Print

السرور والآلام

السرور والآلام

نشرت لأول مرة بالألمانية في جريدة تاتز في 27/08/2016

http://www.taz.de/!5331325/

الأعياد في حلب، كما في  كل المدن في هذه الدنيا، وقت مستقطع للفرح والبهجة. وقت للخروج عن المألوف الممل والحياة اليومية الرتيبة. لم أكن متمسكاً بتقاليد الأعياد قبل أن آتي للعيش في برلين هرباً من نظام قاتل ومن قنابل الحرب الأهلية. كنت أفرح لفرح الآخرين. كنت مهتماً بأن يقضي أولادي وأولادهم فترة الأعياد والتحضير لها ببهجة وكنت أسعى لكي أؤمن لهم الأسباب الضرورية لذلك.

ولكن الحرب فرقتنا، أنا في برلين وإثنان من أولادي كل واحد منهما في مكان مختلف خارج سورية بينما ظلت ابنتي وأسرتها في حلب لضرورة العناية بحمويها المسنين. في العيد الماضي أمضيت وقتي متصلاً بها بالهاتف، فقد جعلتني الحرب وجعلني العيش في الشتات بعيداً عن البيت مهنئاً فحسب وربما مستقبلاً للتهاني. ولكن أي عيد هذا في ظل الانفجارات والقتل؟ أهنئهم بكلمة واحدة ثم أمضي باقي الاتصال مستفسراً عن أوضاعهم ومتسائلاً عن سلامتهم.

 

أنهي المكالمة وأعود إلى عالمي الخاص في غرفتي الكائنة في واحد من أحياء برلين الهادئة. لم يعد لي سوى الذكرى لأجترها في وحدتي، ذكرى الفرح والسرور بين الأهل والأصحاب في مدينة الفرح والأعياد والأغاني التي تمس شغاف القلب. إن اعتبرنا باريس عاصمة الأنوار وبرلين مدينة الطمأنينة واللهفة فيمكن اعتبار حلب مدينة السرور، ولكن السرور يجري الآن تحويله إلى آلام مثلما يجري تدمير عمارة المدينة بلا خجل.

أطفئ أضواء غرفتي وأجلس في مقعدي، في حين تتردد أغاني التراث الحلبي في فضاء الغرفة بشكل حالم فمثل هذه الأجواء تجعلني أسترجع ما كنت نسيته في زحمة الأخبار المُروّعة.. استرجع الاستعدادات للعيد.

هناك مسافة طويلة يجب على الأطفال أن يقطعوها ما بين البيت والفرن. لصناعة كعك العيد نحتاج إلى الصواني وهذه لا يقوم رب البيت بشرائها وتخزينها رغم أننا نحتاجها قبيل كل عيد. يجب استعارتها من الفرن والأطفال هم من سيحملها فارغة من الفرن إلى البيت ثم مليئة في الاتجاه المعاكس. وحفلة صناعة الكعك وخبزه في الفرن ثم إعادته إلى البيت تدخل في باب الاشتهاء والانتظار والفوضى اللذيذة التي تصاحبها. عندما أحضرت حصتي من الصواني فضلت الجلوس على المصطبة العالية ومراقبة النساء المنهمكات بالعجين. خالتي سعاد كانت تتلقف قطعة العجين ثم تبرمها بيديها الاثنتين على لوح خشبي لتصبح فتيلة وبحركة بارعة تجعلها على شكل دائرة. تصبح الكعكة جاهزة التكوين حين تكبس سعاد بإصبعها على طرفي الفتيلة بعد أن تنتهي من تدويرها.

