Print

ذكريات أيام الراديو

1

المواظبة على متابعة نشرات الأخبار عادة قديمة ما أزال أتمسك بها. وقد أصبحت بالنسبة لي هاجساً يومياً كان قد تحكم بي وجعلني أسيراً لهذه العادة التي لا أستطيع الفكاك منها. لقد ولدت وترعرعت في أسرة تحب الاستماع الى نشرات الأخبار، فوالدي، رحمه الله، كان لا يفوت على نفسه تلك النشرات والى الآن أتذكر كيف كان يجلس الى جانب صندوق الراديو كبير الحجم ويروح يقلب الموجات باحثاً عن نشرات الأخبار في المحطات المختلفة. كانت لجهاز الراديو عين خضراء وكان عليه ان ينتظر نصف دقيقة حين يشعل الجهاز كي تكتمل خضرتها ثم يقوم بتحريك مفتاح انتقاء المحطات الى أرقام وأحرف مطبوعة على البلورة الأمامية ولا أزال أذكر أمكنة كل من محطة اذاعة صوت العرب واذاعة القاهرة ودمشق ولندن.

واذا بقينا في الذاكرة فإن لنشرات أخبار كل اذاعة سمة معينة تلازمها دائماً. لا يمكن نسيان شارة نشرة أخبار صوت العرب من القاهرة التي كانت ترفع الحماسة وتشحن النفوس بالنضال والمشاعر القومية. ثم كان هناك صوت احمد سعيد ولا أعرف إن كان حياً يرزق حتى الآن فأنا أتحدث عن الخمسينات من القرن الماضي. وعندما قام العدوان الثلاثي على مصر توقف والدي عن الذهاب الى عمله ليتابع أخبار المعارك وقد تحول البيت كله (رغم يفاعة الأولاد وانا منهم) الى متابع لأخبار الحرب وكانت شعورنا تقف رهبة حين كانوا يبثون أغنية "دع سمائي..". كان والدي يسهر الى ما بعد منتصف الليل وقد ألصق أذنه بقماش جهاز الراديو ليتمكن من الاستماع بشكل جيد دون ان يوقظنا وفي احدى الليالي وبينما كانت المعارك مستعرة في بور سعيد استيقظت لأجد والدي يبكي بسبب أخبار المعارك.

2

 

أما نشرات أخبار اذاعة دمشق فقد كانت هادئة ومتزنة في الأيام العادية ولكنها ما تلبث ان تبدأ باذاعة المارشات العسكرية بسبب كثرة الانقلابات العسكرية التي كانت تحدث في سورية. لقد اعتدنا على الاستيقاظ صباحاً للذهاب الى المدارس بينما تصدح أغاني فيروز في البرنامج اليومي "مرحباً أيها الصباح" الذي استمر طويلاً وأحبه الناس. كان البرنامج ينتهي في السابعة والربع أي تماماً عند موعد نشرة الأخبار. ولكن هذا البرنامج يغيب وتغيب معه فيروز في ايام الانقلابات وكل مارش عسكري يعني انقلاباً جديداً ويعني أيضاً بقاء والدي في البيت لمتابعة نشرات الأخبار التي ستتحدث عن الانقلاب وابطاله والبلاغات العسكرية التي كانت ترقّم من واحد الى ما شاء الله.. ثم ان الانقلابات العسكرية تجعلنا نحن الأولاد بدون مدارس وهذا يعني ان نشارك والدي في الاستماع الى نشرات الأخبار والمارشات التي تحل محل أغاني فيروز.

3

اذاعة لندن ودقات ساعة بيغ بن قبيل نشرات الأخبار من أكثر الاذاعات اثارة للأعصاب. كنا نسميها اذاعة الكوارث والمصائب فلم تكن تأتي إلا بأخبار الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية وتلك التي يصنعها الانسان لأخيه الانسان. ولا أعرف لم كنا نسميها هكذا فكل الاذاعات تنقل أخبار الحروب والكوارث ولكن يبدو ذلك بسبب اذاعة تلك الأخبار بصوت حيادي بارد بينما كان المذيعون في صوت العرب وفي غيرها من الاذاعات العربية يقومون بايصال تلك الأخبار الى أسماع مستمعيها بصوت نضالي مشحون بالتحدي. ولذلك كانت ردات فعلنا على الخبر الكارثي مختلفة من اذاعة الى أخرى وكانت حيادية اذاعة لندن تثير أعصابنا خاصة حينما يتعلق الخبر باحدى الدول العربية ويكون الضحايا من الأشقاء العرب.

