Print

تجربتي مع الرقابة

قبل ان نتحدث عما نتعرض له ككتاب من الرقابة المفروضة علينا من قبل المؤسسات الاعلامية والثقافية الحكومية أود أن أشير إلى أننا تربينا منذ الصغر على تقبل الرقابة كشيء قدري لا مناص منه.

لقد ولدتُ وترعرعت في أسرة من الطبقة الوسطى، ورغم أن والدي كان أكثر تحرراً من غيره من الآباء في أوساطنا إلا أنه كان يراعي تقاليد طبقته ويراعي البيئة التي نعيش فيها. كانت الأوامر تصدر إلينا بعدم التحدث عن هذا الأمر أو ذاك مما يحدث داخل المنزل أو في العائلة إلى أي كان. الأمور التي كان علينا كأطفال ومن ثم شباب يافعين أن نراعي سريتها هي المشاكل الأسروية التي قد تحدث في كل منزل وكذلك المصاعب المالية التي كان والدي يمر بها في بعض الأحيان. أعتقد أن نظام الضبط الأسروي هذا خلق شيئاً قريباً من مفهوم الرقابة لأن على كل فرد منا أن يحفظ لسانه وألا يزل في أمور إذا ما وصلت إلى أسماع الآخرين فإننا سنضعف من هيبة رب الأسرة وبالتالي العائلة كلها.

أذكر مرة أنه انتحر أحد الشبان من الأقرباء. كان شاباً وسيماً وناجحاً نسبياً في عمله، إلا أنه انتحر شنقاً بحبل علقه في حلقة متدلية من السقف. عرفنا نحن الصغار السبب الذي جعله يفعل ذلك من همسات الكبار الذين كانوا يتداولون في الأمر بتجهم. لقد شنق نفسه بعد أن فشل في العشق. كان قد أحب احدى الجارات إلا أن الفتاة لم تشاطره الحب فرفضته حين تقدم لخطبتها. بعقلي الذي لم يكن قد عرف تماماً كل قوانين الرقابة الداخلية قمت بنقل الخبر إلى شخص ما والذي بدوره نقل الخبر إلى عشرات المتسائلين عن سبب الموت. عرف ابي أنني أنا الذي كشف السر فقام بمعاقبتي بشدة. حين أتمعن الآن في الحادثة أرى أنني تحدثت في أمرين خطيرين لم يكونا من المناسب أن يُعرفا من قبل المجتمع وهما أن الشاب قد نحر نفسه والثاني هو انه انتحر عشقاً. ولكن ما يفيد في ذكر الموضوع في هذا المقام هو ان المجتمع الأسروي عندنا يربي أفراده على عدم قول الحقيقة في ظروف معينة اي انه يشبه إلى حد بعيد ما تفعله السلطات مع الكتّاب اليوم.

طبعاً، التهمة نفسها وهي هتك السر واضعاف الهيبة وتهديد اركان المجتمع في حين تتم عملية تعويد الناس ومنذ الطفولة على تقبل الرقابة كشيء عادي بل مطلوب ايضاً. إن هذا الأمر يساعد السلطات على اتمام عملية فرض الرقابة فيما بعد حين يكبر الطفل وربما يصبح كاتباً فيشعر أن عليه ألا يقول كل الحقيقة أو أن عليه أن يكذب.

في مرحلة لاحقة تقوم ايضاً المؤسسة التعليمية بنفس الدور من خلال دفع الطلبة لتدبيج النصوص الإنشائية التي تتغنى بالحياة والطبيعة وبأمجاد الأمة ويحظر عليهم أن يذكروا شيئاً له علاقة بالمشاكل الأساسية للوطن من بطالة وجوع وآلام الناس أو التطرق إلى الأفكار السياسية التي تتباعد مع سياسة النظام. وأذكر أنني كتبت يوماً نصاً مدرسياً أصف فيه رجلاً يعمل اثنتي عشر ساعة يومياً لكي يطعم أسرته ويؤمن لها حاجياتها الأساسية بسبب غلاء المعيشة فنبهني مدرس اللغة العربية آنذاك أن علي أن أضيف جملة لأبين بها أن هذا جرى في زمن بعيد وبالتحديد أيام "الإقطاعية والرأسمالية" وليس في أيام تطبيق الإشتراكية!.

