Print

مستر همفر

أعترف بأنني لم أكن أعلم شيئاً عن هذا الرجل الذي يكنى باسم (مستر همفر)، ولكنني منذ مدة رحت أهتم بأدب الرحلات وخاصة الأوروبية منها باتجاه الشرق، وذلك بعد ان انتهيت من جمع المادة اللازمة لروايتي (حالة شغف) وكتابتها، والتي من أجلها قابلت العشرات من مغنيات الأعراس والراقصات وبعض النسوة الجريئات من بنات العِشْرة.

اهتمامي هذا دفعني لقراءة كمٍ كبير من مذكرات الرحالة أو ما كتب عنهم ومن بينها (مذكرات مستر همفر ). وهذا الشخص كان يعمل موظفاً في وزارة المستعمرات البريطانية فأرسلته هذه إلى الآستانة عام 1710 ليتعلم اللغات التركية والعربية والفارسية، فمكث فيها سنتين تعلم خلالها تلك اللغات على أكمل وجه، ثم استدعي إلى لندن ليتلقى التعليمات الجديدة التي كان عليه ان ينفذها في رحلته التالية.

أما تلك التعليمات فإنها يمكن ان تختصر بكلمتين وهي ان عليه: أن يعرف.

كانت بريطانيا تتطلع إلى تركة (الرجل المريض) ولذلك فإنها كانت تبحث عن المعرفة بهذه السلطنة العثمانية التي أنهكها سلاطينها. لكي تحصل على شيء عليك ان تعرفه أولاً. عليك ان تعرف كل شيء عنه حتى ولو كان هذا الشيء تافهاً حسب اعتقادك أيها المستر همفر. ولكن أهم شيء كان على هذا الرحالة ان يعرفه هو أين يكمن نقطة ضعف الأمة الإسلامية؟

اجتمع مستر همفر مع أحد رؤسائه ليعطيه درساً في المعرفة. أخبره ان هناك نزاعات طبيعية بين البشر منذ ان خلق الله (هابيل وقابيل) وستبقى هذه النزاعات إلى يوم القيامة. فمن نزاعات لونية إلى قبلية الى إقليمية وقومية وأخيراً (وليس آخرا) الدينية. كانت مهمة مستر همفر، في سفرته الجديدة (إلى البصرة هذه المرة) ان يتعرف إلى هذه النزاعات بين المسلمين ويعرف اياً منها سيكون البركان المشرف على الانفجار، وان يزود وزارة المستعمرات بالمعلومات الدقيقة. قال له رئيسه وهو يودعه: (اجتهد بكل قواك في ان تجد الثغرة ثم عليك ان تدخلها).

ذهب الرجل إلى البصرة ومكث فيها ثلاث سنوات. عمل جهده من أجل ان يعرف كما علموه. ادعى انه جاء من أذربيجان وأطلق على نفسه اسماً عربياً وجعل يدرس الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمذهبية. حتى أنه درس الفقه الإسلامي وراح يناقش فيه العلماء المسلمين. أما في النهار فقد كان يعمل أجيراً عند أحد النجارين. لم يكن يفوته شيء. كان يعمل من أجل ان يعرف كل شيء عن أحوال العرب والمسلمين في بداية القرن الثامن عشر. كان يرسل (أبحاثه) إلى وزارته على شكل تقارير من مئات الصفحات. أما ما كان يضمنه في تقاريره تلك فلم يكن عن الأسلحة أو الجيوش أو القلاع. بل كان يسود الصفحات بمعارف عن أحوال البلد والناس والاقتصاد والحِرف والمذاهب واختلاف الناس فيها وعن الجغرافية والتاريخ الإسلامي إلى آخر ما هنالك من علوم يستطيع بها أن يفيد وزارة المستعمرات في بلاده.

وبفضل تلك المعارف التي جمعها وجد رؤساؤه الثغرة المشتهاة.

في البصرة استطاع مستر همفر ان يقنع محاوريه بسبب اعتماده على المعارف التي اكتسبها، فقد كان يدخل في جدالات طويلة مسنودة، وكان أيضاً يعتمد على امرأة جميلة أطلق عليها اسماً عربياً. أما أظرف ما كتب في مذكراته فهو عن أحد النجارين الذين عمل عندهم في الآستانة، فقد طلب منه هذا ان يمكّنه من نفسه فأبى وتهرب فطرده النجار فكتب إلى رؤسائه عن هذه الحادثة فجاءه الرد على شكل رسالة تأنيب: كان عليه أن يستجيب لرغبات معلمه النجار.

نتحول إلى كتاب (الاستشراق) لادوار سعيد الذي تحدث فيه مطولاً عن المعرفة والسلطة، المعرفة التي مكنت الغرب من السيطرة على الشرق. يقول ادوار سعيد في كتابه ملخصاً مقالة لكرومر عام 1908، والذي كان حاكماً لمصر لمدة خمس وعشرين سنة ما يلي: (ان المعرفة بالعروق المحكومة (كذا) أو الشرقيين هي التي تجعل حكمهم سهلاً ومجدياً، فالمعرفة تمنح القوة، ومزيد من القوة يتطلب مزيداً من المعرفة، وهكذا في حركة جدلية للمعلومات والسيطرة متنامية الأرباح - يقصد المكاسب - باستمرار)

على الطرف الآخر، أي عندنا، توجد مقولة نحفظها عن ظهر القلب ولا نطبقها. انها شعار: اعرف عدوك. وبما أن المعرفة تحتاج (للأسف) إلى جهد جبار فقد تناسيناها. ولنعد إلى صبيحة الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، فقد استلم مناضلونا الوطنيون الرومانسيون الحكم وأصبح أحد مفكرينا القوميين وزيراً للمعارف في أول حكومة وطنية بعد الاستقلال. كان متحمساً للثقافة الوطنية ومخلصاً لها فأصدر قراراً يلغي فيه تدريس اللغة الفرنسية (لغة الانتداب) لتلاميذ الصفوف الابتدائية.

وسنتابع الحديث عن المستر همفر في المرة القادمة.