Print

مرثية لمدينة حلب- نشرت بالانكليزية في النيويورك تايمز

http://www.nytimes.com/2013/04/27/opinion/a-writers-lament-for-the-female-musicians-of-aleppo-syria.html?_r=1&pagewanted=all&

في كل مرة أسمع خبراً جديداً في وسائل الإعلام عن المعارك الجارية في مدينة حلب أصاب بالذعر فأهرع إلى الهاتف وأبدأ بالاتصال لأطمئن على أحبتي هناك. أنا بعيد عن المدينة منذ أكثر من سنة والأخبار أصبحت مقلقة أكثر وبالتالي يزداد اتصالي بالهواتف. ولكن الهواتف لا تعمل عندما تريدها أن تعمل. اتصل بموبايل ابني أولاً لأطمئن عليه وعلى زوجته. لقد تزوج قبل ثمانية أشهر وأخبرني بأنهم اضطروا لرفع صوت الموسيقى ليغطوا على أصوات القصف وتبادل النيران. تزوجوا على ضوء الشموع وقد استعد لذلك بكمية كبيرة من الشموع والبطاريات لتشغيل جهاز الموسيقى.

 

اطمئن أيضاً على أمي ذات الستة وثمانين عاماً والتي كنا نجتمع حولها لتغني لنا بصوتها الشجي. كانت فاتنة بصوتها حين كانت صبية وعندما جاء الجنتلمان (الذي هو أبي) ليخطبها من أبيها كان أول سؤال سأله إياه جدي هو إن كان يحب الموسيقى والغناء. احتار أبي ماذا يقول، خاف أن يغلط بالجواب فيخسر العروس. قال له جدي إن لابنته صوتاً شجياً وهو يحب غناءها ولا يريد أن تتزوج من رجل يقمعها ويمنعها عن الغناء. كانت تغني لنفسها في الفراش لتنام أما الآن فهي تنام على أصوات المدافع ولعلعة الرصاص وتطمئنني دائماً بأنها مرتاحة وآمنة.

تشتهر مدينة حلب بحبها للموسيقى وقد نافست عواصم موسيقية مهمة كالقاهرة وتونس في إحياء التراث الموسيقي الشرقي ووضع مقامات موسيقية غير معروفة سابقاً. ويقال إنه لا يخلو بيت في المدينة من وجود آلة موسيقية وفي كثير من الأحيان تتناثر أجزاء آلة عود حطمته قذيفة أصابت أحد البيوت هذه الأيام.

وقد كان جدي رجل دين عاشقاً للموسيقى ولم يكن هذا غريباً فالكثيرون من المغنين والملحنين المعروفين الآن كانوا رجال دين مثل الشيخ "عمر البطش" و "بكري كردي" و "صبري مدلل" الذين والى الآن ما تزال أغانيهم حية ويعيد المغنون الحاليون غناءها ، بينما لجلال الدين الرومي مكانة كبيرة في نفوس أهل المدينة وشيوخها بسبب اقتران طريقته الصوفية "المولوية" بموسيقى الناي وكان الشيوخ يحجون إلى مدينة "قونية" في تركيا لزيارة ضريحه والصلاة فيه.

ولم يكن هذا الأمر محصوراً على الرجال فقط بل إن النساء لقين التشجيع من آبائهن وأزواجهن لتعلم الموسيقى مثل جدي الذي دفع بناته السبع لتعلم العزف على آلة موسيقية معينة أو للغناء، وقد عرفت المدينة العديدات من المطربات الشهيرات، وعرفت البيوت الحلبية أيضاً ظاهرة الحفلات الموسيقية النسوية الحية حيث تحضرها أهم الشخصيات النسوية في المدينة وتحييها مطربات وعازفات معروفات جيداً للناس، ولذلك فإن قلقي على المدينة وما تورده الأخبار من دمار يلحق بها ارتبط أيضاً بقلق حقيقي على تراث المدينة العظيم وخاصة على الموسيقى والموسيقيين.

