Print

حوار مع الكاتب أجراه الروائي عبد الحليم يوسف لمجلة دراسات اشتراكية

س1: من النادر العثور على كاتب تبدأ تجربته الكتابية بالرواية. وفي تجربتك كانت رواية "السرطان" 1987 الخطوة الأولى في علاقتك مع الكتابة الروائية. الآن وبعد مرور كل هذه السنين الصاخبة، ماذا يمكنك أن تستعيد لنا من أجواء البدايات. بداية التورط في الدخول في نفق الكتابة الروائية؟

ج1 السرطان كانت روايتي الأولى ظاهرياً أو بها قُدّمت إلى القراء، ولكن في الحقيقة كنت قد قطعت طريقاً طويلةً حتى ظهرت تلك الرواية الصغيرة. لقد أحببت الكتابة منذ الصغر، وكانوا يبحثون عني في ثانوية المعري في منتصف الستينيات لأكتب لهم مسرحيات لتقديمها على مسرح المدرسة. كنت أقرأ بشكل مكثف، وكان مرشدي في القراءة مدرس اللغة العربية آنذاك الذي كتب لنا على السبورة اسماء حوالي مائة رواية فقررت ان أقرأها كلها فانتهيت منها في عامين. هذه القراءة شكلت عندي بداية تعلقي بالأدب الجاد بعد أن كنت أكتفي بقراءة أدب الأطفال. بعد ذلك بدأت أكتب. كنت أكتب وأدفع بما أكتبه إلى رفاق المدرسة ليكونوا قرائي الأوائل. وأنا أتذكر الآن كيف أنني كتبت رواية وكان عمري آنذاك يقارب الخامسة عشرة.

كنت قد وضعت لها عنواناً ملفتاً وهو "احدى عشرة نقطة للعالم" وقد قرأها لي زميلي في المدرسة الثانوية آنذاك سعد يكن، وهو نفسه الفنان التشكيلي المعروف هذه الأيام. انه يذكرني بها على الدوام وأحمد الله على انها قد ضاعت فأنا متأكد أنها لم تكن رواية جيدة. كانت لي تجارب أخرى ولكنني كنت أمزقها بعد ايام من كتابتها. كنت أكتب الشعر والمسرحية والقصة وبعض الأبحاث. ومن بين (قرائي) وأضعها بين قوسين، كان الشيخ محمد صهيب الشامي مدير أوقاف حلب اليوم، وهو يذكرني على الدوام انه قرأ لي مخطوطاً لبحث فلسفي عن قضية المصير، وأنا أضحك الآن حين أتصور ابن السابعة عشرة يكتب بحثاً في فلسفة المصير.1: السرطان كانت روايتي الأولى ظاهرياً أو بها قُدّمت إلى القراء، ولكن في الحقيقة كنت قد قطعت طريقاً طويلةً حتى

 

أما أول ما كتبته بعد أن تخرجت من الجامعة وأصبحت مهندساً وكنت راضياً عنه، فقد كان الجزء الأول من رواية رياح الشمال ولكن بسبب تأخر طباعتها، وكانت أزمة الورق في ذروتها، فقد سبقتها أختها رواية السرطان. لقد قرأ المخطوط ناشر تونسي كان في زيارة لسورية. قال لي انه قرأها في الطائرة أثناء عودته إلى تونس من دمشق وحين وصل إلى منزله، هاتفني ليتفق معي على شروط العقد.

س2: لنتوقف عند علاقتك مع الرواية الأولى "السرطان" هل توازي مكانتها مكانة (الحب الأول) كما هو متعارف عليه، أم ان العلاقة تأخذ طابعاً إشكالياً، بمعنى ان الاقتراحات التجريبية التي حملتها تلك الرواية لم تكن ترضي تطلعاتك تجاه هذا الفن خاصة وان الروايات التي تلتها كانت شديدة الاختلاف عنها؟

ج2: لو تعلم كم كنت سعيداً حين وصلتني النسخ الأولى من هذه الرواية. كان ذلك الشعور يوازي فرحتي واعتزازي بميلاد ابني الأول. لم أكن قد نشرت نصاً في الصحافة الأدبية. حتى الآن أميل إلى الإقلال في النشر في الصحافة. فجأة وجدت روايتي مطبوعة في كتاب. وأين؟ في تونس. ثم ارسل إلي الناشر وهو صاحب دار "محمد علي الحامي" يدعوني للذهاب إلى تونس لحضور ندوة عن الرواية. وبسبب تعذر سفري ارسل إلي أشرطة حيث قام بتسجيل المداخلات النقدية عليها. كل ذلك حدث بسهولة إلى حد الادهاش، وهذا ما شجعني إلى الانعزال لكتابة الجزء الثاني من رواية رياح الشمال.

