Print

حول التجربة الروائية، حوار مع الشاعر عبد اللطيف خطاب

س1: تقول في أول روايتك حالة شغف "هذه هي الدنيا، غريبة جداً، وأغرب شيء فيها هي حكاياتها التي قد تسمعها من هنا وهناك. لم أتصور نفسي يوماً حكواتياً أجمع حولي الناس لأحكي لهم قصة سمعت بها أو شاهدتها بنفسي" ص7.

ودائماً تؤكد في ثنايا روايتك هذه على "الحكاية"، هل تود استمرارية ألف ليلة وليلة العربية بحكاياتها؟

ج1: انظر، الذي صنع لألف ليلة وليلة خلودها هي حكاياتها. لقد اخترع العرب آلية معينة لتقديم هذه الحكايات وتتمثل في آلية توالدها لمنع أذى معين فامتلكوا في النهاية كتاب ألف ليلة وليلة. فقد كانت شهرزاد تدفع عن نفسها الموت بواسطة هذه الآلية. نحن ننسى أمراً مهماً هو في الحقيقة ملازم للحكاية وهو الشغف الذي تصنعه في المستمع أو القارئ. ان الشغف في حكايات شهرزاد التي لا تنتهي بسبب آلية التوالد جعل شهريار يؤجل صباح اعدامها. لو كانت حكاياتها مملة ومضجرة لقتلها في الصباح الأول، ولكن شهرزاد نصبت له فخاً عظيماً، وهو الشغف بحكايات مشوقة لا تنتهي. لقد اهتممت بقضية الشغف وكتبت روايتي هذه. انت ترى كيف انني عكست الأمر لأقدم الشغف بطريقتي، فعندي من يهدده الموت هو المستمع وليس المتكلم. شهريار وليست شهرزاد. شهريار قد وقع في مصيدة الشغف بالحكايات ويريد ان يسمعها حتى النهاية ولكنه يخاطر بحياته من أجل ذلك.

س2: في ثنايا "حالة شغف" دائماً يتدخل الراوي كي يؤكد ان هذه "حكاية"، بينما وصول الوفد السوري المفاوض عام 1936 إلى محطة القطارات في حلب قادماً من فرنسا هو مفصل تاريخي موثّق.

ج2: هذا شيء طبيعي، وفي زمن شهرزاد كان الحديث يدور حول بلاد الهند والسند أو أماكن كان يظن آنذاك انها تقع عند تخوم العالم. يبدو انك تعترض على الواقعي والتاريخي في الحكاية. الحكاية لا تقوم بأجمعها على الفانتازيا. انها تسعى من أجل جعل المتلقي يصدق ان ما يحكى له هو حقيقي، من أجل ذلك يتم صنع الحكاية بمزج الواقعي بالمتخيل. سوف أشرح لك الأمر بمثال من الرواية، فقد تم فعلاً استقبال الوفد العائد من باريس عام 1936 في محطة القطارات في حلب، وهناك صورة تمثل الوفد والمستقبلين ويظهر بينهم المسيو دو مارتيل وكان آنذاك المفوض السامي الفرنسي. ومن يعود إلى كتاب "حلب في مئة عام" يجد تلك الصورة، وقد قمت بوصفها في سياق الرواية كحدث تاريخي حقيقي ولكنني أضفت إلى الصورة المتخيل الخاص بي وهو عندي البطلة وداد وقلت انها ظهرت في الصورة حين كانت تنزل من عربة القطار. إذن النتيجة كانت مزيجاً من التاريخي والمتخيل وكان قاعدة أساس لاستمرار الحكاية، فأنا لم أتبع الوفد لنعرف ما حدث له بعد ذلك فهذا موجود في كتب التاريخ، بل تتبعت وداداً لأصنع من ذلك حكاية توقع المتلقي بحالة شغف بها.

س3: لكن هناك الكثير من الوقائع الصغيرة اليومية والتاريخية التي تؤكد معقولية روايتك ضمن "العجائبي" أفلام السينما، الأغاني القديمة، رائحة حلب وعالمها وسحرها.

ج3: يجب التفريق ايضاً بين السرد الحكائي البسيط والسرد الروائي المعقد والمفعم بالتفاصيل. انني أستفيد من تقنية السرد الحكائي في بناء رواية ولا أكتفي بسرد حكاية مشوقة. أسرد حكاية ولكنني أخرج عن مسارها لأبني العالم الذي يجري فيه الحدث الحكائي. في الرواية كنت أتحدث عن دخول وداد إلى عالم المغنيات اللواتي يسمين "الخوجات" والسرد الروائي يفرض علي ان أهتم بتفاصيل الأمور التي كن يهتممن بها. بل ان الأمر يتجاوز عالم المغنيات، فحالة شغف تحتاج إلى إعادة بناء عالم المدينة في الثلاثينيات وهذا ما حاولت فعله.