أما جدتي فقد كانت متخصصة بصناعة الأقراص المحشوة بالعجوة، ومن أجلها كانت تعبئ القالب بالعجينة المحشوة سلفاً ثم تقوم بدق القالب على طرف المنضدة فيسقط القرص في يدها. كنت معجباً بهذه الحركة البارعة، أما سعاد فقد كانت خالتي المفضلة لأنها تعرف الكثير من الحكايات. كانت تتواطأ مع الأطفال وكأنها في عمرهم. كنا وإياها نسرق الكعك المقمّر ونختفي في الغرف العلوية لنتلذذ بطعمه وهي تحكي لنا حكاياتها التي لا تنتهي. وعندما كانوا يعاقبوننا على سرقة الكعك قبل حلول العيد كانوا يعاقبون خالتي سعاد أيضاً.

كنا نسكن في بيت منفصل يقع في حي "أقيول" القريب وكنا نمضي الأعياد والمناسبات ومعظم الأوقات في بيت الجد وكأنه بيتنا.

كانت عائلة جدي تضم سبع نساء، أما أمي فقد كانت واحدة منهن. لا أعرف عدداً محدداً لأحفاد جدي لكي أثبته هنا، فقد كان عدداً متغيراً باستمرار بسبب الولادات والوفيات الجديدتين.

تشترك النساء جميعاً في عملية تغسيل الأطفال، فقد كانت عملية شاقة،  خاصة يوم الوقفة حين يتساعدن على تسخين الماء ومناولته وعلى التقاط الأطفال من أيدي أمهاتهم بعد تغسيلهم إذ ان الأطفال يخرجون وهم بلون الشوندرة المسلوقة ويصرخون. كان حفل الحمام يستغرق النهار كله وينهك جمع النساء هذا ولكنه كان من ضروريات العيد فبدونه لا تنفتح الخزائن المقفلة على الثياب الجديدة والأحذية اللامعة.

كنت أحب عالم الكبار ولم أكن أفهمه، فقد كان سراً أين كان يذهب الكبار صبيحة العيد قبل أن يصفونا، نحن الأطفال، رتلاً أحادياً مرتدين ثيابنا الجديدة، ليستعرضنا الجد بصحبة أولاده وأزواج بناته. هنا، وفي تلك اللحظة يبدأ العيد لأن الجد يصبح في أسعد أوقاته، فتترجع ضحكات الكبار وتعليقاتهم في أرجاء المنزل، بينما الأمهات يحمن حول أطفالهن لإعادة شد بنطلون أو قميص أو إعادة ربط حذاء. ثم، واحد اثنان ثلاثة ونبدأ بغناء إحدى الأغاني التي كانت الخالة الصغيرة سعاد تعلمنا إياها.

ماذا حدث لبيت جدي الذي كانت تجري فيه هذه الاستعدادات للعيد؟

يقع بيت جدي في "حارة الباشا" المتفرعة عن ساحة "باب الحديد" الشهيرة والتي شاهدتُ مؤخراً صوراً عديدة لها وقد أصبحت ساحة حرب بين جيش الحكومة و الجيش السوري الحر. وهي تقع في الجهة الشرقية للمدينة التي كانت محاصرة إلى وقت قريب. وقد سُميت الساحة نسبة إلى أحد أبواب المدينة التسعة، إذ كان السور يحيط بالمدينة القديمة كلها. و"باب الحديد" ما يزال موجوداً حتى الآن ببرجه الرائع، وأتمنى من كل قلبي أن يسلم من التدمير كما سلم في كل الحروب التي تعرضت لها المدينة عبر تاريخها.

