Print

مدخل إلى الرواية التلفزيونية

هل الرواية التلفزيونية حقيقة أم اننا نطلق على المسلسل التلفزيوني اليومي هذه التسمية كي نرفع من سوية نصوصنا التي نكتبها، على الأقل، باطلاق التسميات الكبيرة على أشياء أقل منها أهمية؟

لا أعتقد اننا نتجرأ على ذلك إذا لم تكن لدينا أسباب تشابه الأسباب التي دعت المشتغلين بالفنون التلفزيونية لاطلاق تسمية "الدراما" على مسلسلاتهم مستعيرينها من المسرح ومن الرواية أيضاً، رغم اننا نسمع باستمرار من يعطينا دروساً عن المسرح الذي هو أعلى شأناً من التلفزيون الذي هو فن (منحط). أيضاً يقف السينمائيون موقفاً متعالياً من التلفزيون عبر عنهم السينمائي فاضل الكواكبي في مقال نشره في جريدة السفير، قرأ فيه بتعسف كل أعمالنا التلفزيونية وفق نظريات مخرجه المفضل " تاركوفسكي"، ثم يأتي الروائيون ليبذوا الجميع في تعاليهم لأنهم يقدمون فناً يدفع القارئ إلى التخيل ولا يقدم وجبة جاهزة تجعل ذهن المشاهد أقرب إلى الخمول، كما كانوا يدعون حين تم اختراع السينما وحتى الثلاثينات من قرننا حين اقتنع الجميع بعدها ان السينما هي كتابة بالصورة مثلما هي الرواية كتابة بالكلمة.

لا أفشي سراً إن اعترفت بأنني شعرت بالحرج الشديد من ردود فعل بعض الاصدقاء من الكتاب حين عرفوا بأنني كتبت للتلفزيون (كان ذلك في بداية التسعينات وقبل ان يعرض عملي على الشاشة). كنت أشعر كمن اقترف ذنباً، وأعتقد أن ممدوح عدوان وعبد النبي حجازي قد شعرا قبلي بمثل ذلك، وعندما سألني صديق من خارج القطر عما أكتب هذه الأيام أجبت، على استحياء، بأنني كتبت مؤخراً سيناريو لمسلسل تلفزيوني. وعوضاً عن ان يعطيني درساً في تدرجات الفن، رحب الرجل بالفكرة وراح يشرح لي أهمية هذه الخطوة. واقول هنا بأن أهمية الكتابة للتلفزيون هي في جعل الفن يتخلى عن برجه العاجي ويتحول إلى فن شعبي يخاطب شرائحاً واسعة من الناس.

إن الموقف من التلفزيون، لدى النخبة، يشابه موقف نخبة فيينا حين تقدم "جورج بيزيه" بأوبرا "كارمن" فقد اعتبرتها النخبة أوبرا الفضيحة، فلأول مرة يحضر مجتمع فيينا الراقي أوبرا ابطالها من الطبقة الشعبية الدنيا. لقد رفض أصحاب الأيدي اللامعة هذه الأوبرا التي استوحت موضوعها وشخصياتها واغانيها من جو مصنع للأحذية. لقد مات جورج بيزيه قهراً قبل ان يرى نجاح عمله منقطع النظير حين عرض في باريس امام جمهور أكثر ليبرالية، كان قد قطع شوطاً بعيداً في تقبل مثل هذا الانقلاب في الاقتراب من الطبقات الدنيا، سواء بالمواضيع أو بوسائل التوصيل.

وهذا بالضبط ما فعلته الرواية حين نسفت أسس الملحمة كأدب رفيع للطبقة الارستقراطية الأوروبية، وتركت بالتالي، مسافة بينها وبين فنون الأدب الشعبي الحكائي، وهو فن يعتمد على أمية الجماهير (حسب تعبير لسلي فيدلر الاستاذ في جامعة نيويورك في مقالته: موت الرواية وبعثها - انظر كتاب نظرية الرواية ترجمة محي الدين صبحي، منشورات وزارة الثقافة دمشق 1981) إن الرواية لا تنتسب إلى ما سبقها (لا إلى الملحمة ولا إلى الحكاية الشعبية) بل إلى ما لحقها من رسوم هزلية وكتب هزلية وسينما وتلفزيون، وهي مثل تلك الفنون شكل فني ينحو إلى الغاء الفارق بين ما هو أدبي وغير أدبي أو على الأقل تتحداه بطرق لا تسر المثقفين التقليديين، وذلك لأنها نتاج الثورة الصناعية وانتقال السلطة السياسية الذي أحل صورة أو أخرى من صور المجتمع الجماهيري محل الارستقراطية حسب تعبير فيدلر.

