Print

كيفين كوستنر.. الراقص مع الذئاب

كيفين كوستنر اسم لامع في عالم السينما اليوم، فهو بالإضافة الى انه ممثل صعد بسرعة مذهلة، ولفت الانتباه اليه بأدائه المتميز والرائع، فقد جرب الإخراج والإنتاج ونجح فيهما نجاحآ باهرآ، أيضآ فحصل على أكثر من جائزة اوسكار لعام 1991 عن فيلمه الضخم " الرقص مع الذئاب"،  الذي أنتجه وأخرجه وقام ببطولته .

إلا أن أهم ما يميز كيفين كوستنر في أفلامه، هو توجهه الإنساني والسياسي العادل، وهذا طبعآ من النادر ملاحظته في السينما الأمريكية، التي أجبرتها المكارثية السياسية، لتكون بالضرورة ضد كل ماهو في صالح قضايا التحرر للشعوب، والعرب هم من أكثر المتضررين من هذه السياسة، فقد أظهرتهم السينما الأمريكية بأسوأ حال وأقرب إلى الهمج منهم إلى البشر، وطبعتهم بطابع الغدر والخيانة والإرهاب. والذي يلفت الانتباه حقآ،هوأن افلام كيفين كوستنر مشهورة بضخامتها وارتفاع كلفتها، كما أنها، من جانب آخر، أفلام جيدة جدآ ومربحة لمنتجيها، وذات فنية عالية.

أهم شيء يجب معرفته قبل الانتقال إلى الحديث عن أفلامه، هو أن أبا كيفين كوستنر من أصول هندية وبالتحديد من هنود قبيلة الشيروكي، التي أبيد معظمها على أيدي المستوطنين البيض المغامرين، الذين غزوا أراضي الهنود واستولوا عليها، وأبادوا الملايين من سكان الأرض الأصليين، وقضوا على ثقافتهم.

ــ فيلم " الرقص مع الذئاب " :

قام كوستنر بدور الملازم "دنبار" في فيلم " الرقص مع الذئاب " ، المأخوذ عن رواية بنفس الأسم للكاتب الأمريكي " مايكل بلاك ". وقصة هذا الملازم الشجاع واللطيف هي أنه قام ببطولة ما، أثناء حرب الشمال والجنوب، وهو لم يقصد ذلك طبعآ، فكوفئ بأن نقل إلى حصن للبيض على مشارف أراضي الهنود، حسب طلبه، وعندما انتقل إلى هناك وجد أن الحصن فارغ وأن الحامية قد هربت خوفآ من الهنود. يقوم الملازم دنبار بإقامة علاقة مع قبيلة " السو " الهندية، وهو يحسب أنه يقوم بواجبه الوطني في إرساء حجر التفاهم بين البيض والهنود. لقد أظهر الهنود كبشر عاديين، بل شجعان، يعشقون الحياة ويتمنون أن يتفاهموا يومآ مع البيض القادمين باطراد، لسلبهم أرضهم والقضاء على قطعان البوفالو العزيزة عليهم. الهنود في " الرقص مع الذئاب " يحبون الحياة، يعشقون، ويموتون في الدفاع عن الشرف ويستميتون في الذود عن أرض آبائهم وأجدادهم. بدأت العلاقة بين الملازم دنبار وبين الهنود بحذر شديد، فكلا الطرفان كان يخاف الآخر، تمامآ مثل العلاقة التي قامت بينه وبين ذئب بري، الذي سرعان مااستكان للملازم وبدأ يلتقط الطعام من يده، حتى أن الملازم والذئب أصبحا أصدقاء وصار الذئب، بطريقة ما، ينبه الملازم للأخطار المحدقة به، وبلقطة فنية رائعة، رقص الإثنان معآ فسموه الهنود حينها "بالراقص مع الذئاب ".

كان التشبيه والمقابلة رائعين بين الذئب من جهة، وبين الهنود من جهة أخرى، فقد أقام الملازم دنبار علاقة صداقة وحب مع الهنود ( الذئب ) في حين كانت الدعوات تطلق من أجل القضاء عليهم وإبادتهم بحجة أنهم متوحشون . وعندما وصل البيض إلى الحصن، واكتشفوا ما كان الملازم دنبار يقوم به، اتهموه بالخيانة الوطنية، وأظهرهم الفيلم كمتوحشين أشرار.

