Print

مقالة أصول العنف في سورية- نشرت في النيوزويك بالانكليزية

http://www.thedailybeast.com/newsweek/2013/03/04/daddy-dearest-inside-the-mind-of-bashar-al-assad.html

DADDY DEAREST Inside the mind of Bashar al-Assad

ماقصة هذا العنف الذي طفا على السطح منذ سنتين حتى الآن في سورية وقد يستمر طويلاً أيضاً؟ وهل الرئيس بشار الأسد شخص عنيف ويؤمن بالعنف؟ أم أنه نتاج تشابكات وظروف الوضع السياسي والسلطوي في سورية؟

شهدت سورية عبر تاريخها الحديث معالجة عنفية لعدد من الاشتباكات السياسية كانت بداياتها في فترة حكم حافظ الأسد الأب. واذا عدنا الى سيرة حياة الأب فإننا نلاحظ كيف أن ضابطاً في سلاح الجو السوري استطاع التسلق درجة درجة مضحياً برفاقه حتى وصل الى حكم سورية بشكل مطلق وبناء جهاز متماسك وعنيف.

أثناء أعوام الوحدة السورية المصرية اجتمع خمسة ضباط سوريين من الأقليات وقرروا تشكيل لجنة عسكرية هدفها الاستيلاء على السلطة. كان الأسد الأب واحداً منهم وبعد ذلك وفيما كانت سورية تتمتع بنظام ديمقراطي برلماني بقيادة الأغلبية اشترك ضباط هذه اللجنة في انقلاب عسكري اطاح بالحكومة الديمقراطية وجاء بحزب البعث. ثم حدثت عدة انقلابات في السنوات التالية نتيجة لصراعات داخلية حتى وصل حافظ الأسد الى منصب وزير الدفاع في حكومة البعث. من ثم استمرت الصراعات داخل هذه الحكومة بين قطبي اليسار واليمين آنذاك فقام الأسد بانقلابه الكبير عام 1970 فأطاح بالجميع بمن فيهم رفاقه في اللجنة العسكرية والقاهم في سجن طويل الى أن ماتوا هناك. لقد أسس حافظ الأسد نظاماً براغماتياً ظاهره قومي عربي الا أن ماكان يؤرقه هو ذكرى خسارة حرب 1967 مع اسرائيل حين كان وزيراً للدفاع فدخل حرب 1973 وتظاهر بأنه ربحها ليبدأ بعدها ببناء هيكل نظامه الرهيب.

 

يتكون هيكل السلطة الذي صنعه الأسد الأب، ومازال مستمراً حتى الآن، من الرئيس الذي كان حافظ الأسد، من عائلة الأسد، من الطائفة العلوية التي تسيطر على الجيش والأجهزة الأمنية التي بدورها تسيطر على كل مناحي الادارة من الحزب الى مجلس الوزراء الى القضاء الى مجلس الشعب الى النقابات والإعلام والاقتصاد وغيره. لكل جهاز من أجهزة السلطة سواء كانت مدنية أو عسكرية أو أمنية هيئة أو مجلس يرأسه الأسد مباشرة أو بشكل غير مباشر وحسب الدستور الذي وضع بإشرافه. ان كل خيوط الأجهزة ومواقع السلطة ممسوكة بيد الرئيس يحركها كيفما يشاء أو قد يصدمها ببعض إن أراد.

وبينما يعتبر كل من الحزب والنقابات والاقتصاد المسير من قبل الدولة شكلاً ناعماً للسلطة فان الأجهزة الأمنية العديدة وقوات النخبة تعتبر الأذرع العنيفة لهذه السلطة. وبينما كان هناك اسلوب العقاب الذي يتراوح بين قطع الأرزاق والسجن والتعذيب والموت فقد كانت هناك مكافأة الموالين بجعلهم يستفيدون من الفساد الذي تم تعميمه لهذا الغرض.

