Print

حلقة بحث ضمت نخبة من رجال الفكر والأدب والفن في ندوة (الأنباء) بدمشق

(أخوة التراب) و (خان الحرير)

في دائرة النقد

بداية.. لم تكن هذه الندوة مخصصة لعقد مقارنة نقدية بين المسلسلين السوريين (خان الحرير) و(أخوة التراب) اللذين قدمهما التلفزيون السوري ومحطات أخرى في شهر رمضان الفائت..

كانت مجرد جلسة حميمة بين صحبة تسكنهم هموم الثقافة وتجمعهم اهتمامات مشتركة بأجناس الأدب والفن. هذه الصحبة قررت أن تحتفي في بيت الصديق عفيف أسعيد بأسرة (خان الحرير) ممثلة بالمخرج هيثم حقي والكاتب نهاد سيريس ومدير شركة الانتاج حميد مرعي، والنجم الفنان بسام كوسا. وربما كان من أهداف الجلسة إلقاء الضوء على هذا العمل الفني المتميز من خلال مطارحة فكرية تجلو بعض الغموض عن مقولة العمل التي قدمها الكاتب على صورة إشكالية جدلية بين العقل والعاطفة .

 

ثمَّ تطورت الجلسة إلى ما يشبه (حلقة البحث) حين انضمَّ إلى المحتفين بأسرة (خان الحرير) عدد من الأدباء والنقاد والعاملين في حقل الفن، بحيث لم يتيسر لجلسة مماثلة حضور هذا المستوى الرفيع من رجال الفكر والأدب والفن. وعندما أمسك الشاعر السوري المعروف شوقي البغدادي بناصية الحديث كان حريصاً أن يطرح على الجلسة محاور محددة لتكون مدخلاً إلى فضاء العمل وأجوائه ومضامينه. فسجل ملاحظات أولية منقولة على لسان مشاهدين من شرائح مختلفة تابعت العمل باهتمام وشغف وأثارت أسئلة محددة تتعلق برؤية الكاتب لبعض القضايا المطروحة.

لكن جملة من الأسباب الموضوعية والذاتية تجمعت في الأجواء وهيأت الجلسة لاستحضار المسلسل الرديف (أخوة التراب) ليكون معادلاً موضوعياً في منظور الحوار النقدي الذي تواصلَ حاراً ودافقاً لثلاث ساعات .

وكان بين الأسباب : أنَّ المسلسلين اختارا التاريخ مادة ليقدما فترة زمنية مهمة، مشحونة بالمكابدة ومفعمة بإرهاصات النهوض الوطني والقومي التي قادت المنطقة إلى واقعها الراهن، وطرحت السؤال المهم: أين نحن اليوم مما كنا عليه في الأمس؟ وكان من موجبات استحضار (أخوة التراب) إلى هذه الندوة أنَّ مخرجه نجدت أنزور نجح في إثارة صراع حول مفهوم (الشكلانية) في الإخراج عندما قدم أعماله (نهاية رجل شجاع) و(الجوارح) وأخيراً (أخوة التراب)، فقدم من خلالها نموذجاً للرؤية البصرية التي قد لا تحفل بالضرورة بخط السياق الدرامي من أجل أن تؤكد حضورها الخاص.

وأخيراً كان بين أهم الأسباب: أنَّ حسن م يوسف كاتب النص لمسلسل (أخوة التراب)، نجح هو الآخر في إثارة حفيظة شرائح اجتماعية لم تجد ما يمثلها في العمل الذي قال عنه أنه يتصدى لمرحلة في تاريخ المنطقة ليوقظ في النفوس أسئلة بلا إجابة ما زالت مطروحة على الأمة حتى اليوم.. وعندما حاول الرد على الذين اتهموه بعدم الأمانة في سرد أحداث التاريخ، انتابه شيء من النزق مبرراً جنوح العمل نحو الاختزال والانتقائية بقانون الدراما الذي يختلف عن قانون التاريخ واتهمهم بالفئوية!؟.

