج مهمة دقيقة جداً فلا يتجاوزان الحقائق التاريخية والموضوعية. وهنا نسجل للكاتب نهاد سيريس والمخرج هيثم حقي التزامهما بالأمانة من ناحية وتحقيق المستوى الفني الرفيع من ناحية أخرى.

· الكاتب القصصي إبراهيم صاموئيل: مأثرة (خان الحرير) تكمن في أنه استطاع في حقل الدراما التلفزيونية السورية تحقيق معادلة صعبة بل وغريبة في ظاهرها. وهي: كيف يمكن تقديم مقطوعة من عزف منفرد بآلات متعددة؟ فالأركان الثلاثة للعمل (المؤلف والمخرج والممثل) كانت على انسجام تام وتفاعل حي كما بدا من العمل الذي شاهدناه. وهذا التفاعل هو أساس النجاح في اعتقادي. وذلك بسبب بسيط واضح وهو أنَّ الدراما التلفزيونية، كما الفيلم السينمائي، عمل مشترك. وهي نتاج جهود مشتركة لا يمكن لأركانها أن يعمل كل منها على انفراد. واسمحوا لي أن أخص المخرج الفنان هيثم حقي بتحية خاصة لأنه كان المايسترو صاحب الكفاءة والمبدع الذي يعنيه تقديم العمل لا تقديم نفسه.

أما مضمون العمل، والذي نال حصة كبيرة في ندوتنا هذه، فبعد أن تفاعلنا اليوم مع تلك المرحلة التي جرت في الأمس القريب (مرحلة الخمسينات) ليس بسبب جمال تلك المرحلة وحسب بل أيضاً وربما قبلاً بسبب من خواء الراهن وهشاشته وتصدعه، بسبب من شعورنا بالعبث مما نعيشه اليوم ومن اللاجدوى في كل ما نطمح إليه.

إنَّ مأساوية الواقع الراهن هي التي دفعت بقلوبنا لأن تفرح بما حدث بالأمس. والأمس-على جماله- ما كان ليبدو لنا بهيجاً إلى هذه الدرجة لولا بشاعة اليوم. وهذا يذكرني بالتاجر لذي يفلس فيضطر للعودة إلى دفاتره القديمة. رغمَ ذلك فإنَّ مسلسل (خان الحرير) كان متفوقاً في كتابته التي بدت لي مشغولة قطعة قطعة مثل أعمال التطريز، ومتفوقاً في ممثليه الذين أعطوا دون استثناء، كل حبهم للعمل، ومتفوقاً أخيراً في إخراجه الذي تماشى مع النص وصادق الممثلين، فقدَّم لنا رؤيته العميقة على محورين توأمين: مضمون النص ومقولته وفنية المشهد البصري ودلالته.

· المخرج كميل فلوح: مداخلتي حول موضوع الوحدة ودور أحمد الذي مثَّل تيارها. كان يجب أن يكون أكبر سناً ليبدو على درجة من النضج. لأنني أعتقد أنَّ تيار الوحدة كان ناضجاً أو أكثر نضوجاً مما بدا في المسلسل. وعندما نقول أنَّ فشل الوحدة كان بسبب العاطفة نقع في القصور. كانت هناك محاولة واحدة لتقزيم مفهوم الوحدة. مع أنَّ الوحدويين في تلك الفترة دخلوا البرلمان وشكلوا تياراً كاسحاً. وكانت القوى الوطنية تملأ الساحة. لكن في نفس الوقت كانت هناك قوة دولية تآمرت على الوحدة وأحبطتها. ربما لم تكن تجربة الوحدة مدروسة جيداً. لكن القضايا الوطنية تحوز دائماً على جانب مهم من العواطف، وهذا لا يعيبها.

· المخرج هيثم حقي: لا توجد شخصية في المسلسل سواء أكانت كبيرة أو صغيرة في العمر تمثل تياراً كاملاً هي جزء من التيار أو رمز له. ولكن هناك مجاميع بشرية تشارك هذا الرمز في استكمال ملامح التيار.. وفي برلمان الخمسينات لم يكن تيار الوحدويين ممثلاً بقوة. كان هناك تيار شعبي. وكان الباقي تيار الجيش وهو الذي فرض الوحدة. هنا يجب أن نلتقط اللحظة التاريخية لصياغة الحدث دون الغوص في التفاصيل.. أحمد في الخط الدرامي لم يكن وحده يمثل التيار.. ومراد ليس هو خالد العظم. وبالتحديد، إنه رمز للتيار الديمقراطي الليبرالي، وهكذا..

· عصام شلهوب: عرض قضية الوحدة في المسلسل كان مقنعاً، ولم يكن مطلوباً التعمق في تفاصيل الشخصيات أو شرح قضية الوحدة بأكثر مما شرحه العمل. لأنَّ ذلك يصبح مشروع بحث طويل أو دراسة معمَّقة. وليس هذا دور العمل الفني. ثمة شيء لم نكن ندركه في زمن الوحدة. ثمَّ أدركناه فيما بعد من خلال القراءات وما صدر من مؤلفات حول تلك الفترة. فقد كانت سورية تمثل بيضة القبان في الصراع على الوحدة بين تيارين. أحدهما يريد الوحدة مع مصر وهو التيار الكاسح. ولكن هناك تيار آخر لصالح الوحدة مع العراق.. إذن كانت القضايا شائكة في تلك الفترة. ولو تعمق المسلسل في بحثها لحدث الانفلاش في الأحداث وفقد المسلسل واقعيته. المسلسل قدَّم صورة مكثفة للأحداث في فترة تاريخية محددة. ولكنها مشبعة بزخم إنساني. واستطاعَ أن يحدد المعادلة المطلوبة. وثمة ملاحظة أخيرة، فلم يكن في المسلسل شخصيات رئيسية وأخرى هامشية، فقد ظهر الممثلون كلهم أبطالاً للعمل. ولعلَّ أبرزهم الكاتب والمخرج.