قامت " ماري ماكدونالد " بدور المرأة البيضاء التي احتضنها الهنود وأطلقوا عليها اسم " المنتصبة مثل القبضة " . لقد أحبت المرأة الملازم دنبار وبارك الهنود هذا الحب وقاموا بتزويجهما واحتضانهما معآ بعد معركة دارت بين الهنود والبيض، لإنقاذ الملازم من الأسر ومحاكمته بتهمة خيانة الولايات المتحدة الأمريكية، لالشيء إلا لأنه أراد التعايش مع الهنود الحمر وعدم القيام بإبادتهم.

كل من شاهد الفيلم صفق، في نهايته، لانتصار الهنود على الجنود البيض المتوحشين. ولكن، ألا يذكركم الفيلم

بالقضية الفلسطينية، وهل ياترى، لدى كيفين كوستنر، رأيآ مماثلآ عن العرب...؟

ـــ " روبن هود " :

يستمد هذا الفيلم حكايته من الأسطورة الإنكليزية الشهيرة عن قاطع الطريق المحبوب روبن هود، المدافع العنيد عن الفقراء والمساكين، ولكن مع تعديل بسيط. فقد ترك البطل الشاب، ابن العائلة الأرستقراطية، منزل والديه ليلتحق بجيش " ريتشارد قلب الأسد " ، ليشترك، أيضآ تطوعآ، في الحروب الصليبية. وفي الأراضي المقدسة يكتشف زيف هذه الحروب فيسجن انتظارآ لمحاكمته بتهمة الخيانة. وفي السجن يتعرف البطل على أسير عربي مسلم ويدافع عنه وينقذ حياته من بطش الجنود الصليبيين، ومن ثم يستطيع الإثنان الهرب من السجن، ويقرر العربي السفر مع منقذه الإنكليزي إلى دياره البعيدة. كان العربي يعرب باستمرار، عن امتنانه لصديقه، ويرفض الابتعاد عنه لأنه يريد أن يرد له الجميل يومآ، فينقذه بدوره من الموت.

يسافر الصديقان إلى انكلترا، وهناك يكتشفان أن والدي البطل قد توفيا، وأن أحد الأقرباء قد وضع يده على كل أملاك البطل، الذي هو الوريث الشرعي لوالديه، هنا تبدأ مغامرة روبن هود المعروفة، فيتعرف على جماعة من الفقراء فيقودهم في الإغارة على أملاك الأغنياء، ومن ثم يقوم بتوزيع المغانم على المحتاجين، حتى يستطيع في النهاية استرجاع أملاكه من مغتصبها وبمساعدة صديقه العربي. لقد وفى العربي بعهده وأنقذ صديقه من الموت الأكيد، مرات عديدة، وهكذا ينتهي الفيلم والعربي يقول لصديقه، ألم تر لقد رددت لك الجميل...!!

لقد أظهر الفيلم الحروب الصليبية كحروب غير عادلة، ورفع عنها قدسيتها المذيفة، كما أظهر العربي كإنسان ودود وشجاع، يحفظ المعروف وغير غدار، لا كما اعتادت أفلام غربية مشبوهة على تصويره ببشاعة. لقد وقع روبن هود في ضيم شديد، وشعر أنه هالك لامحالة، ولم يكن هناك من أمل في انقاذ نفسه، وفجأة يظهر الصديق العربي المخلص ليرد الدين لصديقه الإفرنجي....

ـــ فيلم " ج ف ك " :

الفيلم الثالث لكيفين كوستنر هو فيلم " ج ف ك " ، أو " جون فيتزجيرالد كينيدي ". وهذا الفيلم من اخراج   المخرج الأميريكي الممتاز " أوليفر ستون "، صاحب فيلم " الكتيبة " ، الذي أدان فيه "ستون" الحرب الفييتنامية وأظهر بشاعتها، وصور بشكل مثير للإعجاب عنفها، وضآلة وهلع الأمريكي في أدغال الهند الصينية. هنا، في هذا الفيلم، يجتمع الإثنان ليدينا من جديد، تورط الولايات المتحدة الأمريكية في حرب الفييتنام، وليسلطا الضوء على كثير من الاسرار التي صاحبت التورط الأميريكي في هذه الحرب، وارتباط أصحاب القرار السياسي بالإحتكارات الصناعية العسكرية، التي وجدت أنه من صالحها الانخراط في هذه الحرب لتجني الأرباح الطائلة، على حساب ( دافع الضرائب الأمريكي ).

