Print

عنف الثقافة الريفية

يأخذ المنحى الذي أراده عقيل سعيد محفوض في رده على مصطفى الحسيني (السفير الثقافي 21/ 7) جانباً لطالما تردد في الأدبيات السياسية والثقافية في حسم النقاش حول قضية الريف - المدينة في مواجهة رأي يشكل محرماً لا يجب طرحه على النقاش ألا وهو قضية ترييف المدينة العربية. ولكن، هل البحث في هذا الموضوع يعتبر مساساً بقدسية الريف؟ ومن أين أتت هذه القدسية إن لم تكن عن طريق ذلك الريفي الذي تحول إلى قائد عسكري يجب تقديسه وتقديس الأرض التي أنبتته؟

لقد ارتبطت الديموقراطية على الدوام بالقوى المدينية (من المدينة) بينما ارتبطت عسكرة المجتمع بالريفيين الذين وجدوا في الانتساب إلى الجيش الطريقة المثلى والأسرع للارتقاء في السلم الاجتماعي ومن ثم السياسي. وللانتقال من العموميات إلى الحالة الأكثر خصوصية، سوف أركز على الحالة السورية التي أخطأ عقيل محفوض حين قال بما معناه ان القوى المدينية السورية أهملت الجيش ولم تهيئه لخوض الحرب العربية - الاسرائيلية عام 1948، فمن المعروف ان هذه الحرب نشبت ولم يمر على استقلال سورية سوى عامين اثنين. وفي الحقيقة فإن هذه الحرب قد وجهت إلى الحكم الديموقراطي المدني ضربة موجعة جعلت الناس في حالة انكسار وهزيمة بحيث استفاد منها حسني الزعيم ليقوم بانقلابه ومن ثم ليزيح الاحزاب (الفاسدة) عن الحكم مؤملاً الجماهير بأنه قدم لتحرير فلسطين فكسب عندئذ تأييد الشارع. ولكن الشعب لم يحصل إلا على (تناحرات) أخرى بين القادة العسكريين وانقلابات جديدة أدت إلى إضعاف الجيش أكثر فأكثر إلى ان عاد الحكم الديموقراطي المدني من جديد عام 1954. لقد تعودنا على خطاب سياسي غير موضوعي ومتحامل حين يتم الحديث عن (الصراعات الحزبية) في ظل صحافة حرة كانت تكتب عن تنافس الأحزاب السياسية بعضها مع بعض، في ذلك الوقت، في ظل شفافية يفتقر اليها الكثير من الدول العربية الآن، وما "الصراع على سورية" - حسب تعبير باتريك سيل - إلا انخراط القوى السياسية الديموقراطية التي لا يشك بوطنيتها في المعركة ضد الاحلاف العسكرية. لقد كوفئت هذه القوى فيما بعد بالحل والابعاد وربما بالتنكيل على يدي عسكر قادم من الريف يحمل أيضاً مشروعاً قومياً لا يشك بصدقه. وعندما عاد الحكم الديموقراطي المدني إلى السلطة عام 1961 لاحقته اللعنة نفسها التي لاحقت شكري القوتلي عام 1948 فأطلق عليه وصف "الانفصال" البغيض وأصبح كل من الديموقراطية والانفصال متلازمين مثلما كانت عليه الديموقراطية والعجز عن مواجهة اسرائيل.

لقد كان البطل في كلا الحالتين ذلك الريفي المسحوق اجتماعياً والذي لم يكن ينصفه نظام العلاقات الزراعية المتخلف. كان هذا النظام عرضة للنقد والمطالبة بالتغيير حتى في برلمان تلك الأحزاب "الفاسدة" ومن يعد إلى أرشيف تلك المرحلة (منتصف الخمسينيات) يلمس الرغبة في التحديث والتطوير ابتداء من مشروع تجفيف سهل الغاب إلى صفقات السلاح مع دول شرق أوروبا. لقد تعرضت القوى المدينية الهشة وقبل ان يشتد عودها وتبني مجتمعها المدني المنتظر إلى عدة ضربات أليمة في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات حولتها إلى جثة هامدة وجعلت مرتكزاتها الاقتصادية والثقافية تغادر البلد نهائياً. ومع ذلك، هناك من يشتكي حين يتم الحديث عن ترييف المدينة.

ان ترييف المدينة يعني في رأيي ازاحة القوى المدينية إلى غير رجعة من قبل الريفيين الذين لم يطرحوا مسالة المشاركة بين المدينة والريف كبديل عن هذه الحرب الشعواء. لم تكن القوى المدينية هي التي أعلنت حربها على القوى الريفية بل العكس هو الصحيح، فبينما كانت هذه القوى تعتمد على صوت الناخب (المديني والريفي) لتحكم، كان الريفي الذي ارتدى البزة العسكرية يؤمن بإخضاع الآخر ويضيق صدره من المجادلة (نفذ ثم اعترض). لقد اعتمد الريفي في الترييف على عسكرة المجتمع فقام بالغاء مؤسسات المجتمع المدني عوضاً عن ذوبانه فيها، هذه المؤسسات التي تضج بالحركة والنقاشات وتعلو فيها الأصوات التي تناقش بصوت عال أمور البلد ومستقبله ليجعل المجتمع سكونياً هادئاً هدوء القرية. الريفي لا يحب الاختلاف بالصوت ولا بالشكل فقد تعود ان يرى جمهرة معينة من الناس ككتلة متشابهة لا اختلاف فيها بالألوان مثل جمهور كرة القدم في الملاعب السعودية، ولذلك فإنه يبتكر اللباس الموحد في كل مراحل الدراسة ولو كان بيده لجعل الناس جميعاً يرتدون السفاري على الطريقة الماوية.