الشيء الذي تسميه الاقتراحات التجريبية جاء مع رواية السرطان فعلاً. مخطوط الجزء الأول من رياح الشمال لم يكن يحتوي على مثل هذه التجارب. كنت أحاول كتابة رواية طبيعية جداً، مثل أية رواية تاريخية بسرد ملحمي معروف. كنت مأخوذاً برواية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. كنت أعشق رواية "الدون الهادئ" لميخائيل شولوخوف والجزء الأول من رواية مدن الملح لعبد الرحمن منيف، وهاتان الروايتان دفعتاني لكتابة رياح الشمال. لم أكن أجازف أثناء الكتابة كما أفعل اليوم. كل ما كنت أفعله انني كنت أترك ابطالي يتحركون مع الزمن… هكذا ببساطة. بعد ذلك كان علي ان اروج لتعبير الرواية التاريخية. كان الأدب السوري قد انتج عدة روايات تاريخية ناضجة لفارس زرزور وهلال الراهب وخيري الذهبي وغيرهم دون الاشارة إلى انها كانت روايات تاريخية.

أريد ان اقول شيئاً حول التجريب في كتابة الرواية الذي ظهر لدي بعد رياح الشمال. كانت الرواية العالمية قد قطعت شوطاً بعيداً في ذلك ووصلت الينا عن طريق الترجمة في الثمانينيات. قرأناها وتأثرنا بها ودفعتنا إلى محاكاتها بشجاعة. انني أؤمن بأن الرواية تتشكل أثناء الكتابة. قبلها تكون في حالة غائمة في رأس الكاتب. ان كل رواية تتشكل وتكتب باسلوبية أخرى. انني لا أحدد مسبقاً كيف ستكون عليه روايتي القادمة بل ان فكرتها وعالمها يحددان الشكل الذي ستظهر فيه. ان المواضيع الجديدة دفعتنا إلى التجريب، لهذا السبب تجد ان كل رواية من رواياتي لها اسلوبها الخاص.

س3: أنجزت عملاً روائياً كبيراً (رياح الشمال) بجزأيه – سوق الصغير – و – 1917 – ويندرج هذا العمل في اطار ما يسمى بـ "الرواية التاريخية" من خلال تجربتك هذه، كيف يمكنك توضيح العلاقة بين الوثيقة التاريخية والشغل الروائي، والقاء الضوء على التداخلات التي تحدث بينهما في سياق عملية النسيج الروائي؟

ج3: من أكثر الأمور امتاعاً الخوض في قضايا الرواية التاريخية. حتى ان كتابتها تعتبر بالنسبة الي عملية مسلية رغم صعوبتها القصوى. انها أقرب من كتابة التاريخ ولكن دون رجال التاريخ، أي دون هؤلاء الذين احتكروا التاريخ لأنفسهم. ان الرواية التاريخية هي تاريخ من لا تاريخ لهم. ان ما يهمني في التاريخ هي القضايا والوقائع أما الناس فأقوم باستبدالهم باناس من الخيال، بشخصيات لا يخطر في بال المؤرخ ان يتعب نفسه ليرصد أنشطتهم.

ان سؤالك يعنى بالجانب التقني لعملية الكتابة ومع ذلك سأجيبك عليه. قبل البدء بعملية الكتابة أكون قد قطعت شوطاً بعيداً في قراءة الوثائق التاريخية. والوثيقة أعني بها كل بحث تاريخي يتعلق بحدث أو بثقافة أو بعادات وتقاليد. التاريخ ليس أحداثاً فحسب، بل هو كل ما يتعلق بحياة الناس في فترة تاريخية. إذا عدت إلى مجلدات "قصة الحضارة" لويل ديورانت فإنك سترى ان الزراعة والصناعة والفنون وغيرها تأخذ حيزاً كبيراً في هذا المؤلف الضخم. انني أقرأ أو أبحث عن أية معلومة حتى ولو كانت عن الطبخ أو الخياطة على سبيل المثال. ان كل هذه المعلومات تفيدني في بناء الجو الروائي. ان اسلوب تدبيج الرسائل في زمن ما تفيد كاتب الرواية التاريخية بقدر ما تفيده وقائع معركة عسكرية أو صراع سياسي. في احدى المرات وبينما كنت أجمع المعلومات عن سلوك أهالي حلب أثناء الحرب العالمية الأولى عرفت معلومة مهمة جداً فرحت بها أشد الفرح. لقد عرفت بأن فقراءهم كانوا يكتفون في طعامهم بأقراص "أبو أمّون" وقد ذكرت هذه الأقراص في رياح الشمال، وهي بالمناسبة أقراص تصنع وتخبز من دقيق الشعير و الجلبان وانت تعرف انهما علف للدواب ولكن الناس اضطروا لتناول هذه الأقراص عوضاً عن الخبز و الإدام رغم انها تسبب عسر الهضم شديد.

تأتي المرحلة التالية وهي انتقاء الفئات الاجتماعية التي سأركز عليها وبالتالي الشخصيات. ان عملي سيقتصر فيما بعد على رصد الأفعال التي تقوم بها الشخصيات في الجو الروائي التاريخي المحدد كما أسلفت.