لقد تم تشكيل دولة العنف والرعب وكان العنف مستتراً في السجون وأقبية المخابرات مع اشاعة الاخبار عنه لتتردد على ألسنة الناس ليزداد الخوف. إلا أن هذا العنف المستتر يظهر على السطح بشكل لامثيل له حين الضرورة أي حين تنهض بعض القوى لتشكل خطراً على نظام الحكم هذا بأي شكل كان، فبين عامي 1980 - 1982 حدثت عدة اعدامات منها مجزرة مدينة حلب التي راح ضحيتها مائة مدني تم اعدامهم في الشارع ثم مجزرة سجن تدمر السياسي حيث تم اعدام بين 600 الى 1000 شخصاً انتقاماً لمحاولة اغتيال الرئيس، الى معركة مدينة حماة حيث حاصرت القوات الخاصة المدينة لأكثر من عشرين يوماً وتم قصفها بالمدفعية والدبابات مما أدى الى تدمير ثلثها الأثري تماماً ومقتل أكثر من ثلاثين ألف مدني وقد وصف روبرت فيسك في حينه عمليات القصف تلك في مقالاته التي أرسلها من داخل سورية.

لقد اعتمد الأسد في تصميم وتحقيق هيكله السلطوي للسيطرة على سورية على الأقلية العلوية التي ينحدر منها فقد رأى أن هؤلاء أكثر السكان موالاة له فجعلهم يسيطرون على الجيش وعلى الأجهزة الأمنية والاعلام، ومن أجل ان تتماهى مصالح هؤلاء بمصلحته فقد أوجد لهم سبيلاً للاغتناء وهو الاقتصاد الموازي الغير شرعي حيث تركهم يقومون بتهريب المواد الضرورية للناس التي جعل الحكومة تقلل من طرحها في الاسواق لهذا الغرض. كان يريد فعلاً خلق اقتصاد موالٍ مائة بالمائة من خلال ذلك لمواجهة تجار وصناعيي مدينتي حلب ودمشق. وقد صرح لكاتب سيرته باتريك سيل الذي نشر هذه السيرة في كتابه الضخم "الأسد، الصراع على الشرق الأوسط" بأنه يحلم بأن يتشكل الرأسمال العلوي في سورية. ومن أجل ذلك فانه أوعز الى حكومته بضبط الاستثمارات والاستيراد والتصدير غير الحكومية لما يقرب من عشرين عاماً وعندما تأكد له في نهاية التسعينيات بأن الكثير من أتباعه قد جمعوا أموالاً (غير شرعية) كافية أصدر المرسوم رقم عشرة بفتح باب الاستثمار للقطاع الخاص في مجالات التجارة والصناعة والخدمات إلا أنه فوجئ باستعداد الطبقة الرأسمالية التقليدية، التي حسب انها قد انتهت، للمنافسة متسلحة بمليارات الدولارات.

ولكن هيكل السلطة الذي ابتدعه حافظ الأسد يحتاج الى وريث من بعده ومن أولاده تحديداً لأنه وبسبب كل تلك الخيوط التي يمسك بها الرئيس فإذا مارحل دون وريث فان الهيكل كله سيتداعى وينهار، ومن خلال ذلك نفهم ان رحيل بشار الأسد كحل الآن للأزمة سيؤدي إلى انهيار البنيان الذي أقامه حافظ الأسد والقائم على الولاء المطلق لشخص معين من عائلة معينة لامن غيرها.

كان لحافظ الأسد أربعة أبناء ذكور وابنة واحدة وقد بدأ بتهيئة ابنه الأكبر باسل لخلافته وجعله مثالاً يحتذى وأصبح شخصاً من المشاهير فقد كان رياضياً يدخل سباقات الخيل ويفوز فيها كما ان لحيته الجميلة جعلته معبود النساء وأصبح يشاع بشكل واسع بأن باسل سيأتي للقضاء على الفساد الذي وصل الى حد غير مقبول عند الناس، إلا أن باسل قد قتل في حادث سير عام 1994 حسب الرواية الرسمية على طريق مطار دمشق الدولي. مقتل الوريث اربك الأب الرئيس الذي كان يعاني من عدة أمراض وكان يعلم أن أجله قد اقترب ولذلك لم يجد بداً من استدعاء ابنه الثاني بشار الذي كان مقيماً في بريطانيا للتخصص في جراحة العيون.