في عام 1997 كنت أجري بعض المقابلات استعداداً لكتابة روايتي "حالة شغف" A State Of Passion وهذه الرواية تتحدث عن "بنات العشرة" وهن نساء يقمن علاقات اجتماعية عميقة مع نساء أخريات فيلتقين على شكل مجموعات للغناء والرقص والمسامرة. كانت كل واحدة تجلس إلى جانب صديقتها بينما كانت الأجواء في تلك الاجتماعات مفعمة بالحب، الغيرة، الدلال والعتاب. وكانت كل واحدة حين يأتي دورها توجه غناءها إلى صديقتها. وتُسمى أغانيهن بـ "العتابا" وهي كلمة تشبه كثيراً كلمة الشكوى. كانت هذه الظاهرة شائعة جداً في مدينة حلب في النصف الأول من القرن العشرين والملفت للانتباه هو أن رجال المدينة لا يتأففون ولا ينزعجون حين يعرفون أن زوجاتهم من بنات العشرة.

كنت قد سمعت عن امرأتين منهن يعشن مع بعض. أردت أن أقابلهن فاتصلت بالهاتف وأخذت موعداً لمقابلتهما. يقع بيتهما بجانب القلعة في حي حلبي عريق تعتبر كل بيوته تراثية ومتميزة وقد تمت المحافظة عليها وحمايتها من الهدم على أيدي تجار البناء. فتحت لي الباب خادمة عجوز وأجلستني في باحة الدار التي تحتوي على بحرة مملوءة بالماء بينما تتوزع أحواض الياسمين وشجيرات الزهور المختلفة في أرجاء الباحة. رحت أرتشف القهوة العربية التي قدمتها لي الخادمة بينما كنت أعاين البيت. كان المكان هادئاً، لطيفاً ويشعرك بعبق التاريخ فانا أعرف قيمة هذه البيوت القديمة التي تسمى "البيوت العربية التقليدية" التي أصبح الناس يشترونها ليقوموا بترميمها بإشراف مهندسي آثار مختصين ويعيشوا فيها كما في ألف ليلة وليلة.

بعد نصف ساعة وصلتا، فقد كانتا تستحمان في حمام تركي عام قريب من البيت. "أحلام" الجميلة جداً ذات العينين السوداوين وصديقتها التي أطلقت على نفسها اسم "حميد" وهو اسم ذكوري جداً يذكرني بأبطال الأفلام المصرية الجدعان في الستينيات.

وحميد مثل اسمها تتشبه بالرجال من حيث قصة الشعر والملابس وطريقة المشي والجلوس وتدخين السكائر. وهي أيضاً تتصرف كأنها زوج "أحلام" حتى أنها، كما عرفت منهما، قد اشترت لها صالوناً لتجميل شعر السيدات، وكما عبرت "حميد"، ليكون الصالون مورد رزق لها إن حدث أي مكروه لحميد، لا سمح الله، وغيبها الموت. كانت حميد مغنية أعراس من الدرجة الأولى وكانت معروفة في كل المدينة وكانت صالات الأفراح تغص بالنساء اللواتي كن يأتين للاستماع إليها وهي تغني وتتصرف كالرجال فيصعدن إلى مسرح الصالة للرقص قربها والتمسح بها بينما كانت تغني وتزف العروسين.

أحببت هاتين المرأتين وأصبحت أزورهما كلما سنحت لي الظروف لاستمع إلى حميد وهي تسرد علي قصصاً عن نساء بنات العشرة فهي أكبر من رفيقتها وتجربتها أعظم. وعندما صدرت الرواية زرتهما وقدمت لهما نسخة موقعة فقد كانت بطلة القصة تشبه حميد إلى حد كبير.

بعد عشر سنوات عرفت أن حميد قد ماتت بعد صراع قصير مع مرض سرطان الرئة، فقد كانت مدخنة شرهة، فذهبت إلى العزاء وكان البيت يغص بالرجال العابسين بينما كانت تتردد أصوات نحيب الفتيات من المعجبات بحميد من داخل الغرف.