هذه الأسباب كلها وغيرها شكلت الأساس لعقد مقارنة نقدية بين عملين مهمين تصديا للتاريخ وطرحا مقولات تمس وجدان الناس .

(الأنباء) ممثلةً بمدير مكتبها في سورية الأستاذ عصام أباظة، كانت في هذه الجلسة شاهد عدل تنقل الحوار بأمانة وتدون الأفكار التي جرت على ألسنة المشاركين لتكون شهادة للتاريخ. وعلى هذا النحو جاء الحوار :

· د. عبد الله حنا : كدارس للتاريخ تستوقفني دائماً المرحلة التاريخية التي تدور فيها الأحداث وأعتقد أنَّ لاختيار الزمن أهمية خاصة .. في (خان الحرير) كان النص يرصد مرحلة من تاريخ سورية والمنطقة في غاية الأهمية ووفر فرصة نادرة للمراجعة والمقارنة بين فترة زاهية عشناها في الخمسينات وفترة سوداء نتردى فيها هذه الأيام .

· علي الكردي : (خان الحرير) يؤسس لحالة جديدة من الدراما السورية. ويمكن القول إنه منعطف جديد في تاريخ الإنتاج التلفزيوني، والتساؤل هنا ما سر هذا النجاح وهذا التوهج الذي حققه العمل ؟ وما سر هذا الإجماع على تقديره من مختلف الشرائح الاجتماعية ؟ من وجهة نظري أنَّ العمل استطاع تقديم نفسه على مستويين باتساق لافت متناغم مدروس.. الخلفية التاريخية التي تجري عليها الأحداث وحركة الشخصيات التي اكتسبت لحماً ودماً وأعصاباً. وكانت في كل لحظة تنبض بالحياة. يدعم ذلك وجود سيناريو محبوك بحرفية عالية وفيه تفاصيل ونمنمات ورؤية شمولية، وتفاعل جميل بين الكاتب والمخرج وإضافة إلى عدد من الممثلين الكبار، أعاد المسلسل اكتشاف إمكاناتهم الكبيرة. فقدم لنا المخرج سليم صبري ممثلاً من طراز النجوم الكبار في العالم. وأبرز مواهب عدد من الممثلين المغمورين. فدلَّ ذلك على وجود جهود كبيرة بذلت لتقديم هذا العمل المتميز . وهنا تأتي المقارنة مع مسلسل آخر عرض في الفترة نفسها من شهر رمضان ( أخوة التراب) هذا المسلسل أيضاً تناول أحداثاً تاريخية مهمة . لكننا لم نلمس فهماً دقيقاً لموضوع الدراما. رأينا الأحداث في المسلسل أقرب ما تكون لفيلم (فيديو كليب). جموع من البشر تموت في معركة ولا يحرك هذا فينا أي إحساس.. الناس تموت والكاميرا تتحرك، ولم تشدنا الأحداث، بينما الأحداث التي نقلها (خان الحرير) مست الوجدان وحركت المشاعر، وهذا التوتر الجميل الذي عشناه مع (خان الحرير) هو سر النجاح .

· شوقي بغدادي: في (خان الحرير) حصلت على معرفة جديدة. وفهمت دور الكاتب والمخرج في الوصول إلى مقولة واضحة جعلت المشاهد يجري عمليات استنتاجية من خلال تشغيل خلايا المخ وسائر الحواس.. كنا أمام عمل يحرض الفكر ويلامس الوجدان، فحدث التفاعل الذي حقق النجاح. ومن قبل شاهدنا (أيام شامية) وحدث التفاعل، رغم أنَّ المسلسل لم يطرح مقولة خطيرة تقلب الموازين. لكنك تستطيع استخلاص المقولة من خلال تفاصيل العمل وتكتشف أنك أمام عمل ناجح بكل المقاييس.. أما مسلسل (أخوة التراب) فربما أراد أن يقول شيئاً ما لكنه عجز عن إيصاله إلى المشاهد لأنه فقد شطر الصدق والأمانة التاريخية وأخلاقية العمل الدرامي. نحن بحاجة إلى أعمال صادقة تحدد الزمان والمكان والأشخاص والوقائع دون تعسف أو اختزال، نريد للعمل أن يحترم عقل المشاهد لنحترمه .