يأتي دور مؤسسات الدولة في الرقابة حين ينتقل الفرد إلى العمل، وكان أول اصطدامي بمؤسسة الرقابة حين أردت نشر أول قصة لي في إحدى الصحف المحلية الحكومية فقد رفض محرر الصفحة التي وجهت اليها قصتي نشرها وادعى أنها غير ملائمة لأنها جريئة ومفعمة بالأفكار الوجودية. وبما أنني كنت قد مررت في طفولتي بعملية تدريب على قبول الرقابة دون اعتراض فقد أعدت كتابة القصة بعد أن حذفت تلك الأفكار "الهدامة" واستعضت عنها بعناصر رمزية تفي بالحاجة ولكنها لن تكون مفهومة إلا لي وحدي فتم نشرها.

في الفترة التي تلت قمت باصدار اربع روايات اثنتين منهما عن فترة الحرب العالمية الأولى، والثالثة عن تسلل البداوة إلى المدينة فتمنعها من بناء مجتمعها المديني الحديث أما الرابعة فقد كانت شبه إيديولوجية تشبّه حال العرب بحال الهنود الحمر فنحن سمر وهم حمر والعدو أبيض ناصع. رحب الرقيب بالروايات الأربع وخاصة بالأخيرة لأنها تهاجم أميركا وإسرائيل صراحة، أقول وافق عليها جميعاً مع بعض التعديلات الطفيفة هنا وهناك لكي لا يفهم البعض، عن سوء نية كما قال، أنني ربما أنتقد بعض الظواهر في الحياة السياسية السورية.

بعد ذلك قمت بكتابة أكثر من سيناريو لمسلسلات تلفزيونية، أي انني اقتربت من الجهاز العزيز على قلب السلطة والتي تفرض عليه رقابة صارمة بسبب قوة تأثيره على الجماهير. عبر التلفزيون تعبئ السلطة الناس وتفرض سياستها عليهم، مثله مثل الصحف اليومية ولا تريد من أحد أن ينافسها في سيطرتها على مفاهيم هذا القطاع.

بقي أول نص تلفزيوني لي أكثر من سنتين في أدراج الرقابة. كانت دهشتي عظيمة حين تم إيقافه فقد كنت مدرباً جيداً على الرضوخ للرقابة ونصي يسرد فيما يسرد عن أزمة السويس ثم ما يعرف بالأزمة السورية وصولاً إلى الوحدة السورية المصرية. وكنت أحسب أن الرقابة لن تجد فيه شيئاً يتعارض مع الرؤى السياسية للنظام السياسي التقدمي. هذه الدهشة تعاظمت حين عرفت من الرقابة ذاتها انها تعترض على تسمية الأحزاب السياسية السورية في فترة الخمسينيات بأسمائها الحقيقية. إذن كان علي أن أتجاهل وجود الحزب الشيوعي وجماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الليبرالية الأخرى لكي يمر نصي. بعد أخذ ورد دام أشهراً وجدت الحل. أطلقت على الشيوعيين اسم "الحمر" وعلى البعثيين صفة "القوميين" وعلى حزب الشعب اسم جماعة فلان وعلى الحزب الوطني اسم جماعة علان وهكذا أطلق سراح نصي فتم تصويره فكان "خان الحرير".

كان علي في نص الجزء الثاني من المسلسل أن أتناول فترة الوحدة ومن ثم انهيارها وتبيان أسباب هذا الانهيار. أبقيت على التسميات إياها (لا يلدغ المرء من جحر مرتين) ورحت أبين أن انهيار الوحدة كان بسبب التصرفات غير الديمقراطية لحكومة الوحدة وإطلاق ايدي الأجهزة وحل الأحزاب والإصلاح الزراعي والتأميم وتسريح الضباط المسيسين. تمت الموافقة على النص بسرعة قياسية فقد كان لجزئه الأول سمعة طيبة. وبما أن تصويره انتهى قبل شهر رمضان بأيام فقد بدأ عرضه فوراً وكانت الرقابة تشاهد حلقاته يوماً بيوم قبيل عرضها بساعات. اكتشف الرقيب فجأة أن النص ربما يروج للأفكار الشيوعية فقام بحذف بعض المشاهد ثم اكتشف أنه يروج افكاراً ضد مصادرة اراضي المزارعين فقام بحذف مشاهد أخرى ثم اكتشف أنه ضد التأميم وبعد ذلك اكتشف أنني ضد أجهزة المخابرات وربما اكتشف أنني لا ألوم مؤامرات الاستعمار والصهيونية كسبب وحيد في انهيار الوحدة فحذف مشاهداً أخرى فتحول هذا المسلسل السياسي الاجتماعي إلى شبه برنامج منوعات ترقص على أنغامه "حجيات" الغجر.

