Print

في الدفاع عن الكلام

لماذا يتوجب علينا باستمرار ان نجد انفسنا مضطرين للدافع عن المعرفة؟ لم أفكر منذ مدة ان علي ان أكتب هذه الأسطر في الدفاع عن الثقافة والمعرفة. نحن العرب نجاهد من أجل ان نجد لأنفسنا مكاناً مشرفاً في عالم اليوم الذي ان شئنا أم لم نشأ تلعب فيه المعرفة دوراً أساسياً. ان الحوار بين الحضارات والقوميات والأمم والأديان والمذاهب يحتاج إلى الكلمة، أي انه يحتاج إلى المعرفة وهذا هو الاسلوب الأكثر تحضراً في العام الأخير من القرن العشرين. ان من يستهتر بالكلمة وبالتالي بالمعرفة سينهزم لا محالة. سوف يتراجع ويضمحل ومن ثم سوف ينقرض. والعرب لن يقبلوا أن لا يعرفوا وسوف يجاهدون من أجل ان يعرفوا.

ان الآداب والفنون جميعاً أصبحت تنبني على المعرفة وليس فقط على الأحاسيس والمشاعر. لننظر إلى الرواية المعاصرة، انها عالم منسجم من المعارف بالدرجة الأولى.

اننا كروائيين نجند أنفسنا من أجل اكتساب المعارف ثم ننحت في الصخر الصلد من أجل وضعها في السياق الروائي لأعمالنا. ان الروائي موسوعة عصره والرواية في هذا العام الأخير من القرن أصبحت فعلاً ديوان العالم وسوف تهمل أي رواية لا يضع فيها كاتبها المعارف الجديدة أو المعاد احيائها. لننظر إلى رواية "المريض الانكليزي" على سبيل المثال، لقد قام كاتبها مايكل اونداتجي بشكر الجمعية الجغرافية الملكية في لندن لأنها سمحت له بالاطلاع على أرشيفها، وحسب ما قرأت في مكان ما أن اونداتجي قد أمضى أكثر من عام في قراءة الكم الكبير من أوراق هذا الأرشيف. هذا الأمر يستوي مع معظم الروايات العالمية المعروفة ولن ننسى رواية "ليون الأفريقي" لأمين معلوف ولا أيضاً روايته "سمرقند"، فكل هذه الروايات تحتوي على كم هائل من المعارف وهي روايات حديثة في عصر الصورة الذي يدعي البعض ان الكلمة قد انهزمت فيه.

ان الروائي يضع تلك المعارف في السرد والحوار. لقد خفت حدة الوصف في الآداب الحديثة لتحل محلها المعارف، ولذلك نستطيع ان نتصور أهمية الحوار في الرواية والمسرح والسينما والتلفزيون. ان الحوار ينقل لنا الصراع وينقل لنا المواقف والمعارف والميول والايديولوجيات. هل يمكن الغاء الحوار في (عصر الصورة) كما يدعي البعض؟ هذه جريمة والله..

دوستويفسكي كتب رواية الأبله شبه الحوارية. لقد قاد فيها حوارات مذهلة عن الانسان والله والعالم وتعتبر هذه الرواية من أهم انجازات القرن التاسع عشر الخالدة. منذ مدة شاهدت فيلماً رائعاً من تمثيل هنري فوندا ولا أذكر اسم المخرج وهو معروف. كان الفيلم بعنوان (اثنا عشر رجل غاضب) هذا إذا لم تخني الذاكرة. كان الفيلم يجري في غرفة في محكمة، وهاهم أعضاء لجنة المحلفين يتناقشون فيما إذا كان المجرم مجرماً ام لا. لقد تضمن الحوار كل حيثيات الجريمة وملابساتها وبنود القانون والصراع بين من يبرئ ومن يجرّم. وهناك مثال آخر وهو فيلم (ج ف ك) لكوبولا الذي استطاع صانعوه ان يقتحموا به قضية اغتيال كينيدي ويقلبوا المفاهيم السائدة حول هذه القضية بحوارات طويلة وشيقة.

اننا الآن في عصر الانترنت أي عصر المعلومات والمعارف. على ماذا يحصل المتجول في هذه الشبكة المعقدة..؟ على المعلومات طبعاً. لقد قرأت منذ ايام عن ان الانترنت أعادت للكتابة مجدها. تصوروا هذا الأمر. نعم، لقد أعادت الانترنت للكتابة مجدها لأن المشتركين فيها يجلسون امام أجهزة الكومبيوتر ليتراسلوا ويتناقشوا في كل الأمور. عاد الناس لكتابة الرسائل بعد ان الغاها الهاتف. وأي رسائل يكتب هؤلاء؟ تناقلت الصحف انه بعد هجوم حلف الأطلسي على يوغوسلافيا تم فتح موقع جديد باسم كوسوفو وراح آلاف المشتركين يتحاورون حول هذه الحرب. أي ان الناس يتخذون موقفاً ويتحاورون فيما بينهم.

ان المعارف هي روح هذا العصر، وكذلك الحوار والنقاش. وكما أشرنا فمن لا يعرف سينهزم.. وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟

في عصر الانحطاط الذي ابتليت به امتنا وامتد حتى سنوات متأخرة من القرن العشرين ابتعد أهلنا عن اكتساب المعارف. كان الشخص منهم يجلس ( ليصفن ) هل تعلمون معنى الصفن؟ حتى الآن تستخدم هذه الكلمة بكثرة للدعابة. معناها ان الشخص ينظر إلى شيء ما طويلاً ولا يفعل شيئاً. لا يقرأ ولا يسمع. تحسبه يفكر ولكنه حتى لا يفكر. في أغلب الأحيان يجلس هذا الشخص في مكان يشرف على شيء ما ويروح يصفن. انهم يريدوننا هكذا. شعب يصفن هكذا امام أشياء جميلة فحسب لأننا نعيش في عصر الصورة.