س4: نخلص من ذلك بأن الروايات التاريخية عموماً تتميز بالاخلاص الشديد للوقائع والأحداث والشخصيات التاريخية من خلال بروزها – كما هي غالباً – في سياق النص الروائي. أو اللجوء إلى الاستفادة منها كخلفية – ان صح التعبير – للوحة الحدث الروائي. في روايتك (رياح الشمال) يحضر التاريخ ويغيب في آن واحد من خلال تناولك لشخصيات "غير تاريخية" – غير معروفة في التاريخ تسميهم من لا تاريخ لهم– وفي نفس الوقت ثمة حضور كثيف لأجواء وأحداث تاريخية كبيرة. كيف يمكنك توضيح هذه المفارقة "الفنية" التي لجأت اليها في كتاباتك؟

ج4: إنها ليست مفارقة. انني لا أؤرخ بل أكتب رواية تاريخية. كان لدينا مفهوم خاطئ عن الرواية التاريخية رغم ان أبحاث "جورج لوكاش" كانت قد ترجمت إلى العربية. كنا نحسب ان الرواية التاريخية يجب ان تكون بالضرورة على شاكلة أعمال جورجي زيدان الذي حول تراجم الشخصيات التاريخية الشهيرة إلى قصص. عملنا مختلف في الرواية التاريخية. اننا نصنع مزيجاً من التاريخ والخيال. انت تعلم ان التخييل هو "أس" العملية الروائية. شخصياتنا كلها متخيلة اما الزمان فهو يتطابق مع التاريخ. لفهم ما أقصد أنصح بإعادة الرواية التاريخية إلى أصلها كرواية واقعية ، أي زمان ومكان وحدث. نحن هنا لا نخترع الزمان والمكان بل نحددهما وفق الوثيقة التاريخية. ان ما نخترعه هي الشخصيات التي تتفاعل مع أحداث تاريخية محددة.

هناك روايات تاريخية لكتاب كبار كتبوها عن شخصيات تاريخية معروفة مثل رواية ماركيز عن الجنرال سيمون بوليفار (الجنرال في متاهته). لقد اضطر ماركيز لكتابة فصول عادية لأن الوثيقة كانت تحدد عمله وتحد من خياله، اما الفصول الرائعة فقد كانت عن لحظات لم يكن ماركيز يمتلك أية وثيقة عنها فاعتمد على خياله. هذه هي القضية الأساسية في الرواية التاريخية، ان نصنع شخصيات متخيلة لا وجود تاريخي لها كي نعمل الخيال فيها.

س5: ماذا تريد من التاريخ؟ هل تلجأ إليه هرباً إلى الخلف أم للتركيز على النظر إلى الأمام؟ والراهن يحمل في ثناياه من المفارقات والحوادث والشخوص والعوالم ومن (المواد الخام) الكافية لكتابة مئات الأعمال الروائية. لماذا هذا التأكيد على التاريخ في النص الروائي؟ ألا يعكس الخوف – في أحد أوجهه – أو الهروب من مواجهة الحاضر؟

ج5: إن ما يهمنا هو الحاضر والمستقبل، فكل خطوة نخطوها هي في هذا الاتجاه. تحضرني مقولة لجمال عبد الناصر" ان الشعوب والامم أشد حاجة في أزماتها إلى التاريخ" وانت تعلم بأن أمتنا تعيش في أزمة، فقد فقدنا سندنا العالمي المتمثل في الاتحاد السوفييتي وانهارت برامج التنمية العربية ومازلنا نواجه عدواً متغطرساً. إن مجرد التفكير في مستقبلنا يقودنا إلى النظر في التاريخ، فالمستقبل امتداد للتاريخ وليس انقطاعاً عنه. في نفس الوقت نواجه خطر العولمة، ومن المعروف ان هذه العولمة تلغي خصائص الأمم أي هي عدوة تاريخها. إذا أردنا أن نواجهها فليس هناك سلاح أمضى من سلاح التاريخ.

هناك شيء مهم آخر يعيدنا إلى التاريخ. ان ما حدث خلال أكثر من أربعين عاماً جعل بعض الفئات الاجتماعية في البلاد العربية تندثر وتظهر أخرى. ان الطبقات الحديثة المتمثلة بالأغنياء الجدد تمتلك كل شيء إلا القيم. انها تسيطر على الحياة العربية وتجعل مجتمعاتنا استهلاكية بدون هيئة أو طعم، متأثرة بعادات الغرب المحمولة الينا على أجنحة وسائل العولمة. ان ردّنا يتمثل في اعادة التذكير برومانسية حياتنا. بأيام القيم والنضال والعشق الرومانسي الراقي. اننا نبحث عن الأصالة في تاريخنا لمواجهة موجة الابتذال.

وهناك أمر آخر لا يمكن انكاره أو القفز عليه وهو موضوع الرقابة. والرقابة في سورية أصبحت متخلفة عن متطلبات المجتمع السوري. فقد بدأنا نسمع عن تطوير واسع قادم في مجمل حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية، ونسمع عن حملة ضد الفساد وأعتقد ان على الأدب والفن السوريين ان يقوما بدعم هذه الجهود والمساهمة فيهما وهذا يتطلب اتاحة هامش حرية أوسع لهما.

