Print

الرواية السورية

إنجازاتها والمصاعب التي قد تقف في وجهها

الكتابة عن الرواية بالنسبة لروائي محفوفة بالمخاطر فهو سيستثني رواياته من التقييم وسيضطر لتقديم رؤيا دون أمثلة مخافة أن يمتدح كاتباً دون غيره أو يسيء إلى علاقة صداقة. ولكنني سأحاول قدر الإمكان.

 

 

تأسست الرواية السورية على التاريخ. والرواية التاريخية هي المدخل المؤسس للفن الروائي. ومثلما مرت الرواية العالمية بالفترة التاريخية لتتأسس فإن الرواية السورية مرت بنفس الفترة. كما أن هناك تشابهاً من حيث شيوع الرواية الريفية، تلك التي ترصد الحياة الريفية في لحظة التحديث والثورة، كذلك فعلت الرواية السورية عبر روائيين عديدين منهم هاني الراهب ونبيل سليمان وحيدر حيدر. لقد خلقت الإمبراطوريات مؤرخيها منذ هيرودوت (أبو التاريخ) وحتى ول ديورانت. وكان على المؤرخ أن يكتب تاريخ العالم من وجهة نظر تلك الحضارات. أما في زمن تالٍ، في زمن الدولة القومية والثورة البورجوازية، فقد كان على الأمة أن تصنع مؤرخها عبر الروائي. هنا الروائي يكتب التاريخ من وجهة نظر الطبقة الاجتماعية المسيطرة والتي هي من أصول ريفية ويفرد للريف مساحة واسعة في روايته وما يميز روايات تلك الفترة خطابها الإيديولوجي القومي الظاهر وبلاغتها اللغوية، فالعلاقات في الريف بسيطة ومختصرة فيتم الاستعاضة عن زخم وتنوع العلاقات باللغة.

ولكن في عصرنا هذا، عصر الإعلام متخطي الحدود وعصر العولمة وانحسار تأثير الأحزاب القومية والحدود السياسية فقد برزت المدينة كنقطة ارتكاز. هنا، قامت الرواية بعملية تطوير لنفسها من حيث وجهة النظر لتتأقلم مع دور المدينة الحديثة. إذن، المدينة الحديثة تقابلها وتؤرخ لها الرواية الحديثة وهذا بالضبط ما حدث أيضاً للرواية السورية.

بعد أن مرت في مرحلة التأسيس قامت الرواية السورية الحديثة بوضع التاريخ في الخلفية وليس في الواجهة وانطلقت ترسم المدينة وتغوص في أعماق الإنسان ساكن المدينة. لم يعد التاريخ يؤخذ كحركة خطية بل أصبح يؤخذ كشريحة وكأرضية. وراح الاهتمام ينصب على الإنسان وعلاقاته أثناء تلك الشريحة الزمنية. أيضاً بدأت تخرج الرواية التي تنظر إلى العالم من وجهة نظر إنساننا المعاصر وراح الروائي يرسم خريطة المدينة ويفصّل في علاقاتها ويقدم فنونها ولهجاتها المختلفة. في هذه الفترة ترك بعض الأسماء السورية بصمة واضحة وكان لهم مساهمة رئيسة في رسم المشهد الروائي السوري الحديث أمثال "خيري الذهبي" و "فواز حداد" في دمشق و"هيفاء بيطار" في اللاذقية و "ابراهيم الخليل" في الرقة و "فيصل خرتش" في حلب و "ممدوح عزام" في السويداء، مع التحفظ على البيئة التي يرصدها، وغيرهم. وأزعم أن كاتب هذه السطور يندرج ضمن هذا الجيل.

إن الأعمال الروائية لهؤلاء قد وضعت أعمال الجيل القومي إيديولوجياً والريفي منبتاً في مأزق. فالأحياء منهم لم يستطيعوا مجاراة ذلك التطور المديني في الرواية لأسباب تتعلق بالهوس السياسي، ربما، وبالذاكرة.

بعد ذلك وصل الجيل الأحدث الذي راح يشارك في مهمة هؤلاء وأضاف عليها مهمات أخرى أكثر تخصصاً، ولكن ما تزال في بداية الطريق، مثل كتابة رواية السيرة والرواية النفسية أو الفلسفية والرواية العاطفية والبوليسية. إن هذا الجيل أكثر تحرراً من ضغط الإيديولوجيا والتاريخ وذاكرته مفعمة بالثقافة والإعلام الكونيين. كما أن حنينه يختلف جذرياً عن حنين الروائيين السابقين إلى القرية والحاكورة والحارة الهادئة والبيوت ذات العليّات وذكرى الأحداث الوطنية والقومية الكبيرين. هذا الجيل سوف ينظر إلى التاريخ والعالم والعلاقات الإنسانية بشكل مختلف كما أنه سيؤرخ المدينة المعاصرة بشكل مختلف أيضاً. بشكل يتلاءم مع حداثة الرؤية والتعبير.

ولكن، هل هناك مصاعب جمة تمنع الروائيين السوريين من تحقيق طموحاتهم؟ لا أظن ذلك، فالرقابة تنحسر. وأنا لا أتكلم عن رقابة يومية تنجزها لجنة رقابة على النصوص فقط، بل أتكلم عن رقابة شاملة تقوم بها السلطة على كافة الصعد تمنع بها الأصوات الأخرى التي تتباعد مع مشروعها الإيديولوجي والسياسي والاقتصادي والطبقي. لقد تعرض جيلنا إلى أضعاف الرقابة التي تحدث اليوم، فقد كانت السلطة تروج لأسماءٍ وكتابات تفيد مشروعها الإيديولوجي وكانت تلك الأسماء من القوة بحيث أن أي صوت مختلف يظهر بائساً. أما اليوم فإن القارئ هو الذي يحدد ما يقرأه ولا تفرض عليه أسماءٌ معينة يتم تداولها يومياً في الصحافة والإعلام المرئي والمسموع بشكل يقترب من الدعاية السلعية. إن رواية واحدة ممنوعة من قبل السلطات يتم تداولها بالفوتو كوبي أو بالإنترنت قد تحدث عاصفة هادرة وتتحول إلى الكتاب الأكثر تداولاً في البلد وبالتالي تنحسر أسماءٌ كانت يوماً ما، المروّج الأهم لأفكار السلطة أوكاتب التاريخ حسب وجهة نظرها.