4

في تلك الفترة أيضاً ترددت في بيتنا أصداء نشرات أخبار اذاعة أخرى لم يكن والدي يأبه لها في الماضي وقد تعلمت على الفور أين يجب أن تكون ابرة التوليف لايجادها فقد كان يُطلب مني في بعض الأحيان الذهاب لتبديل المحطة بحثاً عن نشرة أخبار أخرى. كانت هي اذاعة بغداد والمناسبة هي الانقلاب العسكري الذي قام به عبد الكريم قاسم وأدخل العراق في دوامة العنف. فبالاضافة الى نشرات الأخبار راح والدي ونحن معه نتابع وقائع المحاكمات العسكرية التي كانت تجري لأعداء زعماء الانقلاب الذي كان يسمى ثورة تموز. أثارت هذه المحاكمات اذاعة صوت العرب فراحت تشن حملة اذاعية على النظام في بغداد فكنا ننتقل من اذاعة صوت العرب الى اذاعة بغداد لمتابعة الموضوع بأوجهه المتعددة ولا أنسى هتافات الناس الحاضرين في قاعة المحكمة التي كانت تأتي منغّمة وبايقاع خاص: عاش الزعيم.. عبد الكريم. وبما أنني كنت طفلاً صغيراً فقد أثر فيّ السجع والايقاع فأصبحت من أتباع عبد الكريم قاسم وذلك الضابط رئيس المحكمة الذي كان اسمه (على ما أذكر) المهداوي ولم أكن أعي المصيبة التي كانت تحدث. ولكن نشرات الأخبار ما لبثت ان أتت بخبر انقلاب جديد في العراق كان ضحيته هذه المرة ذلك الزعيم عبد الكريم فعلمنا انه قتل وسحلت جثته في شوارع بغداد فتحولت عواطفي الطفولية فوراً الى الصوت الملتهب للمذيع الجديد الذي كان سعيداً بالحدث.

5

ولكن المذياع لم يكن يأتي بأخبار الحروب والانقلابات والكوارث فحسب، فقد كانت الأسرة على موعد أول يوم خميس من كل شهر للاستماع الى حفلة كوكب الشرق أم كلثوم. كنا نلتف حول ذلك الصندوق ذي العين الخضراء بلهفة وباستعداد لقضاء سهرة ممتعة حتى الفجر. كانت تغني ثلاث أغنيات واحدة منها جديدة بالضرورة، أما في الأيام التالية فقد كنا نحضر النقاشات التي كانت تدور بين الكبار حول أغنيات أم كلثوم التي غنتها يوم الخميس. بث حفلات أم كلثوم كان يأتي كاستراحة المحارب إذ ما يلبث المذياع أن يعود الى نشرات الأخبار والأغاني الحماسية واذاعة البيانات العسكرية.

أتابع الى اليوم نشرات الأخبار بكثافة فأنا ابن أبي وقد أورثني هو هذه العادة. ما زلت أتابع أخبار الحروب والكوارث والانقلابات. أخبار الفيضانات والحرائق وانقلاب القطارات. أخبار الانتفاضة وسقوط الحكومات ومشاهد الضحايا على التلفاز وأخبار مسلسل الانتخابات الأميركية. أصبح جزء كبير من يومي أخبار في أخبار.. أقضيه في قراءة الصحف في المكتب والاستماع الى نشرات الأخبار في السيارة ومشاهدتها على المحطات الفضائية في البيت. حتى أنني أتابعها على الانترنت، لا أتجول إلا في مواقع الصحف وصفحات التغطية الكاملة. أصبح العالم قرية صغيرة بل قل حارة صغيرة تستطيع ان تعرف فوراً ما يجري في زواياها على الفور وبشكل مباشر، إلا أن كل ذلك لا يرضيني.. فأنا لا أزال متعلقاً بذلك الصندوق ذي العين الخضراء الذي تعرفت بواسطته على نشرات الأخبار والمطربة فيروز.. وأم كلثوم.