س6: تجري أحداث روايتك "حالة شغف" في الثلاثينيات، وتحديداً في عام 1936. ثمة حماس شديد لديك لتناول مرحلتي عشرينيات وثلاثينيات هذا القرن من خلال اضاءة المشهد الحياتي لمدينة حلب. لماذا هذا التمحور حول هذه المرحلة بالذات في رواياتك؟

ج6: بدقة أكبر يمكنك ان تقول انني أسوح في رواياتي ومسلسلاتي في كل القرن العشرين وليس فقط في ثلاثينياته. انني أبحث عن الغيم الذي سبب هذا المطر ولا يمكن معرفته إلا بالبحث في التاريخ القريب. وكما قلت في اجابتي السابقة إن السنوات الماضية تحمل الكثير من الأصالة والرومانسية اللتين نفتقدهما هذه الأيام بسبب نشوء طبقات ليس لها امتداد في التاريخ. ثم ان الذي دفعني للكتابة أصلاً هو حنيني إلى أيام لن تعود ولن تعوضنا الحياة عنها بشيء آخر، لذا تراني أعود لأستذكر تلك الأيام وأذكر بها القارئ. ان مثقف هذا اليوم يشعر بالاغتراب وكأنه لا يمت بصلة إلى هذا الزمن بسبب قسوته. اليوم، ينهكنا الزحام والضوضاء والأغاني الفاسدة والتلوث ورغبة الناس في التهام بعضهم بعضا. المثقف اليوم يهجر الشارع وينعزل في غرفته ليعود بذاكرته إلى الأيام الخوالي التي مازال لها سحر خاص في نفسه. هذا الشيء توفره لي فترة الخمسينيات والستينيات. وعندما أردت ان أحدد الزمن اللازم لرواية حالة شغف وجدت نفسي أفضل الثلاثينيات فحتى لبنات العشرة سحر خاص في ذلك الزمان، أما اليوم فأعتقد ان حالة شغف كانت ستتحول إلى علاقات أساسها المادة والجشع والابتزاز.

س7: في أعمالك – كما أرى – تبتعد دائماً عن تجاوز "التابوات" – الثلاثي المحرم – (الجنس – الدين – السياسة) بحيث انك تلامسها من خلال الايحاء دون اختراق الذائقة السائدة أو خدشها. ثمة وجود لرقيب دائم سابق على - الرقيب الأصلي – يمنعك من الصدام مع الحراس والأوصياء القائمين على حماية ذلك الثلاثي الإشكالي. في روايتك الأخيرة "حالة شغف" اقتربت من تناول موضوع "بنات العشرة" ويحتمل هذا الموضوع الخوض في بعض التفاصيل – الجنسية مثلاً – ومع ذلك بقيت محافظاً – بالمعنى الاجتماعي للكلمة – ألا ترى معي أن غرفتك أو ساحة وعيك أثناء الكتابة ليست خالية من الرقباء؟

ج7: ليس هذا أبداً، فالفكر السياسي يشكل عندي مادة أساسية في العمل الأدبي والدرامي، وتستطيع أن تلمس ذلك في كل أعمالي وخاصة الجزء الثاني من خان الحرير الذي كان جريئاً جداً فناقش قضية الوحدة السورية المصرية بعمق وشجاعة. أنا لست مع من يقول ان على الكاتب إذا أراد أن يتناول السياسي عليه ان يكون مشاكساً فحسب. السياسة في الأدب مسؤولية وموقف وليست معارضة للنظام السياسي في كل الظروف والأحوال. اما من ناحية الجنس فإنني ابتعد، كما تقول، عن الخوض في التفاصيل. ان ما يهمني في الجنس هو اطاره الاجتماعي والانساني اما التفاصيل فأنا أتركها لخيال القارئ. أصل به إلى حد معين ثم أتوقف، فإن كان للقارئ الخيال اللازم فهو يسرح به في حين انتقل أنا إلى أمر آخر. السبب الذي يجعلني لا آبه لوصف تفاصيل عملية جنسية هو اعتباري لها كشيء زائد لا لزوم له. عندما قرأت روايتك "سوبارتو" أحببتها جداً ولكنني توقفت عند التفاصيل الجنسية وقد ناقشتك بها. كانت حملاً زائداً في الرواية يجعل تداولها محدوداً رغم أهميتها.

أما قضية الدين، فإنني أحلم بكتابة عمل يناقش أصول الإيمان عند الانسان بحرية.