· حامد الحلبي: احترام عقل المشاهد أمر أساسي في كل عمل يختار التاريخ مادة له، لقد قدم (خان الحرير) فترة تاريخية معاصرة. فكان أميناً على التاريخ موضوعياً في تحريك الصراع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. لكن مسلسل (أخوة التراب) تناول التاريخ على مبدأ لا تقربوا الصلاة.. اختار مرحلة تاريخية نعتز بها في سورية فأساء لها بالتشويه والاختزال والتعسف، وهنا تكمن خطورة الاجتهاد الشخصي عندما يعيد الكاتب تفصيل التاريخ على هواه .

· الأديب خيري الذهبي: يلاحظ في العقد الأخير كثرة الكتابات التاريخية الروائية منها والتلفزيونية. فما هو السبب؟ أعتقد أننا في سورية نعيش حالة انفصام في الشخصية. ندعي أننا دولة منذ آلاف السنين. لكننا في الحقيقة عمرنا كدولة سياسية لا يزيد على خمسين سنة، هي ما بعد الاستقلال وحتى اليوم. وفي العشرين سنة الماضية ولغاية منتصف السبعينات كنا نمسك بحلم تغيير الحدود السورية. بمعنى بأنَّ هناك محاولة لرؤية الوطن الذي نعيش فيه داخل حدوده وليس خارجها. وأنا سعيد من خلال هذه الرؤية الجديدة أن أرى مدينة حلب، المدينة الجميلة الكبيرة، والتي كانت عاصمة بلاد الشام إلى ما قبل 500 سنة، حلب الواقعة على طريق الحرير التاريخي .

أعمالنا الأدبية والتلفزيونية قد لا تساير إنجازات الرواية العالمية. وفي العمل الروائي لدينا أكثر من سياق. هناك الرواية التاريخية وهناك الرواية فقط. والعمل الذي قدمه الكاتب نهاد سيريس في (خان الحرير) ليس رواية تاريخية وليس تاريخاً صرفاً. هو قدم لنا شخصيات حقيقية من لحم ودم لها عواطفها الخاصة وإمكاناتها وإنجازاتها. وكل هذه الشخصيات كان يمكن أن أضعها في مفصل تاريخي فتنجح. لكن الشخصيات في مسلسل (أخوة التراب) كانت جامدة ليس فيها حياة حقيقية. ما حدث في (أخوة التراب) أنَّ الكاتب أخذ بعض النماذج ووضعها في العمل ولم يتمكن من بعث الحياة فيها ولم تجرِ الدماء في عروقها رغمَ ما سفحه العمل من دماء وهذا هو المقتل. عندما تقدم عملاً تاريخياً تجعل نفسك أسير التاريخ فتظهر الشخصيات ميكانيكية كما في (أخوة التراب). أما (خان الحرير) فلم يكن خاضعاً لأسرار التاريخ وكانت الشخصيات نابضة بالحياة. وهذا سر العلاقة الحميمة التي صنعها الكاتب والمخرج مع المتلقي .

· د. هاني عبيد: أسرة (خان الحرير) تستحق التهنئة. فقد قدمت عملاً متميزاً سيبقى حديث الناس إلى فترة بعيدة. لكن ملاحظتي أنَّ خط الدراما الذي كان محوره شخصية الأرملة الشابة سعاد والشاب مراد، كان يضيع مني بسبب هوس العواطف وشدة الانفعالات. ورغم زخم الشخصيات التي تتحرك في الحدث والتي تشبهنا كثيراً، وجدت أنها أحياناً لم تعد تمثلنا في سياقها الحياتي وأخذت تفترق عنا. شخصية أحمد التي مثلت فورة الشباب والعاطفة النبيلة تجاه الوحدة وجدتها لم تعد تمثلني عندما التقت بالبرجوازية. وأحسست أنَّ النقلة التي حدثت في موقف أحمد غير مبررة. فأصابني شيء من التوتر اتجاه العمل .