لم يكن بشار معروفاً في سورية بالشكل الذي كان عليه أخوه باسل فقد كان ينأى بنفسه عن مشاكل السلطة وكان يحب أن يعيش حياته بالطريقة التي يحبها. كان طبيب عيون قد تخرج حديثاً من كلية الطب وكان يحب أن يمارس عمله كطبيب دون أن يتدخل في قضايا الحكم. وفي كثير من الأحيان كان يصدف أن يستوقفه أحدهم من عامة الناس في أروقة المشفى ليشكو له أمراً أو مظلمة أو يشكو من تصرفات أقاربه "الشبيحة" من عائلة الأسد. كان يستمع بتهذيب وصمت ثم يقول انه لايتدخل في هذه الأمور ويرحل. حتى أشيع بأنه يخجل من تصرفات عائلته أو أنه ذو طبع خجول. فبينما كان أخوه باسل يدخل سباقات الخيل وينجح ضمن مهرجانات مرتبة أو يسوق القوارب السريعة في بحر اللاذقية مستعرضاً مهاراته أو كان يذهب بطريقة استعراضية لمعاقبة ابناء عمومته الزعران في اللاذقية فقد كان بشار يفضل الابتعاد عن الأضواء ضمن شلة ضيقة من الأصدقاء المتعلمين والموهوبين في تكنولوجيا المعلوماتية. ولم يشع عنه أبداً انه سعى يوماً الى دعم أصدقائه لتسنم منصبٍ معين أو مساعدة أحد في صفقة تجارية أو في التعهدات.

في لندن كان الطبيب بشار الأسد يعيش حياة هادئة يداوم على المحاضرات بشكل منتظم ويرتداد المطاعم والمقاهي الهادئة. انه بطبعه يحب أن يشرب القهوة أو يتناول العشاء في مطعم هادئ دون حتى أن يظهر لأحد بأنه ابن رئيس جمهورية سورية. وبينما كان يعيش في هذه الأجواء ويمارس الرياضة للمحافظة على لياقته البدنية ونحافته الممتازة ويتناول طعامه بحمية مدروسة خوفاً من البدانة يتلقى طبيب العيون بشار الأسد خبر مقتل أخيه وهاتفاً سريعاً من القصر الجمهوري في دمشق بالعودة فوراً ونهائياً إلى سورية.

بعد تأبين الأخ القتيل وإلقاء كلمة في الحفل الذي أقيم بهذه المناسبة في مسقط رأس الأب في قرية القرداحة على قمة جبل العلويين كان عليه فوراً أن يبدأ بتعلم اسلوب الحكم وأن يدخل عملية اشهاره للناس.

النظام في سورية جمهوري وليس ملكياً ولكن وبسبب النظام الذي أوجده الأسد الأب يجب أن يكون وراثياً دون التصريح بذلك. لو كان النظام ملكياً لكان هناك الوريث الأول والثاني الخ.. ولكان عرف الوريث ماذا ينتظره فيتم تعليمه منذ نعومة أظفاره فقد يصبح ملكاً في أية لحظة، إلا أن الأمر الذي فاجأ حتى بشار الشاب انه أصبح وريثاً وأن ما كان يسمعه عن الدستور السوري وماكان يسمعه من ابيه بالذات عن ان لكل مواطن سوري الحق في أن يصبح رئيساً للجمهورية هو كلام في كلام وأن الأمور تترتب بطريقة سلطوية لاعلاقة لها بالدستور ويكفي أن يأتوا بعدة مئات من الأعوان للتظاهر والهتاف أمام كاميرات التلفزيون مطالبة ببشار رئيساً ووريثاً حتى يتم له ذلك رغم أن سنه القانونية 34 عاماً لاتنطبق مع الدستور 40 عاماً وهراوة النظام القاتلة جاهزة للنزول بقوة على رأس كل من يعارض.