س8: التجربة الشخصية "الحياتية" المعيشية والتخييلية للكاتب يمكنها أن تلعب دوراً حاسماً في تقديم نص ابداعي زاخر بالحس الصادق والبعد الوجداني العميق. بمعنى ما يراه الكاتب في مرحلته وما يعانيه يمكن تسخيره في خدمة نصه الابداعي. لماذا الكتابة عن نار لم تحرق أصابعك؟ لماذا لم تكتب حتى الآن عملاً مستمداً من سيرتك الشخصية؟

ج8: ذكرت في أجوبتي السابقة بأنني أميل إلى الكتابة عن زمن مضى على أن لا يكون أبعد من قرننا الحالي. ولكنك إذا نظرت إلى تجربتي المعيشية فإنك لن ترى فيها مادة لرواية. لقد عشت حياة مخططة ومنظمة بطريقة صارمة. حياتي جافة إلى أبعد حد. أنا بصراحة لا أحب الطريقة التي أعيش فيها وليس بيدي تغييرها، وعوضاً عن تغييرها أجد من الأفضل أن أتخيلها بطريقة أخرى. من أجل ذلك أكتب الأدب، ومن أجل ذلك أيضاً استمر في العيش. تصور حالة كوني لا أحب نمط حياتي وليس بإمكاني تغييره وفي نفس الوقت لا أملك امكانية الكتابة. هذا شيء فظيع. لذلك أنا مرتاح الآن لأنني أكتب وأحتفظ بروتين حياتي المريح ولكن المُمل حتى الموت.

ان حياتي لا قيمة أدبية لها إن أنا لم أتخيلها وأحرّفها. ليس فيها عقدة أو مغامرة أو موقف ميلودرامي. ولكن تبقى بعض المواقف العالقة في ذاكرتي والتي تصنع ذلك الحنين إلى ذلك الماضي. تبقى مغامرات جدي وحياة أبي السياسية وآلاف الصور التي أختزنها في ذهني ومئات الأشخاص الذين عرفتهم في طفولتي. لقد كتبتها موزعة في كل أعمالي، ولكنها ليست كاملة بشكل اكتبها كرواية سيرة. فمثلاً، كنت شاهداً لحالة الشارع في عامي 1956 و 1957 فثبتها في خان الحرير. من سيهتم لرواية سيرتي المملة؟ وفي الحقيقة فإنني أكره الملل، من أجل ذلك أحب ان تكون لرواياتي سحرها وتشويقها الخاصين وهذا في حد ذاته تعويض عن الملل الذي أعيش فيه. ان ذلك الشخص الذي يلعب الشطرنج في رياح الشمال والدامة في مسلسل الثريا هو جدي "وحيد"، بينما قمت بوصف المنزول (وهو بيت العاهرات في حلب) في روايتي الكوميديا الفلاحية كما انطبع في ذهني بعد زيارتي له عدة مرات في مراهقتي.

س9: على صعيد التقنية الروائية لم تستقر على ملامح محددة لتؤسس لتجربة روائية لها سمات تقنية محددة، وكأن البحث في حيثيات الموضوع في النص الروائي يحضر بكثافة لصالح تغييب الانشغال بالتكنيك الروائي. أخص بالذكر – رياح الشمال – المكتوبة على طريقة الروايات التاريخية "التقليدية" من حيث طريقة السرد والبنية والفضاء واللغة… ومن ثم "الكوميديا الفلاحية" و "حالة شغف" المتكئة على تقنية (الحكاية ضمن الحكاية) التي تعود بجذورها إلى ألف ليلة وليلة. ألا ترى ان التأسيس لتجربة متفردة بحاجة إلى بحث تكنيكي متفرد؟

ج9: لا أعتقد ذلك، فليس من الضروري ان يكتب الكاتب صاحب التجربة المتفردة روايات بتقنية واحدة. ان ذلك سيجعله يكرر نفسه. ان مشكلتي، وأعتقد انها مشكلة أكثر الكتاب، هي في صياغة الجملة الأولى لكل رواية جديدة. قد أجد الموضوع الذي اريد الكتابة عنه، وفي كثير من الأحيان يتلخص بصفحة من البحث النظري، وأحدد الزمان وبعض الشخصيات بشكل مسبق، ولكن يبقى موضوع الجملة واسلوبها وطريقة السرد. ان أهم شيء يجب تحديده من أجل خروج الرواية إلى النور هو الاسلوب. ان لكل رواية اسلوباً خاصاً، أو الشكل المتميز الذي ستخرج به إلى الحياة. قبل ذلك، وفي ذهن الكاتب، لا وجود لرواية. ان الأسلوب هو الشكل أو الجسد الذي ستوجد فيه في هذا العالم وإلا فإنها لن تكون أكثر من فكرة، أو بعض الصور. لقد عملت على رواية حالة شغف أكثر من اربع سنوات. قابلت معظم خوجات الأفراح والمغنيات والراقصات. كنت أسجل ولا أعرف كيف سيخرج إلى النور كل هذه المعلومات. وفي الحقيقة فقد جمعت معلومات أكثر من تلك التي ظهرت في الرواية عن الطرب النسائي وبنات العشرة. وأريد هنا أن أسجل شكري إلى فرع نقابة الفنانين في حلب وخاصة إلى الأخ الفنان غسان ذهبي على مساعدته القيمة لي في تحديد من علي أن أقابل، كيف وأين. كما ساعدني العلامة الموسيقي الدكتور سعد الله آغة القلعة فقدم لي معلومات قيمة فيما يتعلق بالأغاني الدارجة في الثلاثينيات والدكتور سمير قدسية الذي أفادني كثيراً في الأمور المتعلقة ببعض النباتات. كانت مشكلتي تكمن في كيف سأكتب الرواية وبأي اسلوب. كتبت البداية عدة مرات ومزقتها، وعندما وجدته، وأقصد الاسلوب، تشكلت الرواية كلها في ذهني وبدأت بسكبها على الورق وانتهيت منها في ستة اشهر.

