Print

الاستشراق

في عام 1963 نشر أنور عبد الملك مقالة بعنوان " الاستشراق في أزمة " أحدثت ضجة واسعة في صفوف علماء الاستشراق الغربيين حتى انها أخرجت بعض العلماء عن صمتهم الذي اعتادوا عليه فنشروا ردوداً على هذه المقالة التي تصف الاستشراق انه في أزمة أخلاقية بسبب صلة هذا العلم بالحملات الاستعمارية التي قام بها الغرب في دول الشرق.

ثم نشر ادوار سعيد كتابه الشهير "الاستشراق" عام 1978 ومنذ ذلك الوقت تستعر المجابهة بين الدارسين والعلماء الشرقيين من جهة وبين علماء الاستشراق من جهة أخرى. وبينما كانت ردود المستشرقين على مقالة أنور عبد الملك متعالية ويجري فيها التساؤل عن البديل الشرقي للدراسات الاستشراقية وان العلماء العرب والمسلمين لا يمتلكون المنهجية العلمية اللازمة لدراسة تاريخهم ومجتمعاتهم (كما هو عليه الغرب كما يقولون) فقد تحولوا (أي علماء الاستشراق) إلى موقف الدفاع عن علمهم بعد كتاب ادوار سعيد.

ويعتبر مكسيم رودنسون واحداً من أهم المستشرقين الغربيين وهو معروف جيداً في بلادنا. لقد لفت انتباهي بحث له بعنوان " وضع الاستشراق المختص بالإسلاميات: مكتسباته ومشاكله" قام بترجمته هاشم صالح ونشره في كتابه "الاستشراق بين دعاته ومعارضيه" وفيه نرى رودنسون يعدد الجهود الكبيرة التي قام بها المستشرقون الكلاسيكيون حتى تمكن علم الاستشراق من الوصول إلى ما هو عليه الآن.

فبينما كان علم التاريخ الأوروبي يكتفي بدراسة الحضارتين الإغريقية والرومانية جاء عصر التنوير ليضم الى هاتين الحضارتين كلاً من الحضارة العربية الاسلامية والحضارة الصينية ليوسع من أفق دراساته الانسانية، بعد ان كان هذا العلم يحتقر الشعوب الأخرى غير الأوروبية، كبداية لتأسيس علم الاستشراق. لقد قام الأوروبيون بعمل كبير وجبار، حسب رودونسون، في اكتشاف ودراسة تاريخ الحضارة العربية الاسلامية فأرسل العلماء، الذين كانوا في معظمهم آنذاك من العلماء اللغويين فجمعوا المخطوطات العربية ثم قاموا بتصنيفها وفهرستها وترجمتها وإزالة الغبار عنها. اي ان المستشرقين الأوائل قاموا بعملية جمع كم هائل من المعلومات وتبوبيبها ومن ثم الانتقال ابتداءً من القرن التاسع عشر إلى دراسة هذه المعلومات والوصول إلى مرحلة التنظير.

نحن نعترف بقيمة الجهد الكبير الذي قام به المستشرقون في دراسة تاريخ الحضارة العربية الاسلامية، وكما يقول رودنسون فإن الهدف العلمي كان الدافع الأساس في هذه العملية، ولكنه يعترف، وهنا يلتقي بما ذهب اليه ادوار سعيد، بأن الأمر لم يكن يخلو من نزعة عنصرية أوروبية تجاه الشعوب المدروسة وبالتالي من نزعة مركزية أوروبية. ولكن الأهم في الأمر هو اعتراف رودنسون وغيره بأن الدول الأوروبية وحكوماتها لم تكتف بالدافع العلمي للمعلومات التي جمعها علماؤها عن بلاد الشرق بل انها استفادت منها لغزو هذه البلاد واستعمارها. لقد وجدت الدول الأوروبية في المعلومات والدراسات اللغوية والانتربولوجية والفقهية والفلسفية والأدبية وغيرها وبالتاريخ الوقائعي لبلاد الشرق مساعداً قوياً لها في بسط هيمنتها على هذه البلاد ونهب خيراتها طوال أكثر من قرن.

انهم في أزمة أخلاقية بينما نحن في حيرة من أمرنا تجاه أنشطتهم وجهودهم: بماذا يمكن أن نصف علماءهم الذين كانوا يأتوننا كرحالة، هل كانوا جواسيساً يجمعون المعلومات لحكوماتهم من أجل التحضير لاستعمار بلادنا أم نعتبرهم علماءً فنجلّ أعمالهم مثل " بوركهارت " الذي اكتشف مدينة البتراء وآثار أبي سمبل رغم انه، كما يقال، كان يعمل لحساب حكومة صاحبة الجلالة؟

هل نكتفي بكوننا أمة ذات حضارة عريقة يجب دراسة تاريخها فحسب، أم اننا شعوب تتطلع أيضاً إلى احتلال مكانة لائقة في هذا العالم وتهتم بأن يكون لها غد أفضل ؟