سرعان ما مات الأسد الأب عام 2000 وأصبح طبيب العيون الشاب القادم من لندن، والذي يحب الجلوس في المقاهي منشغلاً باللابتوب، رئيساً للبلاد. أصبح يشغل مكان أبيه المتوفى ويمسك بكل الخيوط ويحرك كل الأجهزة. أصبح رئيساً للجمهورية وقائداً عاماً للجيش برتبة ماريشال أركان حرب ورئيساً لجميع الأجهزة الأمنية ورئيساً ومنظراً لحزب البعث الحاكم ورئيساً لجبهة الأحزاب التي هي بلا قيمة ولكنها اسمياً تشارك في السلطة. أصبح أيضاً رئيساً لمجلس القضاء الأعلى ويستطيع وفق الصلاحيات المنصوص عليها في الدستور أن يحل مجلس الشعب ويعين رئيس مجلس الوزراء والوزراء وأن يطردهم متى شاء. لقد أصبح القائد المطلق لكل انسان ولكل شيء في سورية.

كان لطيفاً والناس أحبوه وكان يريد أن يعيد سورية الى طريق التطور فكان يحضر المنتديات الاقتصادية ويستمع الى النقاشات، وقد لاحظ الجميع انه كان يحب الإصغاء. شجع المبادرات ودعا بعض الاسماء السورية اللامعة للعودة إلى سورية وسلم بعضهم وزارات مهمة وسمح للحوار العلني على صفحات الجرائد الحكومية إلا أنه سرعان ما اصطدم بجدار الهيكل الذي كان قد بناه الأب فتراجع عن وعوده. لقد اصطدم بنظام إمساك الخيوط كلها بيد شخص واحد الذي يحكم ويسيّر البلاد بقوة بواسطة الأجهزة فلا مجال في هذا النظام إلى الحوار أو النقاش بل هناك أوامر تأتي من القصر الجمهوري، ولكي أختصر أقول إنه نظام الرعب والخضوع وأي تراخ في أي خيط من الخيوط التي يمسكها رئيس هذا النظام فان النظام (حسب أصحابه) سوف يترنح ويسقط وتفقد الأقلية السلطة وبالتالي الامتيازات التي كسبتها بالقوة.

تزوج الرئيس بشار من "أسماء" المولودة في بريطانيا وأبواها ينتميان إلى الاغلبية السنية من مدينة حمص في وسط البلاد وقد لفتت أسماء الأنظار اليها بسرعة شديدة بما تتمتع به من جاذبية وأناقة نادرة وأصبح يظهران في الأماكن العامة وقد استقبلهما الرئيس شيراك في قصر الإليزيه حتى أن مجلة VOGUE  أطلقت عليها صفة "وردة في الصحراء" في حين كسبت أسماء عواطف نساء سورية وحصلت بينهن على شعبية كبيرة. كان الزوجان يظهران بشكل مفاجئ في مطاعم باب توما في دمشق وفي نادي حلب في مدينة حلب ليشغلا الجمهور بالتقاط الصور التذكارية معهما.

أحب بشار الأسد تهافت الناس عليه حين يظهر بشكل مفاجئ في المطاعم والنوادي أو في الأسواق القديمة مثل سوق المدينة في حلب وغيره في دمشق وقد شاهدتُ مرة صورةً له محاطاً بمئات من تجار مدينة حلب وهو لا يكاد يستطيع التحرك من ضغط الناس. إنه يحب قيادة سيارته بنفسه حتى في الأوقات التي يصطحب فيها بعضاً من رجاله أما سيارته المفضلة فهي ألمانية الصنع ومن أحدث الموديلات. كان يدعو ضيوفه الرسميين للعشاء في أحد مطاعم المدينة دون تكلف حتى أنه كان يصطحب الصحفيين الأجانب الذين كانوا يأتون إلى دمشق لإجراء مقابلات صحفية معه إلى المطاعم، وفي حلب شوهد أكثر من مرة مصطحباً رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى العشاء في هذا المطعم أو ذاك وطبعاً حدث ذلك حين كانت العلاقات بين البلدين في أحسن حالاتها قبل آذار 2011 حين اشتعلت الأحداث الأخيرة في سورية.