أعود فأقول، ان الرواية تتوحد مع اسلوبها، وعليها هي ان تحدده حتى لو ظهرت كل رواية من روايات الكاتب باسلوب جديد.

س10: تشكل البيئة الحلبية العمود الفقري لتجربتك الروائية ابتداءً من "حي البنقسلي" في (السرطان) وانتهاءً بـ "حي الفرافرة" في (حالة شغف). ما سر هذا الالتصاق الحميمي بهذه البيئة "المغلقة" والغوص في أعماقها؟ إذ ان عنصر البيئة إلى جانب كونه عامل ثراء للنص الروائي فانه قد يصبح وبالاً عليه. ألا ترى ان الاغراق في التفاصيل البيئية الجزئية قد تحد من تأثير النص الروائي، وتؤثر – سلباً – على اتساع حقل دلالاته بانغلاقه على نفسه من جهة. وقد تؤثر في مستوى التواصل الروحي مع من لا ينتمي إلى هذه البيئة؟

ج10: على العكس، انني أقول باستمرار ان المدينة تكتب تاريخها عبر الرواية. ان المشكلة التي واجهت الرواية العربية في الريف هي الرتابة وقلة الاختلاف بينما الرواية تسعى إلى رصد التنوع وهذا ما وجدتهفي المدينة. الرواية تتوقف عن النمو في جو الرتابة بينما تتطور في الاختلاف والتنوع. ان المدينة موزاييك واسع وكل قطعة منه تشكل لوحة، تشكل اختلافاً عن القطع الأخرى. ان تصوير ذلك يحتاج إلى الغوص بشكل صحيح في عالم المدينة لالتقاط التنوع. بيئة المدينة ليست بيئة مغلقة كما تسميها. ليست بيئة محدودة. بيئة الريف هي المحدودة بينما بيئة المدينة أكثر تعقيداً ولا يمكن الامساك بها برواية واحدة أو عشر روايات. قد تكون بيئة المدينة مغلقة بمعنى انه من الصعب الامساك بها والاحاطة بعالمها بعدد محدد من النصوص. كما انها تحتاج إلى غوّاص حقيقي كما هو البحر.

لنعد إلى المقولة التي ذكرتها في بداية جوابي هذا. أقصد بها ان المدينة تحتاج إلى الرواية لتقدم بيئتها إلى العالم. لو كان افتراضك صحيحاً لما كنا تذوقنا الأدب العالمي وخاصة الفرنسي الذي اهتم ببيئة باريس. أما الأعمال التي تفتقر إلى البيئة فإنها تقطع التواصل الروحي مع المتلقي وهذا ما يحصل بالفعل مع بعض الأعمال الروائية السورية مثل أعمال نبيل سليمان الذي كتب عن دمشق وهو لم يعش فيها إلا زائراً فلا يمكنك ان تلتقط في أعماله تلك الحميمية الرائعة الموجودة في روايات فواز حداد أو خيري الذهبي.

س11: ارتبط خط سير الرواية السورية بأسماء معدودة غطت مراحل متعددة تمتد من الستينات. فيما بعد، ظهرت تجارب روائية كثيرة. هل يمكننا رسم سياق خاص لتطور الرواية السورية خلال العقود المنصرمة؟ أم ان التجارب الفردية لهذه الاسماء، ضمن خصوصية كل تجربة، استطاعت أن تشكل نقاط ضوء مبعثرة في مشهد الرواية السورية الذي يغطيه ظلام النقد المنهجي والموضوعي وغيابه الدائم عن المتابعة الجادة؟

ج11: انت تلمس الجرح بشكل مباشر. لقد غاب النقد الذي واكب فورة الأدب في سورية منذ الخمسينيات وحتى نهاية الثمانينيات. غاب عن النقد عبد الرزاق عيد وجمال باروت ومحي الدين صبحي وخلدون الشمعة وغيرهم كثيرون من الاساتذة الكبار. لم نعد نقرأ سوى مطالعات كيدية في الصحف أو مطالعات متواطئة. في احدى الجلسات قال عبد السلام العجيلي اشتمونا ولكن اكتبوا عن أعمالنا. لقد توقفوا عن الكتابة ولكن بقيت الشتائم. تصور ان أحد نقادنا الكبار صار همه ان يحصي الأغلاط المطبعية حين يكتب عن روايات غيره بينما يتنبأ الخلود لرواياته. ان (ناقد) اليوم يشاركك في كتابة الأدب فيسعى إلى إلغائك أو الاساءة إلى أعمالك. ان هؤلاء النقاد – الروائيين يسببون لزملائهم مآس رهيبة. انهم يفضلون كما يقول الحلبيون (ان يكونوا ديوكاً ولو على مزابل) عوضاً عن ان يعملوا في ساحة منافسة شريفة.