لقد دفع شيوع القراءة بين الجماهير الرواية لتصبح الفن الأكثر شعبية. ولكن لننتبه، فالأمر يختلف في بلادنا عنه في أوروبا، ففي حين يصدر يومياً عدد متزايد من الروايات وحتى تلك التي تتم قراءتها في مترو الأنفاق وعربات القطارات بين المدن هناك، فإننا نرى ان الرواية في بلادنا تجاهد من أجل الإبقاء على نوعية معينة تترفع بها علىالجماهير. لقد حاولت الرواية العربية ان تحتفظ بكم كبير من الأدبية والشعرية والترفع اللغوي لكي تبقى فناً نخبوياً، ما ساهم في الطلاق الحاصل بين الناس وبين قراءة الروايات. وهذا يفسر ابتعاد الناس (ولا أقصد المثقفين) عن قراءة ادوار الخراط مثلاً واقترابهم النسبي من يوسف السباعي، مثلما ابتعدوا عن قراءة أدونيس واقتربوا من نزار قباني في الشعر. ولا يقتصر الأمر على الأدبية والشعرية والترفع اللغوي بل يتعداها إلى الاسلوبية حين نرى كاتباً روائياً جاء من النقد الأدبي فعلقت به اسلوبية صياغة الجملة النقدية غير الشعبية والمفتقرة إلى متعة القراءة فكتب روايات يمكن ان يقتنيها المرء صدفة دون أن يقرأها ولا تحظى بأية جماهيرية حتى في أوساط المثقفين، بينما نرى كاتباً آخر يتفوق على الأول باسلوبه ولغته السلسين، والحد الأدنى من التكلف في رواياته.

لقد ذكرنا قبل قليل قول فيدلر بأن الرواية تنتمي إلى السينما والتلفزيون بالتوجه إلى الجماهير العريضة. هنا أريد أن أوضح ان الرواية تبنت اسلوب "عين الكاميرا" الذي تحدث عنه (ليونيل آيدل) في مقالته الرواية والكاميرا. انه رسم بالكلمات لعين كاميرا تتحرك وترصد. في كثير من الروايات نرى الراوي وهو يصف البطل يتجول في شارع ما. يصف الراوي ما يراه البطل وهو يتحرك: امرأة شابة، ولد يلعب، عجوز يقطع الشارع بحذر، بقالية ثم جزار ثم محل لبيع الألبسة ثم يركز الراوي البؤرة نحو مدخل بناية يدخله البطل ليصف لنا الدرج وربما الدرجات وربما الدرابزين الذي له شكل معين، وفي الطابق المحدد يصل البطل إلى باب احدى الشقق ولا بأس ان يصف لنا لون الباب وشكل الجرس الذي يقرعه الرجل ومن ثم تفتح الباب امرأة ترتدي ثوباً متكلفاً مزيناً بالدانتيلا الخ..

ان القارئ يجد متعة بالغة في متابعة حكاية يسرد فيها الراوي وقائعها بلغة قريبة وحميمة، مثلما يجد المتعة ذاتها في مشاهدة فيلم يسرد نفس الوقائع. ان المشاهد أو القارئ يجد المتعة في الاطلاع على حياة أناس آخرين، هم في حقيقة الأمر شخصيات متخيلة يهمه أمرهم. وفي حين يعتمد القارئ على مخيلته من أجل تحويل الكلمات إلى صور فإن المشاهد يتابع صوراً رسمها كاتب السيناريو بالكلمات كان هدفها تحديد اطار تخيل مخرج الفيلم الذي يمتلك موهبة تحويل ما يتخيله إلى شريط سينمائي. ان المتعة هي في متابعة الصور التي يرسمها الخيال عند القارئ وليست عملية التخييل بحد ذاتها. ان لكل انسان موهبة التخييل، ولكن ماذا عليه ان يتخيل؟ إن الكتاب الجيد هو الذي يشكل خيالاً جيداً في ذهن القارئ.