س4: في رواياتك السابقة "الكوميديا الفلاحية" مثلاً رحت تجمع الناس كي تحكي لهم حكاية. ابو النون (نهاد سيريس) سيحكي لكم الفرجة، ما بين الفرجة – المسرح، والحكاية – السرد، ما هي تقنية "السرد" التي تحاول الاستمرار فيها؟

ج4: بعد رواية "رياح الشمال" وجدت ان علي تطوير تقنيات السرد الخاصة بي عوضاً عن الاكتفاء بالسرد الملحمي الكلاسيكي. ولنكن واقعيين، فالرواية الغربية قطعت شوطاً بعيداً في تجريب التقنيات الحديثة الملائمة لأذواق قرائها. كان السؤال الجاهز: كيف علينا ان نكتب روايات حديثة (من الحداثة) وفي نفس الوقت تكون استمراراً لتراثنا العربي الأدبي؟ وكان الجواب جاهزاً أيضاً، فألف ليلة وليلة ستفرض حضورها لألف سنة أخرى عبر تقنية السرد الحكائي. ولكن علينا ان نكتب روايات وليس حكايات فحسب. هل يمكننا ان نستفيد من السرد الحكائي في السرد الروائي؟ لم أكن متأكداً، فقمت بالتجريب وكانت "الكوميديا الفلاحية" ومن ثم "حالة شغف".

س5: هل تعتقد انك نجحت ؟

ج5: اعتقد انني استطعت نقل سحر الحكاية إلى الرواية دون التنازل عن أدبية الرواية. هذا هو التحدي الأول، ثم امتد بي الأمر إلى موضوعة الشغف التي حدثتك عنها وكانت تحدياً قاسياً آخر، فلو كنت قد فشلت في صنع حكاية مشوقة توقع متلقيها في حالة الشغف بها لسقطت الرواية كلها.

س6: هل تعتبر "حالة شغف" التي تتحدث وتحكي من بين ما تحكيه عن "بنات العشرة" استمرارية "للايروتيكية العربية" ؟

ج6: الايروتيكية العربية؟ هذا كثير على حالة شغف. يجري الحديث في الرواية عن بنات العشرة. ميولهن، علاقاتهن المشتركة، أمزجتهن الفنية. هذه أمور اجتماعية أكثر منها ايروتيكية. لقد تحدثت عن ظاهرة ولم أدخل في تفاصيل جنسية يمكن ان تجدها في أي رواية أخرى. لقد احتطت للأمر كي لا تسقط الرواية في الوصف الجنسي الايروتيكي فاعتمدت على تداعيات ذهن القارئ. هل تعلم ما معنى ذلك؟ انني كثيراً ما أقوم به في رواياتي. انني أجعل القارئ يكمل حدثاً معيناً في ذهنه في حين أنتقل به إلى حدث آخر.

س7: الباه، "رجوع الشيخ إلى صباه" ، "نزهة الألباب" للتيفاشي وغيرها من الكتب الايروتيكية العربية، هل تدخل ضمن نطاق الدخول إلى بوابة "الغرب" ؟

ج7: لا أظن، فالغرب معجب جداً بكتاب "الكاماسوترا" الهندي أكثر من "نزهة الألباب…". ان ألف ليلة وليلة هو الذي أخذ لب الغرب وجعل كتـّابه يقلدونه. ثم ان الغرب ابتدع قضية الاستشراق التي وضع فيه اسساً ينظر من خلالها إلى شرقنا وهو لن يتقبل أي شيء إلا ما ينطبق مع هذه الأسس. ان اثارة قضية بنات العشرة في رواية عربية من مهمات الوعي العربي ولا علاقة لها بمتطلبات الغرب. وللدلالة على ذلك أذكر ان أحد المستشرقين السويديين وهو الدكتور تيتز رووك قد قرأ الرواية، هل تعلم ان ما لفت انتباهه هو تقنيتها؟ عندما التقينا راح يمطرني بأسئلته حول معالجتي لقضية الشغف، وما إذا كنت واعياً لما فعلته وعياً كاملاً؟

س8: يشكل التراث الشعبي لمدينة حلب من أطعمة وألبسة وتوابل وطريقة العيش اليومي والموالد والذكر وحلقات الصوفية والجامع والكنيسة وحتى الطرب اليهودي في حلب القرن العشرين بؤرة مركزية في سردك.

ج8: إنني أعشق هذه المدينة. لها سحر خاص أحاول باستمرار ان أنقله في أعمالي إلى الناس. بالاضافة إلى ذلك فإن المدينة بما تمثله من بؤرة تتجمع فيه ثقافة الأمة وتنوعها تحاول ان تكتب تاريخها عبر كتـّابها. المدينة عالم شديد التنوع، وهو موجود ومستمر في الوجود حتى في حجارة أبنيتها. ثم ان لها خصوصيتها التي تميزها عن المدن الأخرى، والرواية هي الفن الأكثر مقدرة على اظهار كل هذا. والرواية في نهاية القرن ليست وصفاً لحياة الرتابة، بل هي مرآة لذلك المكان الذي يضج بالحياة، وأقصد به المدينة. تصور اننا لم نعد نمتلك الوقت لنجعل بطلنا يتسكع في الشوارع دون هدف أو يقوم بصنع فنجان قهوة لنفسه كل ساعة.