· المفكر د. صادق جلال العظم: جئت لأستمع أكثر مما أتكلم، وأصدقائي يعرفون أنني نادراً ما أتابع التلفزيون، ولكن ما سمعته عن (خان الحرير) وما قرأته أيضاً يدفعني لتقديم هذه المداخلة.

رغم أنَّ الحديث يتمحور كله حول سر النجاح الذي حققه هذا العمل، ولكن يخطر ببالي أمر آخر يتعلق بالأنظمة الوطنية في المنطقة. هذه الأنظمة قامت بعملية مبرمجة لمحو المرحلة التي سبقتها. وكأنَّ التاريخ بدأ بها ولم يكن موجوداً قبلها. مثلاً لم يعد الناس يذكرون من هو سعد زغلول أو غيره من رجال النهضة والاستقلال. وكأنَّ هناك محاولة لمحو التاريخ من ذاكرة الأجيال.. طلابي في الدراسات العليا في الجامعة لم يتعرفوا اسم أول رئيس للجمهورية السورية المستقلة. أحدهم قال إنه أديب الشيشكلي (!) هذه فضيحة وفجيعة في نفس الوقت.

من هنا تبدو لي أهمية الأعمال الفنية التي تحاول استعادة ذاكرة التاريخ. فيلم (أحلام المدينة) لمحمد ملص كان جزءاً من الاهتمام بهذه القضية وأشياء أخرى نكاد نفقدها ونفقد معها ذاكرتنا الوطنية. ونفس الشيء فعله (خان الحرير).

النقطة الثانية تتعلق بالكيانات التي كانت تتأرجح بين الوطني والقومي. هذه الكيانات هل هي ثابتة؟ أو يساورها الشك فتبني لنفسها تاريخها الخاص بها؟ ويبدو أنَّ هدف التاريخ لديهم هو اللحظة الراهنة. هذا يجري في أقطار عربية عديدة. بمعنى أنَّ الكل يقلدون ما كانت المارونية السياسية تفعله خلال الحرب اللبنانية. والآن الكل يحاول بناء مجده التاريخي على حساب التاريخ ذاته. أو أنه يبحث عن نوع من الشرعية للكيان أو للنظام.. أخلص إلى القول بأني ألمح تيارين: التيار الأول يحاول بناء شرعية تاريخية لكيان حديث جداً. والتيار الثاني يحاول استعادة مرحلة تاريخية جرى التعتيم عليها بشكل مبرمج ومتعمد فإذا عتمت على مرحلة تبرز مرحلة أخرى. وأعتقد أنَّ الأعمال التي يقدمها محمد ملص أو ممدوح عدوان أو هيثم حقي هي من التيار الثاني.

وأطرح سؤالاً على الأستاذ خيري الذهبي. قلت أنَّ هناك نوعين من الاهتمام بالتاريخ، هل أردت أن تقول أنَّ الاهتمام الجاري حالياً يدخل ضمن هذا الإطار أم له توجه آخر؟

· خيري الذهبي: في فترة ما كان توجه كل الناس في سوريا نحو الوحدة. وهي البلد الوحيد في العالم - ربما - التي لا يوجد فيها حزب سياسي واحد، يكتفي بالقول إنَّ سوريا هي بلدي بتاريخها من العشرينات حتى اليوم. كل الأحزاب السياسية كانت تتطلع خارج الحدود السورية إما لتحقيق وحدة عربية أو إسلامية ويبدو منذ فترة وبعد تجارب، حدث اقتناع بأنَّ سوريا بحدودها السياسية الراهنة هي بلدنا. والإشكالية هنا شعوري بأنَّ المتنبي هو أبي لكنه كوفي. وابن الفارض هو أبي أيضاً ولكنه مصري. وحدودي السياسية تقول إنهما ليسا من بلدي!؟

هذه الفوضى الذهنية تحاول أن تبحث لنفسها عن جذور عبر تشكيل هذا التاريخ. أنا أريد أن أعثر على تاريخي الشخصي قبل أن أجد تاريخ بلدي. وهذه المحاولات التي يقوم بها عدد من الروائيين والكتاب والباحثين، هي بحث عن الهوية.

· ريم حنا: أسامة أنور عكاشة تحدث في مسلسل (أرابيسك) عن هذا الهاجس وتساءل هل نحن فراعنة أم مماليك أم عرب ؟

· خيري الذهبي: مع فارق أساسي، مصر كيان سياسي اجتماعي ثقافي حضاري مستقل منذ 5000 عام لم يتغير فيها شيء بينما سوريا كيان صغير، عمره السياسي لا يتجاوز نصف قرن بغض النظر عن كل ما نقوله في أدبياتنا السياسية.

· الشاعر والكاتب المسرحي والدرامي ممدوح عدوان: عندما بدأ عرض (خان الحرير) انتابني شعور بالخوف لأنَّ أغلب العاملين فيه أصدقائي. بدت لي صورة الحدث نمطية كغيره من الحكايا التي نراها (حارة فيها رجال ونساء وحب وزواج ..) وهي حكاية معادة في المسلسلات السورية والمصرية وأصبحنا نعرف نهايتها. والجديد في هذه المسلسلات أنها أصبحت تظهر في عدة أجزاء.. ثمَّ اكتشفت أنَّ (خان الحرير) شيء آخر بدأ يفرض نفسه. وأعتقد أنَّ هذه الندوة ووجود الناس الذين يمثلون مختلف شرائح المجتمع دليل على نجاح العمل والاهتمام به.