بدأت الأحداث في مدينة درعا جنوب سورية حين قام بعض الصبيان بكتابة شعارات الثورة المصرية على جدران مدرستهم فتعاملت معهم الأجهزة الأمنية بقسوة شديدة ويقال ان رجال الأمن قاموا بتعذيبهم وبتشويههم وعندما علم أهل المدينة بما جرى انتفضوا غضباً فتم اطلاق النار عليهم وقتل من قتل من المدنيين. لقد تعامل الجهاز مع الاعتراضات حسب عادته وحسب المبدأ غير المكتوب الذي أنشئ من أجله. وهنا يأتي دور الرئيس الرجل المثقف والطبيب والذي يشهد الجميع على انه يملك شخصية لطيفة وودودة، ماذا كان عليه أن يفعل في تلك اللحظة غير أن يأتي ويقابل الناس الغاضبين للتخفيف من غضبهم إن لم نقل الاعتذار لهم عن الاساءة الجسدية التي حصلت لأبنائهم؟ ولكن الرئيس بشار يعرف انه لايستطيع أن يحكم من خارج الجهاز وان ايمانه بالجهاز الذي بناه أبوه يفرض عليه أن لا يفعل أقل مما فعله أبوه من قبله، لذلك لم يفعل شيئاً سوى الاستمرار في ارسال قوات الأمن لمواجهة المتظاهرين الغاضبين ليس فقط لأن أخوتهم وأقرباءهم قد عذبوا وتم تشويههم بل أيضاً لأن هناك من سقط قتيلاً برصاص قوات الأمن. كان المتظاهرون يتظاهرون احتجاجاً على العنف الذي جرى ضدهم وقتل بعضهم في الأمس فيسقط آخرون قتلى اليوم ليتم التظاهر غداً احتجاجاً على قتلهم. سلسلة من القتل ثم الاحتجاج يتبعه قتل فتتبعه احتجاجات وهكذا، وكان يتم تصوير كل ذلك ورفعه إلى يوتيوب لتعم الاحتجاجات معظم أرجاء سورية، وعندما توسعت المظاهرات وأصبحت تطالب باسقاط النظام أقدم الرئيس على انزال الجيش لمواجهة المتظاهرين وبالتالي لاطلاق النار عليهم فحدثت الانشقاقات وتحولت الأزمة إلى حرب داخلية.

بوجود جهاز أمني - عسكري عنيف تم بناؤه من قبل الأسد الأب وتمت تجربته بنجاح في احداث الثمانينات، كما تم ذكره سابقاً، تصبح الثقافة الأوروبية والدماثة واللطف الفائق التي يتميز بها الأسد الابن من أدوات الخداع وليس خياراً آخر لحل الأزمة. الرئيس الشاب غارق تماماً في تجربة الأب وهذه التجربة وميراث الأب تحكمان عقلية الابن وهو لايستطيع الفكاك منهما أو التفكير من خارجهما. في كل لحظة عندما يواجه الرئيس الابن تطوراً جديداً في الأزمة الحالية فانه لايسأل المنطق السليم بل يبحث في الذاكرة عن تجربة مماثلة تعرض لها الأب في الماضي وكيف تصرف آنذاك.