لقد اخترع الغرب الصورة ولكنه لم يلغ الكلمة فما يزال في البدء الكلمة. ولأنه لم يلغ الكلمة فإنه يعمق معارفه باطراد، يعمق معارفه ومواقفه المختلفة ويصنع الفلسفات والأيديولوجيات واختلاف الآراء. والمعارف هي التي أدت به إلى اختراع كاميرا الفيديو التي يصنع بها نجدت أنزور مسلسلاته التي تقدس الصورة وتبتذل الكلمة والمعارف والمواقف والتاريخ والجغرافية وربما العلوم أيضاً.

الذي أثارني ودفعني إلى الكتابة تصريحات مخرجنا اللامع التي انهالت علينا كالسيل بعد نجاح مسلسله الأخير الكواسر الذي عمق فيه مفهومه للصورة كما يقول. تعمق لديه مفهوم الصورة ودورها وعاد للهجوم على الكلمة والحوار وبالتالي على الرؤية والموقف. بين لدي ريبورتاج عن مؤتمر صحفي أجراه أنزور في القاهرة ونشرته جريدة الاتحاد الظبيانية في 28 آذار حيث قال في المؤتمر ان العصر هو عصر الصورة وانه ضد اسامة أنور عكاشة لأن في أعماله الكثير من الكلام. وفي نفس اليوم نشرت احدى المجلات استبياناً عن أهم مسلسل عربي عرض في رمضان فكان "امرأة من زمن الحب" الذي كتبه عكاشة. أي ان الناس يحبون الحوارات والاطلاع على المواقف وتبادل المعارف وليس فقط النظر إلى الصورة الجميلة فحسب، والذي جعلني أصدق هذا الاستبيان ولن يستطيع نجدت تكذيبه هو اختيار الناس لنجدت أنزور كافضل مخرج عربي.. أي ان الناس يفضلون المسلسلات المليئة بالحوارات ويتمنون ان يخرجها أنزور.. هذا احتمال طريف طبعاً.

في حوار آخر أجرته صحيفة نداء الوطن في 30 آذار قال نجدت أنزور (لقد مللنا من الكلام الكثير الذي لم نتوقف عنه يوماً وعلينا ان نطور لغة الصورة الجميلة) إذن فمخرجنا يتحدث بلسان الجميع وهذا مخالف لنتيجة الاستبيان ومع ذلك يدعو إلى التوقف عن الكلام الكثير، أي التوقف عن الحوارات.. والتوقف عن الحوارات جريمة في حق العقل، ومن أجل ماذا..؟ من أجل الصورة (الجميلة) واضع الجميلة بين قوسين لأنها تعني الكثير في مفهوم نجدت أنزور، فهو لم يقل الصورة الدرامية التي تتحدث وتحاور وتنقل المشاعر بكافة أنواعها، بل اكتفى بتعبير (الجميلة).. أي العودة إلى عصر الصفنة.. عصر تعطيل العقل. وما دمنا نتحدث عن الصورة عند أنزور، الا يحق لنا ان نتساءل عن هذا الكم الهائل من العنف الذي يسوقه أخونا في مسلسلاته؟ ألا يعلم بأن الأطفال يشكلون نسبة كبيرة من مشاهدي التلفزيون في بلادنا؟ هذه طبعاً معترضة وأعود إلى سياق الكلام..

ان مشروع نجدت أنزور في رأيي، يكمن في الغاء الحوار الجاد بين بشر ناضجين. الحوار المفيد والمفعم بالمعارف والرؤى. الحوار الدرامي الذي يضيء عوالم الشخصيات الداخلية ويلقي الضوء على القضايا. اقول هذا لأن الكواسر وقبله الجوارح مليئان بالكلام، ولكن أي كلام.. انها حكايات طويلة تسرد على مسامع القوم سرعان ما تنسى وتبقى بعدها متعة الصورة الجميلة فقط لا غير. أحسب وكأن المخرج لا يريد أن يشتغل العقل لأنه عند ذاك، لا يعود يشعر بجمال الصورة أو ربما كان يسعى إلى مذهبية اللامذاهب. للدلالة على ذلك سنستمر في قراءة أجوبته في حواره في صحيفة نداء الوطن. سئل عن مشروع مسلسل تتم كتابته عن مسرحية " منمنمات تاريخية" لكاتبنا المسرحي التنويري صاحب الدعوة (الجوع) إلى الحوار سعد الله ونوس، فقال أنزور: ( لم ألتزم في عملي الدرامي التلفزيوني بالأفكار المطروحة في نص الراحل سعد الله ونوس بشكل تام لأنني حاولت تجنب اثارة بعض القضايا المطروحة فيه.)

أريد ان أتساءل، ماذا يتبقى من راحلنا الكبير إذا ما تم تجنب قضاياه تلك والتي نصفق له في كل مرة نحضر فيها مسرحياته ونشعر الآن بفقدانه الأليم بسببها؟

رحمه الله وإيانا جميعاً..

جريدة تشرين 6/4/1999