ولكن الأمر لا يتعلق برسم عالم ظاهري بحت حتى لو كان فائق الجمال. ان الفنون تعنى بما وراء الشكل، وقد اشتكى "ليونيل ايدل" من ان الرواية الامريكية الخفيفة تهتم بالظاهر، ترسم حركة ما بعين الكاميرا فحسب مثلما رسمنا ذلك في مثالنا السابق عن البطل الذي يسير في الشارع. لقد انحدر بعض الروايات إلى هذا المستوى بينما كان المطلوب ان تغوص في أعماق النفس الانسانية لتكشف العالم الداخلي للبطل ونسمع مونولوجه الضمني. واريد هنا أن أضرب مثالاً على ذلك عن امكانية الكلمات في وصف حالة فتاة تستعد للذهاب إلى أول لقاء غرامي حدده لها شاب لم تتعرف به جيداً بعد. أما من يعتقد بأن الكلمات فقط بامكانها فعل ذلك بجدارة فهو مخطئ، فكما ابتعدت الرواية عن التصوير الفوتوغرافي (الساكن) بالكلمات فقد قام الفن التشكيلي بثورته أيضاً، على هذا الصعيد، وراح يرصد عالم ما وراء الشكل، العالم الديناميكي. لقد رفض الفن التشكيلي ان يكون فوتوغرافياً بحتاً وبامكانه ان يرسم تلك الفتاة التي تستعد للقاء حبيبها بكل القلق والرغبة اللذين يعتملان فيها في تلك اللحظة.

أما الفيلم السينمائي فقد فعل ذلك بكل جدارة. لقد غاص الفيلم في أعماق الشخصية وبدأ يتلمس الهواجس الدقيقة والقلق وكل الحالات النفسية للبطل وعلاقاته الانسانية المختلفة مع الآخرين. بدأنا نرى قطرات عرقه باللقطات المكبرة ونسمع تلعثمه دون مسرحة. من هنا نستطيع ان نفهم الجانب الآخر من قول "لسلي فيدلر" السابق عن انتساب الرواية إلى السينما والتلفزيون، وعندما نسمع بعض السينمائيين (المخرجين المؤلفين) يتحدثون عن الكتابة بالصورة، عن التأليف بالصورة، فإن الحدود بين هذه الفنون (الرواية والسينما والتلفزيون) تصبح واهية وربما تسير إلى زوال.

عندما أراد بيتر بروك تقديم مسرحيته الكبيرة (المهابهاراتا) في البرودواي احتاج إلى مدة عرض تصل إلى التسع ساعات. وكلنا يعلم مقدار الارهاق الكبير الذي ينتظر الجمهور والممثلين من عرض بهذا الطول. ولكن بيتر بروك مضطر لذلك. ان الملحمة الهندية ضخمة بحد ذاتها ولايمكن الاستمرار باختصارها إلى ما لانهاية لتصبح في حدود المعقول كزمن عرض، وأنا أعتقد بأن المخرج قد قام بعملية الاختصار ومع ذلك قدم عرضه بهذا الطول. هذه المشكلة تواجه أيضاً كتاب السيناريو ومخرجي السينما أيضاً. انها مشكلة زمن العرض. لقد اعتاد قارئ الرواية على تجزئة قراءته لها إلى جلسات قد تمتد إلى عشرين أو ثلاثين جلسة لقراءة كامل الرواية. ولكن في السينما يكون المشاهد مضطراً لمتابعة الفيلم في جلسة واحدة، لهذا السبب يضيع كثير من أحداث الرواية وأجوائها وحواراتها بسبب الاختصار إذا ما حولت إلى فيلم سينمائي. كل من قرأ رواية "المريض الانكليزي" ثم حضر الفيلم لاحظ كيف ان صانعيه قد اختصروا الرواية وأجواءها وحواراتها. لقد كان الفيلم جيداً ولكن لو كانوا صوروا كماً أكبر من الرواية لكانت النتيجة أفضل. ولكن هل يمكن ذلك دون ارهاق المشاهد؟ مستحيل، ولهذا السبب نحن مقتنعون بالنتيجة رغم تردادنا بأن الرواية أفضل من الفيلم.