حاولت الاتصال بأحلام عدة مرات من أكثر من مدينة حللت بها بعد خروجي من حلب حتى كدت أفقد الأمل، فقد كان الخط في بعض الأحيان بلا حرارة أو لم أكن أحظ بأحد يرفع السماعة حتى حسبت بأن الرقم الذي اتصل به لم يعد يعمل أو ربما هجرت أحلام البيت ولم تعد تقيم فيه. أخيراً جاءني صوت أحلام، ذلك الصوت الأنثوي الجميل. أخبرتها من أكون فصمتت لحظة فالتقطت أذني أصوات إطلاق نار ثم صوت انفجار من مسافة ليست ببعيدة.

كانت أحلام مرعوبة فراحت تتلعثم بكلامها بالإضافة إلى أنها كانت تبكي. ظللنا نتكلم لمدة ساعة أو أنني كنت أدفعها لتتكلم فتنسى خوفها وعندما أغلقت الخط لم أستطع أن أعود إلى عملي لتأثري بكلامها فجلست استرجع ما قالته لي.

قالت أحلام إنها تشعر بالوحدة فهي تعيش بمفردها وأصبحت تشعر أن البيت موحش. لم تعد تستطيع الخروج من البيت ولم يعد لديها مكان تخرج إليه فقد دمرت المعارك صالون السيدات الذي اشترته لها حميد ليكون لها عوناً بعد وفاتها. ذهبت إلى هناك مرة وشاهدت كيف أن المبنى كله قد أصيب بعدة قذائف واحترق الصالون عن بكرة أبيه. قالت أيضاً إن قذيفة هاون سقطت على البيت المجاور لبيتها فتدمر جزء من الجدار الذي يفصل بين البيتين وانهمرت الحجارة كالمطر على الباحة التي تتوسطها البحرة وكانت وقتها في إحدى الغرف فلم تصب بأذى. قالت إن الحكومة وضعت قناصاً في صدر الحارة يطلق الرصاص من موقعه في الأعلى على المارة من الرجال وفي بعض الأحيان كان يطلق أيضاً على النساء ويرديهن قتلى، وبما أنها كانت محتاجة للخروج لشراء الأطعمة فقد أرعبها القناص وفضلت البقاء داخل البيت حتى لو ماتت جوعاً، إلا أنه في أحد الأيام سمعت طرقاً على الباب فخافت في البداية إلا أنها تشجعت وفتحت بعد أن استمر الطرق لفترة طويلة. شاهدت صبياً في الثامنة من عمره تظن أنها تعرفه فهو من أولاد الحارة. قال لها الصبي إن أباه قد أرسله إليها ليسألها إن كانت بحاجة لأي شيء فهو مستعد لمساعدتها ومن يومها أصبح يشتري لها الخبز والخضروات وأشياء أخرى من البقاليات البعيدة.

وفي إحدى المرات سمعت أحلام هدير طائرة ثم صوت انفجار ضخم. شعرت بقلق غريب يجثم على صدرها وحدست بأن شيئاً رهيباً قد حدث. نعم، قالت لي وقد عادت للبكاء، إن الصبي لم يعد يأتِ ليشتري لها حاجياتها وأصبح عليها أن تخرج لتشتري بنفسها ما تحتاج إليه وإلا فإنها ستموت جوعاً. ارتدت ثيابها وخرجت تتحدى القناص، وفي دكان أحد البقالين صُعِقت، فقد عرفت بأن تلك الطائرة التي سمعتها قد أطلقت صاروخاً على الطابور الممتد خارج المخبز فقُتِل الكثيرون وكانوا في معظمهم من الصبيان وكان ذلك الصبي واحداً منهم.

قالت إن أيام السرور قد ذهبت بلا عودة. لم تعد تسمع أصوات الموسيقى والغناء في ليالي حلب الساحرة. قالت يا حسرتي على تلك الأيام، كنا نغني ونرقص بسعادة لمن نحب، أما الآن فصوت المعارك والقصف يطغى على صوت الكمنجة.