Print

حوار مع مجلة " المرأة اليوم "

حوار مع مجلة " المرأة اليوم "

أجراه مع الكاتب خالد سميسم

1 ـ من هي التي أثرت في حياة نهاد سيريس.. الحبيبة الأولى ، الزوجة ، الأم،  أم الأخت. ومن ناحية ثانية  من هي المرأة التي لعبت دورا وشكلت محطة ومنعطفا في حياتكم ، أقصد المرأة التي منحت القدرة وشكلت حافزا للإبداع.؟

ج – مثل أي طفل انجذبت في البداية إلى الأم والجدة هذا الثنائي الذي يلعب دوراً عظيماً في تشكيل أي انسان. فبالإضافة إلى الأم هناك الجدة وأرجو ألا يغفل دورها، حتى انني أضعها في مصاف ينبوع الإبداع عند كل كاتب. فالجدة تعني الحكايات والحنو والتواطؤ مع الطفل المذنب وجدتي كانت البئر الذي كنت أخبئ فيه أسراري. كانت جدتي ينبوعاً هائلاً للحكايات، فبينما كانت أمي منشغلة في صنع إخوتي كانت جدتي تسليني بحكاياتها.

لا أزال حتى الآن أذكر العشرات من حكاياتها حتى أنني أعدت صياغة الكثير منها في قصصي وأعمالي التلفزيونية. لم تكن حكاياتها عن الجن والساحرات، بل انها كانت تسرد لي حكايات عن بشر حقيقيين سافروا وانقطعت أخبارهم فترة طويلة ثم عادوا، أما ما جرى لهم في أسفارهم فهو سلسلة طويلة من الحكايات الأخرى. أجمل حكاياتها كانت عن حرب (سفر برلك) في العقد الثاني من القرن العشرين. إنني مدين لهذه المرأة بكل ماكتبت. أما الحبيبة الأولى فقد فجرت لدي طاقة الابداع حين رحت أكتب لها القصائد وفي الحقيقة لم أكن لأجلس وأكتب لو لم تكن هناك امرأة أتوجه اليها بما أكتب. والجميل ان جدتي حين هرمت وفقدت جزءاً كبيراً من ذاكرتها أصبحت تصغي هي إلى حكاياتي هذه المرة. كانت تضحك في نهاية كل حكاية وتسألني" من أين تأتي بهذه الحكايات ياولد؟" فلم تكن تعي انني كنت أسرد عليها جزءاً من حكاياتها هي.

 

2ـ في روايتك الأخيرة "حالة شغف" تحدثت عن بنات العشره ،كيف دخلت إلى عالمهن أولا، و قلت أيضا في أحد حواراتك، أن الرواية تلك هي شغف بامرأة و شغف بحكاية و شغف بالقراءة، هل مازلت تعيش هذا الشغف .

ج – بنات العشرة حالة موجودة وملموسة وفي مدينتنا يتناقل الناس أخبارهن. أجمل مظهر لهن هي الموسيقا فبنات العشرة يقضين اجتماعاتهن في جو من الحنان والموسيقا. في جلساتهن تصدح الأغاني وهناك دائماً من تعزف على آلة موسيقية أو أكثر وتتحول الباقيات إلى كورس يردد اللازمة وعندما قررت الكتابة عنهن أردت أن أكتب عن هذا الأمر بالذات. أن أكشف إلى العلن هذه الحالة الفنية التي تشترك فيها عشرات النساء في جلسة خاصة خلف أبواب مغلقة. هل تعلم انهن يلقين الأشعار إلى بعضهن البعض؟ بل ينظمن هذه الأشعار وتسمى " العتابا " وقد جمعت العشرات من هذه العتابات ولكنني لم أستخدم سوى اربع أبيات من عتابا واحدة في روايتي. لقد دخلت إلى عوالمهن ووثقن بي ورحن يحكين لي الأسرار فأنا بالنسبة لهن ابن المدينة الذي يكتب عن تفاصيلها. هناك تفاصيل لا يمكن أن تقال هنا ولكنها رائعة. ولقد صممت الرواية بشكل اقدم فيها حالة غرام بامرأة.. أقصد حالة أكثر من غرام.. حالة شغف بها جعلت الرجال والنساء يغرمن بها وسميتها "وداد". في الحقيقة لقد وقعت أنا أيضاً بغرام هذه الشخصية وسوف ينتقل هذا الغرام إلى القارئ. ان مبدأ الرواية يمكن تلخيصه كما يلي: هناك راوي يسرد حكاية علاقته في شبابه مع البطلة وداد وعلى الحكاية أن تأثر لب المستمع والذي هو بطل أيضاً في الرواية فيقرر المكوث للاستماع اليها رغم انه كان مهدداً بالقتل. على الحكاية ان تكون آسرة فيقع جميع من يستمع اليها في حالة الشغف هذه ولا يجب ان يستثنى من ذلك القارئ نفسه. قبل كتابتها قلت لنفسي، ان لم تأت الحكاية بهذا الشكل فلسوف تسقط الرواية، ولكنها لم تسقط والحمد لله.