لقد تعلمنا الكتابة على ايدي حنا مينة وحيدر حيدر وهاني الراهب وفارس زرزور وغيرهم. لقد كان هؤلاء أساتذة حقيقيين جعلونا نشكل استمراراً لهم وبالتالي يتم رسم سياق خاص للرواية السورية من سلف إلى خلف. هناك من يرفض مفهوم النسق ويعتبر أعماله منتهى الرواية السورية رغم اننا لم نقرأ له رواية بمستوى "وليمة لأعشاب البحر" أو "الوباء".

س12: كيف تقيم لنا تجربة جيلك من الروائيين السوريين؟ كيف تتناول تجربة هذا الجيل الذي يتأرجح بين جيل الرواد المؤسسين وبين الجيل الجديد الذي يحاول تأكيد مقترحاته وتطلعاته الفنية؟ ماذا يمكنك القول حول تجربتك – من الداخل – ضمن هذا السياق؟

ج12: ان ما يميز جيلنا من الروائيين هو انه يثبت اقدامه في الكتابة الروائية دون يد تقوده وتحنو عليه. ولا أعرف إذا كانت كلمة جيل تنطبق علينا نحن الذين كتبنا الرواية في الثمانينيات، فالمؤامرات تمزقنا وهناك من يريد تكرار ما جرى لهاني الراهب ولكن بأساليب أخرى وبتهم ملفقة تتعلق بالأدب وليس بالأفكار. إذن، فنحن نكتب في طقس غير سليم.

إن جيلنا يكتب في بيئة المدينة وهذه نقطة في صالحه. ابراهيم الخليل يكتب في الرقة وفواز حداد في دمشق وأنا كما تعلم أكتب في حلب وهيفاء بيطار تكتب في اللاذقية. اننا نتعامل مع الجيل الجديد بطريقة تختلف عن معاملة الجيل الأسبق لنا. انهم أصدقاؤنا. نقرأ لهم ونحب أعمالهم.

س13: ما من دراسات شاملة لتقييم حقيقة المشهد الروائي السوري الآن. ان افتقارنا إلى الدراسات النقدية التي تتناول التجارب الروائية الجديدة يدفعنا إلى التساؤل حول ما يجري الآن في هذا الجانب الهام من الكتابة الابداعية. كيف يتبدى لك هذا المشهد اليوم؟

ج13: لقد بدأت الرواية السورية الحديثة بداية جيدة مع حنا مينة وفارس زرزور، ولكنها سرعان ما أوقعت نفسها في مطبات عديدة لم يسلم منها سوى بعض الأعمال. فقد تحول عدد من كتاب القصة القصيرة إلى الرواية، وعوضاً عن ان يتخلوا عن عاداتهم القصصية كما فعل البعض ظلوا أمينين لها فكانت رواياتهم تفتقر إلى الروح الواحدة والبنيان الواحد المتين. هذا مرض موجود في روايتنا السورية. كما ان الناقد الذي يكتب الرواية حافظ على صرامة الجملة ونزوعه الذهني فخرجت جافة لا روح فيها. انه يحسب انه يكفي ان تكون الجملة الروائية صحيحة إملائياً ونحوياً وحسب. هذا خطأ، فأهم أمر في الرواية الحديثة هو لذة قراءتها. من لا يعتقد ذلك يضيف إلى الأميين عدداً آخر من الناس. الجملة في الرواية الحديثة بسيطة وسلسة وحميمة وغير متكلفة. كما ان عدداً كبيراً من الروايات السورية تفتقر إلى الحدث والتشويق. هناك روايات تكتفي بصنع الجو الروائي فقط لاغير وكأننا شعب لم نكتب يوماً ألف ليلة وليلة. أعتقد ان على الرواية ان تحكي قصة للناس. ان تبني شبكة علاقات بين شخصياتها في عالمها الروائي وتقودنا إلى متابعة قصص وحكايات، وأنا لا أفهم كيف نقدس أعمال نجيب محفوظ وغارسيا ماركيز وفي نفس الوقت نعتقد ان علينا أن لا نهتم بهذا الجانب؟

هناك مشكلة أخرى وقعت فيها الرواية السورية وهو سرد التاريخ السوري وتاريخ الانقلابات العسكرية، وقد سمعت أحد الروائيين يقول (إذا أردت ان تلم بالتاريخ السوري فعليك قراءة رواياتي). ان الرواية السورية الحديثة بدأت أخيراً تتلمس طريقها لتخرج من أزمتها. لقد فهمتْ ان قراءها ليسوا فقط مجموعة قليلة من المثقفين والكتاب، (طبعاً إذا استثنينا روايات حنا مينة) بل عليها ان تتوجه أيضاً إلى قراء الصحيفة اليومية وفي أحسن الأحوال إلى متابعي المسلسل التلفزيوني. علينا ان نعيد النظر في الرواية التي نكتبها. ان القارئ لا يحتاج إلى رصف أحداث عادية بل إلى اكتشافات في عالمه الذي يعيش فيه. يحتاج إلى رواية تجعله يسهر الليل لأنه لا يستطيع ان يتركها. رواية تدخل المتعة والفائدة إلى قلبه وعقله ويسرد ما فيها إلى زوجته وأصدقائه. رواية تتنقل النسخة الواحدة منها من يد ليد حتى تهترئ.