تعرفت على عالم الكبار بالتلصص فتذوقت متعة اكتشاف عالم غير معروف بالنسبة لطفل صغير. كان ممنوعاً على الصغار التواجد في عالم الكبار ولكننا كنا نجد أكثر من طريقة للتواجد دون أن يتم اكتشافنا. عندما كنا نوضع في الفراش كنا نتظاهر بالنوم وما إن تغلق علينا الأبواب حتى ننهض ونلطي بجانب نافذة صغيرة تطل على غرفة الجد الذي يجمع فيها كل أعضاء أسرته الكبار، من رجال ونساء، للمسامرة. كان جدي الشيخ يهوى الطرب وعندما كان يبحث عن عروس لأحد أبنائه كان يسأل عن مواهب الفتاة المرشحة. لم يكن يقصد المواهب المعتادة في الطبخ والغسيل والكنس. بل كان يقصد مواهب الغناء والعزف على الآلات الموسيقية التقليدية. جدي أنشأ دون أن يدري فرقة موسيقية كاملة في بيته، وكنا نتلصص عليهم وهم يغنون الموشحات "والقدود" الحلبية. أما عندما كبرت وأصبحت فتى فقد ضمني إلى فرقته وكان علي أن أؤدي معهم، ضمن الكورس، (طقطوقات) وهي أغاني خفيفة مرحة ما أزال أتذكر كلماتها وألحانها حتى الآن، ولكن بصوت ليس فيه أي رخامة أو حنان فلم أولد لأصبح مغنٍ، إلا أن صوتي كان يطرب جدي ويجعله يغرق في الضحك وهذا كاف بالنسبة لي.

في ذلك الوقت كانت ساحة "باب الحديد" تتحول إلى ساحة للعيد وكانت تنصب فيها المراجيح والقلاّبات التي كانت تغري الفتيات أكثر من الفتيان، كما كانت تنصب فيها العديد من الخيم حيث كانت تجري أنشطة مختلفة قريبة جداً من الفنون. إحدى تلك الخيام والتي كنت أتردد عليها كانت لأحد متعهدي الحفلات حيث كان يقدم آخر اكتشافاته الفنية. في الحقيقة كنت أتردد على خيمتين في تلك الساحة الكبيرة، خيمة السينما وخيمة الطرب تلك. فبينما كانت ظروف عرض الأفلام السينمائية بالغة الرداءة كان المطربون في الخيمة الأخرى من ذوي الحناجر الجيدة. مرةً، حضرت وصلة لمغن لم يكن قد بلغ الثالثة عشرة بعد. كان يغني مصحوباً بثلاثة من العازفين، من أصول غجرية، ألحاناً شجية. تعجبت لهذا الفتى وأردت أن أصنع منه حكاية غريبة لأرضي بها جدي الشيخ فانتظرت الفتى إلى أن أنهى وصلته وخرج فاقتربت منه وسألته أسئلة شخصية أردت منها التعارف فيما بيننا. لم يكن يعرف شيئاً عن أصوله ولا عن والديه. قال لي إن الغجر وجدوه ضائعاً في أحد طرقات المدينة فأخذوه وعلموه الغناء. في المساء جلست بجانب جدي وهمست في أذنه تلك الحكاية، وفي اليوم التالي رافقته إلى الخيمة حيث استمع إلى الفتى بانتباه شديد وللغرابة فقد وجدت الدموع تنهمر من عيني جدي بالغ اللطف. حاول أن يحصل على الفتى، أن يتبناه، ولكن الغجر هربوا به ولم نعد نصادفهم في خيم العيد بعد ذلك.

كان في الساحة أيضاً ساحر يدهش الفتيان أمثالي بألعاب الخفة. كان يقف على صندوق خشبي يحمله معه أينما ذهب. كان يستخدمه أيضاً كمستودع لأدواته التي يستخدمها في ألعابه. كان يخرج شفرات الحلاقة القاطعة من فمه أو يخرج حبلاً طويلاً من المناديل الحريرية الملونة والمعقودة بعضها ببعض من أذنيه. كنا نضحك جاحظي الأعين وعندما يجد انه قد استطاع أن يسحرنا بألعابه كان يخرج قواريراً صغيرةً تحتوي على دواء لكل الأمراض بلا استثناء ويعرضها علينا لنشتريها. هذا الرجل استطاع أن يحصل مني على ليرات كثيرة بسبب خفته وبسبب حلاوة صوته حين كان ينادي على دوائه العجيب: أبو فاس.. أبو فاس.