3 ـ دائما في داخل الرجل حالة من البحث عن امرأة مستحيلة مجهولة يمكن أن تمنحه أشياء يتمناها في الحياة، تلك المرأة المانحة الخصبة المتخيلة ، هل هي موجودة أم أنك ما زلت تبحث عنها ؟

ج – بالنسبة لأي كاتب فهو لن يجد هذه المرأة حتى ولو كانت إلى جانبه فهو يبحث باستمرار. قد تكون إلى جانبه امرأة حبيبة تعطيه الحنان الذي يحتاج اليه وتدفعه للكتابة ولكنه في كل يوم يبحث عن جانب حميمي آخر من هذه المرأة. خلق الكاتب لكيلا يستريح من عناء البحث وحالما يتوقف فانه يموت. المرأة بالنسبة للكاتب نبراس، منارة بعيدة يبحر باتجاهها ولكنه لا يصل اليها. مواصفات تلك المرأة تتغير بالنسبة للكاتب ولذلك فهو لا يجدها. أريد أن أحدد ما أريد قوله بأن الرجل يبحث باستمرار في حبيبته عن مواصفات جديدة ولا يصل إلى قناعة نهائية. انه يبحث باستمرار ولكن في أعماق حبيبته وليس خارجها. هذا الكلام سوف يعجب بالطبع الحبيبات من النساء ولكنني أضيف بأن الرجل قد يمضي عمره كله يبحث عن الحبيبة بين كل النساء ولا يجدها. قد يموت في النهاية دون أن يجد المرأة التي يبحث عنها لتكون حبيبة عمره، أما عني فأنا من الصنف الأول.

4 ـ في قصتك "في انتظار الأرملة"، هل كنت مع أهل الحارة تنتظر الفرجة و تحلم بالارتباط  بتلك الأرملة الجميلة؟

ج – سؤالك لطيف، فقد اردت أن أصف حارة في بلادي تتوقف الحياة فيها حين تنزل امرأة أرملة في الصباح لتذهب إلى عملها. دقائق معدودات قبل الساعة الثامنة حين تأتي سيارة المصلحة لتذهب بتلك المرأة البديعة التي يتمناها كل رجل في الحي لنفسه. وصفت أصناف عديدة من الرجال وجميعهم تتوقف ساعاتهم حين تقترب من الثامنة الا ربع حين تطل الأرملة من باب دارها لتستقل السيارة. ولكن كان هناك رجل واحد تتوقف عيناها عنده لحظة زيادة. هذا الرجل هو الأكثر سعادة رغم انه كان مضطراً لمسح عرقه بمنديل باستمرار حتى ترحل بها السيارة. أما عن نفسي فيمكن اعتباري ذلك الذي كان يقف على احدى النوافذ ويصف الحارة والناس.

5 ـ في قصتك التفكير بنعيمة، على ما يبدو رغم وحشة الرجل الستيني و عمره استمر بالحلم و الارتباط مع امرأة ،و كان عندما ينام يتذكر لمستها لينام سعيدا ، هل تريد القول أن علاقة حب مع امرأة يمكن أن توقف الزمن وتنتصر حتى على الشيخوخة عند الرجل؟

ج – كنت أصف البؤس. حسب وجهة نظري فان البؤس الحقيقي هو في افتقاد المرأة. البؤس الحقيقي هو في غياب المرأة. ذاك الرجل الستيني البائس كان يبحث عن الفرح في تذكر جارته البائسة أيضاً. كان يجد متعة في التفكير بها حين يخلد إلى السرير. هذه كانت أجمل لحظات يومه حين يستلقي فيفكر بامرأة معينة هي جارته التي تسكن في الطابق الأعلى. هل هناك أكثر بؤساً من انسان يقترب من حافة الموت دون ان يرتبط بامرأة؟ ان مجرد لمسة يد عابرة من امرأة جعلته سعيداً.

ان علاقة الرجل بالمرأة ليست مجرد علاقة عاطفية أو لحظة اشتهاء.. بالنسبة لي هذه العلاقة هي انسانية بالدرجة الأولى. علاقة تولد الألفة وهي أكثر تعقيداً مما نظن. العلاقة بين الرجل والمرأة حالة ربانية.