ولكن ماذا عن التلفزيون؟ انه يؤمن وقتاً مناسباً عبر تجزئة الفيلم إلى حلقات. وأنا هنا لن أناقش تماثل التقنيات بين السينما والتلفزيون (قضية الكاميرا المحمولة والفارق بين الفيلم الخام والفيديو واللغة السينمائية في التلفزيون وغيرها) لأن هذه الأمور قد نوقشت بشكل مستفيض وأعتقد بأنها حسمت ولم يتبق سوى تعالي السينمائيين غير الواقعي. ولكن يحق لجماعة المسلسل التلفزيوني ان يفخروا بأنهم يمتلكونأفضليات على الآخرين، فهم يمتلكون زمن العرض المديد وامكانية التواصل (لهم وللسينمائيين أيضاً) مع المشاهد عبر جهاز التلفزيون الموجود في كل بيت والذي يعفيهم من عرض أفلامهم في صالاتنا التي تفوح منها رائحة العفونة.

ان كل النظريات التي نقرأها اليوم عن التلفزيون الذي يعد فناً منحطاً هو هراء بحت، فالقضية في الاساس اقتصادية بحتة. وما داموا لم يحلوا حتى الآن مسألة استرداد قيمة البرامج التلفزيونية المعروضة على الجمهور فإن الأموال الموظفة في المسلسل التلفزيوني ستبقى محدودة وفي حدودها الدنيا، وبالتالي سنرى الكثير من الأعمال التلفزيونية المصنوعة على عجل تحتوي على ثقوب كثيرة. ولكن الأمر لا ينحصر في الأعمال التلفزيونية فحسب، فكم من الأفلام السينمائية الهابطة التي تنتج إلى جانب الأفلام الفنية عالية المستوى؟ كما أريد أن أتساءل عن الكم الهائل من الروايات التي تصدر في العالم والتي ليس لها أية قيمة تذكر، مثل روايات التسلية التي تباع في محطات القطارات الأوروبية ثم تترك بإهمال على المقاعد بعد قراءتها؟

هنا بالضبط نصل إلى بيت القصيد. فنحن نتابع يومياً أكثر من مسلسل تلفزيوني على شاشتنا الوطنية وعلى المحطات الفضائية وقد برزت الآن سورية كواحدة من أهم الدول المنتجة للمسلسل، كتابة وإخراجاً وانتاجاً وتمثيلاً. وقد أصبحت هذه الأعمال تتمتع بشعبية خاصة عند المشاهد العربي، واذا تركنا جانباً القضية المالية والميزانيات المحدودة لبعض الأعمال فإننا نلاحظ تفاوتاً كبيراً بين مسلسلاتنا من حيث النصوص أو الاخراج والتمثيل. نخرج من ذلك بأن واقع المسلسل التلفزيوني يشابه واقعي الرواية والفيلم السينمائي، لهذا يمكن اعتبار المسلسل التلفزيوني سرداً روائياً بالصورة (هذا لايعني الغاء الحوار) أي اننا يمكن ان نطلق على المسلسل اسم الرواية التلفزيونية إذا توفرت فيه بعض التقنيات التي طورتها الرواية الأدبية مثل الاهتمام بالعالم الداخلي للشخصيات واظهار ميولها وضعفها وقلقها وحالاتها النفسية وغيرها. كما أن على الرواية التلفزيونية ان تبني عالمها بدقة وفق نسق واحد على صعيد وحدة الزمان والمكان والبيئة واللغة والثقافة الشفوية والملابس والموسيقا وغيرها. أيضاً علىالرواية التلفزيونية ان تعنى بتعدد الأصوات وأن تطرح القضايا الفكرية والفلسفية والسياسية وغيرها من الأنشطة الانسانية.

ان الفارق بين المسلسل العادي والرواية التلفزيونية يتطابق مع الفارق بين أفلام المقاولات والأفلام الفنية ومع الفارق بين رواية التسلية التي تكلم عنها ليونيل آيدل وبين الرواية الأدبية الغنية.

جريدة تشرين 8/12/1998