يفهم المثقف الريفي الديموقراطية على انها عودة القوى المدينية واستئثارها بالحكم. فزهير دياب وفي حوار على قناة الجزيرة يرد على مثل هذه الدعوات وبعد كل العقود التي مرت: لماذا يجب ان يكون الحكام من دمشق أو حلب؟ . إذن، فالمثقف الريفي هو الذي يطرح القضية على هذا النحو إما مديني أو ريفي، فالمجتمع المدني الذي تسعى إليه القوى المدينية لا يفرق بين مديني وريفي لأن مثل هذا المجتمع هو وعي وثقافة يمكن ان يتمتع بهما الجميع على اختلاف انتماءاتهم مثل سعد الله ونوس الذي جاء من الريف ولكنه كان واعياً لعمق الأمر ولم يقع في مطب التفريق وأصبح المجتمع المدني همه الشاغل. إذن، اين يكمن عنف الثقافة المدينية الذي يشتكي من وجوده عقيل سعيد محفوظ؟

منذ أربعين عاماً وثقافة الريف تحتل المشهد الثقافي. كان من المفترض على الثقافة ان تنشغل فقط بمسائل الريف حيث تحتل صورة الاقطاعي الذي بيده الكرباج مكان الصدارة. وبسبب عنف هذه الثقافة الريفية رحل نزار قباني وزكريا تامر وغادة السمان وغيرهم كثيرون. هناك مجموعة من المثقفين من ذوي الأصول الريفية امتنعوا عن الخوض في مثل هكذا عنف ضد أصحاب الثقافة المدينية ومنهم كما ذكرنا سعد الله ونوس. ولكن البعض الآخر استمرأ ذلك وجعل يذكرنا باستمرار بصورة ذلك الاقطاعي صاحب الكرباج حتى بدأنا نشك انه ربما كان يشغلنا بهذا عن ملاحظة تصرفات طبقة ما نبتت على أنقاض طبقة أخرى كانت تحمل على الأقل بعض القيم.

لقد شكل كتاب "الأدب والايديولوجيا" لنبيل سليمان وبو علي ياسين المثال الأهم لعنف ثقافة الريف ضد ثقافة المدينة وشكل أيضاً الإطار النظري الذهني لهذا العنف، في حين ان الطرف الضحية لم يكن يرغب سوى العيش والعمل بسلام حتى لو كان ذلك في المنفى، بينما تحولت الآداب الى نصوص لغوية مخاتلة تحتضن شعارات سياسية كانت صيغت لتردد من قبل "الجماهير". إلا ان أكثر الأمور استفزازاً في مقالة السيد عقيل سعيد محفوض يظهر حين يصف زحف الريف الى المدينة ببزة عسكرية بأنه لا يناقض كون المدينة مستكينة لبزة عسكرية أجنبية لفترة قاربت الألف عام (..) وحتى الاحتلال الاوروبي للمنطقة، وان الريف كان أول الثائرين ضدها. هذا الكلام يشوه بالطبع موقف قوى المدينة ابان الانتداب الفرنسي لسورية التي لعبت دوراً اساسياً في الصراع السياسي الكتلوي والشعبي وفي الاحتجاجات المدنية ضد البزة العسكرية الفرنسية بعد ان توقفت الثورات المسلحة عام 1927 والتي كانت فيها المدينة العمق الحيوي للريف الثائر، في حين استمر الصراع السياسي الذي قامت به وقادته الكتلة الوطنية في المدن حتى يوم الاستقلال. وطوال تلك المدة لم تكن البزة العسكرية الفرنسية مقبولة في الشارع الحلبي أو الدمشقي على الرغم من ان تلك البزة قد ارتداها الكثير من الريفيين الذين جندتهم فرنسا في سلك الدرك الذي أنشأته لقمع الحركة السياسية التي كانت تطالب بالاستقلال.

بقي ان نقول إن سيطرة الريف على المدينة قد فعل في سورية ما فعل والكل يرى كيف انهم في السلطة قد صحوا على فساد وخراب كبيرين في الاقتصاد والادارة والتعليم والقضاء وغيرها وبدأ التفكير الجدي في الاصلاح الذي لا نرى امكانية حقيقية له إلا بإعادة الاعتبار وتفعيل ما تبقى من القوى المدينية.

السفير الثقافي 28/7/2000