في نهاية القرن الماضي قال "غي دي موباسان" انهم (أي كتاب ذلك الزمان) لم يعد لديهم الوقت ليجعلوا بطلهم ينزل عن حصانه ليقطف وردة ويروح يشمها. فما بالك بكتاب اليوم. ان المدينة أصبحت أكثر تنوعاً ومفعمة بالخصوصيات وعلينا اكتشاف وتقديم كل هذا التنوع وهذه الخصوصيات.

س9: هل تستطيع القول بعد دخول تيارات "الحداثة" إلى القصة والرواية العربيتين والاتكاء على هذا المصطلح دون تمثله تمثلاً حقيقياً وانتاج روايات دون أحداث وزمان ومكان، هل نستطيع القول انك تعيد للرواية العربية سردها المفعم بالتاريخ والانسانية، السرد الذي بدأت به الرواية العظيمة أساساً؟

ج9: دعنا نتفق على ان الحداثة هي حداثة العقل والرؤية وليست عملية تحطيم لقواعد الفن فحسب. ان ما يفعله البعض هو كتابة نصوص تفكيكية يتم فيها تحطيم قواعد السرد الروائي وتكون النتيجة عبارة عن نصوص مترفعة ونخبوية. هذا المرض لم يجتاح الرواية السورية بعد كما هو الحال في بلدان عربية أخرى. ولكن لدينا هنا مشكلة أخرى هي التأريخية، أي الاعتناء بالمادة القادمة من الوثيقة التاريخية أكثر من الاهتمام بالمتخيل رغم وجوده طبعاً، ولكنه يبقى هزيلاً وعادياً ولا سحر فيه. لقد كتبت فيما مضى الرواية التاريخية ولكنني سعيت لعدم الجري واللهاث وراء التاريخ، بل كنت أكتفي بجعله يخطط لي الطريق، أما من يسير على هذه الطريق فقد كانت شخصيات متخيلة بشكل كامل. شخصيات لها سحرها وطعمها المنفرد. هناك تجربة أخرى يقوم بها فواز حداد في دمشق فشخصياته تعمل بشكل ممتاز في العالم الروائي التاريخي الذي يصنعه بحرفية عالية. لدينا هنا روايات عديدة لكتاب كثر يجهدون في بناء عوالم روائية لا بأس بها ولكن شخصياتها تقعد مكتوفة الأيدي. انها شخصيات تلوم كاتبها لأنه قام بصنعها ثم جعلها تنتظر اللا شيء. هل يمكن ان تسمى هذه روايات حداثوية؟ أشك في ذلك، إلا إذا اعتبرنا ان الكلمات المتقاطعة شعر حديث.

انني أهتم بالحدث بقدر اهتمامي بالجو الروائي و بالشخصيات. في حالة شغف لدي عالمان وحبكتان وثلاثة أزمنة وعشرات الحكايات والكثير من المعلومات (المعارف) تبدأ بالتاريخية ولا تنتهي عند علم النبات مروراً بالغناء والطرب النسائي والسينما وبنات العشرة وبعض الكتب التاريخية وغيرها.

س10: هل هناك علاقة ما بين كتابتك للرواية والمسلسلات التلفزيونية الناجحة التي كتبتها، خان الحرير والثريا؟

ج10: هناك علاقة، فأنا أكتب المسلسل التلفزيوني بنفس الروح والاستعداد والجهد الذي أكتب بها الرواية. وأنا أقترب بذلك من مفهوم الرواية التلفزيونية. ان اجابتي على السؤال السابق تحدد سبب نجاح الأعمال التلفزيونية التي كتبتها وهو اهتمامي بالجو الروائي والشخصيات والحدث. ان المشاهد التلفزيوني يريد متابعة حكاية حين يجلس لمتابعة عمل. قد تبهره أجواء المسلسل حلقة أو حلقتين كما يحدث في الفيلم السينمائي، ولكن في حين ينتهي الفيلم ويرحل المشاهدون إلى بيوتهم يستمر المسلسل التلفزيوني، وهنا تبرز أهمية الحكاية والحبكات والتشويق وغيره. على المسلسل التلفزيوني الناجح ان يمتلك آلية قريبة من آلية ألف ليلة وليلة وهي آلية استيلاد الحكاية من صلب الحكاية وهكذا، مع الاحتفاظ باستراتيجية واحدة للمسلسل ككل. اعتمدت هذه الآلية في مسلسل "الثريا" ولو لم يوقفني المخرج هيثم حقي ليبدأ التصوير لكنت أكتب فيه حتى يومنا هذا.