بعد تولي الرئيس بشار مقاليد الرئاسة اعادوا عرض المسلسل دون حذف ماسبق تفصيله بل اكتفوا بحذف مشهدٍ يذكر بحادثة تذويب جثة المناضل الشيوعي فرج الله الحلو بالأسيد ومشهدٍ آخر يتأسف على عظمة مؤسسة "أصفر ونجار" الزراعية العصرية والتي صادروها وقطعوها شقفاً ليتم توزيعها على الفلاحين.

سأذكر حادثة بسيطة لأؤكد على تشابه الرقابة الأسروية التي فرضت علي وانا طفل بالرقابة التي تفرض الآن من قبل المؤسسة الاعلامية الحكومية علينا نحن الكتاب. فمن أجل تصوير مسلسلي "الثريا" كان علينا أن نجد قرية متخلفة لأن أحداث المسلسل تدور في أواخر الحقبة العثمانية. وجدنا قرية مناسبة تبعد عن مدينتنا العصرية خمسة وثلاثين كيلو متراً، لا ماء فيها ولا كهرباء ولا صرف صحي ولا اي مظهر من مظاهر الحضارة. أهلها لا يملكون البرادات ولا الغسالات ولا أجهزة التلفزيون. أثناء الأحاديث الحميمة التي كانت تجري بيننا وبين أهل القرية البسطاء طلبوا منا أن نوصل شكاويهم إلى المسؤولين لأن يدخلوهم التاريخ ويقوموا بإيصال أسلاك الكهرباء إلى قريتهم. جاءت كاميرا التلفزيون الحكومي لتصوير ريبورتاج عن عملية تصوير المسلسل وكان علي أن أتحدث بدوري فوجدت الفرصة سانحة لأتكلم عن أننا "لحسن الحظ" وجدنا القرية المناسبة (من حيث التخلف) لتصوير مسلسل عن زمن "العصمانلي" وذكرت اننا نرجو المسؤولين، نيابة عن القرويين، الاهتمام بهذا الأمر. وعندما عرض الريبورتاج تم حذف ما قلته عن القرية وحالة التخلف الذي تعيش فيه. حسب رأي الرقابة ليس من المناسب أن يكتب التاريخ أنه يوجد قرية خارج التاريخ في سورية الحديثة لا تبعد سوى خمسة وثلاثين كيلومتراً عن مركز مدينة حلب. إذن، لا يجب أن تقال الحقيقة خوفاً من أن تهدر السمعة الحسنة التي يصنعها الإعلام ليلاً نهاراً.

بعد المشكلة الكبيرة التي خلقها الجزء الثاني من "خان الحرير" من حيث التجرؤ على المفاهيم السائدة حول الوحدة السورية المصرية وأسباب انهيارها اصبحت نصوصي تقرأ بحذر شديد من قبل الرقابة. رفضوا لي نصاً بعنوان " حزن " لأنه يناقش قضية فساد العلاقات في المدينة الكبيرة وأيضاً لأنني بنيت القرية كما يحلو لي لا كما يرونها هم. تم رفضه للمرة الثالثة فركنته أخيراً في أحد أدراج مكتبي ولذلك عندما كتبت رواية "حالة شغف" وجدت أنه من الأفضل ألا أسعى من أجل الموافقة على طباعتها في سورية والاتجاه بها فوراً إلى إحدى دور النشر اللبنانية. إلا أن ذلك لم يشفع للرواية فقد منع الرقيب توزيعها هنا فتحولت إلى سلعة يتم تداولها في السوق السوداء.

* نشرت هذه الشهادة في مجلة الآداب العدد 7-8 – 2002 ملف الرقابة في سورية