س14: ان الحوار مع نهاد سيريس يبدو ناقصاً إذا لم يتطرق إلى موضوع الدراما التلفزيونية. ففي الوقت الذي كنت تبني تجربتك الروائية بصمت، تحولت فجأة إلى كتابة الدراما التلفزيونية. ومن خلال (خان الحرير – الثريا) بدا صوتك عالياً إلى درجة التغطية على "صوتك الروائي". وقد وجدت بنفسي روايتك "السرطان" معلقة على واجهة احدى المكتبات في حلب وبعد صدورها بسنوات عديدة وقد كتب تحتها (صدر حديثاً… لكاتب خان الحرير) وكان ذلك المسلسل قد انتهى عرضه حديثاً - لهذه الحادثة دلالاتها بالطبع – فما السبب الذي يقف وراء هذه المفارقة؟ ما الدافع الأساسي للتحول إلى كتابة الدراما التلفزيونية؟

ج14: ان الدراما التلفزيونية مولود جديد دخل إلى حياتنا، وتكمن أهميتها في انها ذات شعبية كبيرة تفوق شعبية الكتاب. ربما كان ذلك بسبب أمية القراءة التي نلمسها كل يوم ولكن هذا حاصل والدراما مدخل مهم إلى عقل المشاهد وقلبه. الكتاب لا مبرر له بدون قارئ. والمهم أيضاً ان البلد كله قد يتحول إلى مشاهد لمسلسل تلفزيوني واحد. لقد وعيت إلى هذا الأمر في الوقت الذي كان يخجل فيه الكاتب من الاقتراب من التلفزيون ويتعامل معه بفوقية. غامرت ودخلت. كنت أحضر لكتابة رواية عن صناعة وتجارة النسيج في الخمسينيات وقد غامرت من أجلها ودخلت عالم التجارة لأحرق بها أصابعي كما تقول أنت. كنت أريد ان أعرف كيف يفكر التاجر وكيف يبيع ويشتري وكيف يقنع زبوناً. هل تعلم ان ابن السوق كما يقولون له طريقة محددة في الكلام؟ أردت أن أعرف كل شيء عن موضوعي هذا فدخلت السوق كتاجر وقد سبب لي ذلك خسارة مادية كبيرة نسبياً. هذا غير مهم، فليست هي المرة الأولى التي نخسر فيها من أجل ان نكتب. هيثم حقي هو الذي أقنعني ان أكتب الموضوع إياه للتلفزيون فقد كنت قد أطلعته عليه. أنا لم أكن أترفع على التلفزيون بل كنت أخاف من الكتاب الآخرين حين سيقولون انني تركت الأدب ولحقت بموضة التلفزيون. كان قد سبقني إلى هذا الطريق كل من الصديقين ممدوح عدوان وعبد النبي حجازي وكنت أستمع إلى ما يقال عنهما. ولكن ما إن نجحت تجربة خان الحرير حتى تنفست الصعداء فقد أصبح التلفزيون مشروعاً إلى جانب الكتاب. مع ذلك فأنا لم أهجر الرواية كما ظن البعض، فقد عدت فكتبت حالة شغف التي استقبلت بحفاوة كبيرة وهناك من يعتبرها واحدة من أجمل الروايات السورية.

س15: قرأت لك قصصاً متفرقة في الصحف والمجلات ومسرحية "بيت الألعاب" في ملحق الثورة الثقافي. كما عرض لك التلفزيون العربي السوري مؤخراً مسلسلاً للأطفال (قضية تمام)… هل تضيق الرواية بما تود ايصاله إلى الآخرين؟ ما الذي يدفعك إلى هذا التنوع في الكتابة الأدبية؟

ج15: يمكنك ان تقول انني امتهنت الكتابة، وعندما تتحول الكتابة من الهواية إلى الحرفة تصبح هاجساً يومياً. عليك ان تجلس لتكتب كل يوم في مواعيد معينة. والأفكار كثيرة كما تعلم وكل شكل من الأشكال الأدبية والفنية يغريك بتجريبه. اما الكتابة للأطفال فإنني اراها واجباً على كل كاتب. ان أطفالنا يشاهدون مسلسلات الكبار وهذا خطأ كبير. ان كتابتي للأطفال نوع من السعي لتصحيح هذا الخطأ واسعاد الطفل بما يحب.

* نشر هذا الحوار في مجلة "دراسات اشتراكية" - عدد خاص عن الرواية السورية المعاصرة - حزيران 2000