لقد كان تعذيب الصبيان وتشويههم عملاً عادياً اعتاد عليه الجهاز وقد قام بنفس العمل مرات عديدة زمن الرئيس الأب (والابن أيضاً) وعندما يقوم الجيش الآن بحصار بعض المدن والبلدات وتدميرها بالكامل بالقصف المدفعي وبالطيران فانه يقوم بعمل سبق للأب أن قام به ونجح نجاحاً باهراً في قمع الحركة الاحتجاجية وأقصد كما تم ذكره في مدينة حماة حيث قامت قوات النخبة للرئيس الأب بقيادة العم "رفعت" بعزل المدينة وقصفها على مدار أكثر من عشرين يوماً ولم يكن هناك شاهد سوى صحفي غربي واحد لم تتسبب تقاريره بأي ادانة دولية أو تحرك شعبي في المدن السورية الأخرى. هكذا يفكر الرئيس الابن وهو يفعل نفس الشيء الآن ويشعر بأنه الابن البار الذي يسير على نفس طريق الأب ولكن لسوء حظه فان تقنية المعلومات تطورت بشكل مذهل مما جعل نقل صور ومقاطع الفيديو عن اطلاق النار تنتشر بسرعة الانترنت نفسها لتنتشر بالتالي الاحتجاجات على نطاق أوسع.

يقوم عقل الأسد الابن بتحليل وتوصيف الخصم الذي يواجهه الآن وفق التجربة التي واجهت الأب في نهاية السبعينيات والثمانينيات فقد واجه الأب آنذاك التنظيم المسلح لجماعة الإخوان المسلمين واستطاع أن يحشد إلى جانبه معظم القوى السياسية العلمانية لأنه كان يواجه الاخوان المسلمين بالذات الذين كانوا يُعتبرون متشددين حسب مقاييس ذلك الزمان. هنا والآن ومنذ بداية الأزمة يصر الابن على انه يواجه الإسلاميين المتشددين تشبهاً بما واجهه الأب. لم تكن حركة الاحتجاجات في سورية ومنذ بدايتها حركة إسلامية بل إنها كانت ترفض ان تسمى كذلك وتسخر من الاعلام الحكومي حين كان ينعتهم بذلك، كما انه نعتهم بالعصابات المسلحة تشبهاً بالماضي فقد بدأت جماعة الاخوان حركتها بتشكيل جماعات مسلحة قامت بعمليات اغتيال مخططة للرموز الموالية من العلويين. لم تكن شعارات الإسلاميين وأعلامهم ترفع في المظاهرات التي كانت تطالب بإسقاط النظام بل كان يُرفع العلم السوري زمن الاستقلال وكانت ترفع أيضاً الورود وتؤلف الأغاني ضد الابن والأب والتي تتضمن بعض الكلمات التي لا تعجب الإسلاميين، ونذكّر هنا بمشهد الحشد الهائل في ساحة مدينة حماة حين زارها السفير الاميركي روبرت فورد في 8 يوليو 2011.

لقد قامت قوات وأجهزة الأسد الابن بتصفية الرواد الأوائل لهذه الحركة الاحتجاجية أو اعتقالهم أو تهجيرهم لتتحول هذه الثورة إلى حركة عصيان مسلحة ذات طابع إسلامي يرضي ضمير الرئيس بانه يواجه أزمة مشابهة لما واجهه الأب وانه يقوم بالقضاء عليها بنفس الطريقة التي استخدمها الأب يوماً وانتصر فيها، وبناء عليه فان لدى بشار الأسد قناعة مطلقة، وقد اقنع روسيا بها أيضاً، وهي أنه سينتصر في هذه الأزمة في نهاية المطاف كما انتصر الأسد الأب.

لقد استمر الرئيس بشار بالنزول ليلاً مع بعض أقاربه أو أصدقائه للعشاء في أحد مطاعم دمشق المفضلة رغم ان المعارك الحربية كانت محتدمة في البلاد. كانوا يجلسون في ركن قصي هادئ. وفي حين كان كل من معه يتبادلون الأحاديث ويضحكون كان بشار يجلس بصمت مستغرقاً بالآي باد خاصته يبحر في الانترنت ويقرأ المقالات، إلا أن انتقال المعارك مؤخراً إلى داخل دمشق جعله يتوقف عن الخروج ويفضل التواري عن الأنظار.