لقد جاء الفيلم بقراءة جديدة وجريئة لحدث طالما شغل الناس في أمريكا وخارجها على السواء ألا وهو اغتيال الرئيس الأمريكي السابق جون كينيدي. وكل من شاهده لمس جديته وفنيته العالية، فقد اعتمد على الحركة السريعة للكاميرا ، وعلى ديناميكية عالية في تدفق الأحداث ومتابعتها، وتداخل الأرشيف مع الفيلم بصورة بارعة جدآ، وأخيرآ على سيل من الحوار الذكي الذي يجعل المشاهد ينشد إلى الشاشة، لاينفك عنها إلا بعد نهاية الفيلم. إنه من أبرع ما أخرجه " أوليفر ستون " ، أما كيفين كوستنر فقد أثبت، بلا أي شك، في هذا الفيلم، أنه من أعظم الممثلين في وقتنا الحاضر.

يتم اغتيال الرئيس كينيدي في مدينة دالاس، ويقوم قاضي التحقيق في المدينة، قام بالدور كوستنر، بالتحقيق في الاغتيال. توجهت أصابع الاتهام نحو "أوزوالد"، وتم توجيه المحقق بواسطة لعبة ذكية من بعض الأوساط نحو هذا المتهم. كان أوزوالد مرتبطآ بجهاز "السي آي إيه" وبجماعة من المهاجرين الكوبيين، هذه الجماعة كانت تكره كينيدي لأنه وقف في طريقهم ومنعهم من الاستمرار في محاربة كوبا، بسبب الاتفاق الشهير بين موسكو وواشنطن بعد أزمة " خليج الخنازير ". إلا أن المحقق يصطدم بحقائق مغايرة تمامآ، فأوزوالد ليس له علاقة بعملية الاغتيال، وتم اتخاذ الكوبيين كذريعة وتغطية، والذي أطلق النار على كينيدي ليس شخصآ واحدآ، كما كان يظن والمفروض أنه أوزوالد، بل عديدآ من الأشخاص قاموا بالتصويب على الرئيس وأطلقوا النار من ثلاثة أمكنة وفي وقت واحد، وأن كثيرآ من إفادات الشهود قد أختفت، وأنه قد دبر مقتل أوزوالد على يد "جاك روبي" للتخلص من انسان بريء قد يكشف المؤامرة كلها، وأن هناك من يحاول إيقافه عن متابعة التحقيق بسبب احتمال توصله إلى حقيقة ما جرى.

يوقف المحقق عن التحقيق، إلا أن هذا الانسان النظيف والشجاع، يستمر في جمع الحقائق حتى يتوصل إلى الهدف الحقيقي للاغتيال، والجهة التي قامت بذلك.

كان السبب في اغتيال كينيدي هو ابعاده بعد ان قرر نهائيآ إيقاف الحرب الفييتنامية، وايقاف تورط أمريكا فيها. من له المصلحة الأساسية في ذلك ؟ إنه المجمع الصناعي العسكري. من صمم العملية وأشرف على تنفيذها ؟ إنها السي آي إيه... من قام بها ؟ إنهم العملاء الكوبيون.

وطبعآ يفشل المحقق في ادانة الجرمين الحقيقيين، لأنهم ما يزالون في موقع القرار، ومع ذلك فقد أحدث الفيلم ضجة هائلة في الولايات المتحدة، فتم للمحقق ماأراده، عندما أدان الفيلم الجريمة ودوافعها وأغراضها.

هذا هو كيفين كوستنر، الفنان الذي يجعل من الفن رسالة ووسيلة للدفاع عن العدالة والإنسانية والحقيقة، الفنان الذي يسخر الفن السينمائي الخطير ليشير إلى المجرم على أنه مجرم، وإلى الضحية على أنها ضحية، ولايخلط، عن عمد، بين الإثنين.