في خيمة السينما تعرفت، رغم ظروف العرض السيئة، إلى أهم الأفلام الكلاسيكية العربية والتي حرصت فيما بعد على حضورها في صالات السينما المجهزة بشكل جيد، مثل فيلم "أنشودة الفؤاد" لجورج أبيض وفيلم "صاحب السعادة كشكش بيه" لنجيب الريحاني، وشاهدت بعض أفلام بشارة واكيم ومحمد عبد الوهاب وفيلم "الغندورة" لمنيرة المهدية.

العتمة وصوت الموسيقى الخافت يجعلاني أرحل بذكرياتي إلى عالم الموسيقى الذي ارتبط بشخص جدي، فقد كنت قد بلغت السادسة عشرة حين وصل دور "الصحنيّة" إلى بيت الجد. وأنا لا أزال أتذكر تلك المناسبة بسبب حصولها خامس يوم العيد. والصحنيّة تعني أن الضيوف يأتون وكل واحد منهم يحمل صحناً مليئاً بالأطعمة من مطبخ بيته بالتحديد. كان الطقس حاراً فانعقدت السهرة في باحة الدار الكبيرة وحول البركة التي كنا ملأناها منذ الصباح بالماء الصافي وتركنا بعض الأسماك الذهبية تسبح فيها. امتلأت باحة الدار بأصدقاء جدي من الشيوخ والتجار والأعيان المعروفين في المدينة كلها بحبهم للطرب. وهناك علاقة حميمة في مدينتنا بين الشيوخ والطرب، فقد كان أكثر أصحاب الأصوات الجميلة هم من الشيوخ مثل الشيخ "عمر البطش" والشيخ "بكري كردي" الذي كان حاضراً في سهرة الصحنية تلك. كما أن الشيوخ الأفاضل هؤلاء كانوا مدرسة كاملة في الطرب ولن يُعرف أي مطرب مهما كان إن لم يمر أمام هؤلاء الشيوخ بنجاح ويعترفوا به وبصوته. وقد لاحظت أن العديدين ممن حضروا كانوا من المؤذنين في المساجد أمثال "صبري مدلل" وغيره ممن لم أعد أذكر أسماءهم.

الطرب والمرح أهم ما كان يميز سهرات الصحنية تلك. كان المرح ينصب على حب بعض الشيوخ لبطونهم، وفي هذا الباب كان هناك الكثير لكي يقال عن طرائف البعض والفصول التي حدثت معهم بسبب ولعهم بالطعام وحبهم لتذوق اللذيذ منه، أما عندما كانوا ينتهون من تناول الطعام فقد كانت تقدم لهم عدة أدوار من الشاي المخمر بكؤوس مخنصّرة ومذهبة. كانت لذة تذوق الشاي المصنوع جيداً تفوق لذة تذوق النبيذ الجيد بالنسبة لشاربيه وليس غريباً أنهم أطلقوا على الشاي اسم "خمر علماء الدين". كانوا يرتشفون الشاي وهم يستمعون إلى الشيخ بكري كردي الذي كان يغني الكثير من ألحانه. لقد تعلقت بهذا الإنسان منذ اللحظة الأولى التي استمعت فيها إليه وهو يؤدي "ابعتلي جواب وطمّني" التي ما تزال حية حتى الآن رغم مرور أكثر من خمسين سنة على تلحينها.

بعد ذلك اليوم أصبحت أحرص على مرافقة جدي إلى سهرات العلماء والشيوخ الشهرية. لم اعد انتظر لينتقل الدور إلى بيته بل أصبحت ألح على جدي ليصطحبني معه. وكنت أغريه فأزوره وأؤدي له بعض الأغاني بصوتي الذي لم يكن فيه أي جمال فيضحك، يضحك حتى تدمع عيناه. كنت آتي له بأغانٍ لمغنين على الموضة لم يكن قد سمع بهم على الإطلاق فيزداد مرحه ويحسب أنني كنت أختلق له هذه الأغاني وأخترع أسماء مغنيها.

نهاد سيريس