Print

جغرافيا الأسرار

تحية الى مدينة حلب

Published in English in Pen Atlas 17/01/2013

هنا في رود آيلاند استلقي في الفراش ليلاً لأنام ولكن النوم لم يعد يأتي بسهولة فقد أصبحت  الأخبار الواردة من حلب مدمرة للأعصاب. فالحرب مستعرة هناك ومن بعيد تبدو الحرب الأهلية أكثر قسوة وأكثر تدميراً. أتقلب في الفراش وقد تعبت من مطاردة النوم وحيداً، فقد فارقتني زوجتي هدى قبل ست سنين والقلق على ابنتي وابني يتعاظم كل يوم. تحضرني توسلات ابنتي لي بأن أخرج من البلد والتجئ الى أي مكان مهما كان. منذ أن خرجت من المدينة أصبح عنف النظام أكثر شراسة ولم تسلم مدينة في سورية من آلة التدمير أما الآن فالحرب تجري في أقدم مدن التاريخ وأكثرها غموضاً.

 

أصيب مدخل قلعة المدينة بقذيفة هدمت جزءاً من جدار المدخل. هذه القلعة التي تتوسط المدينة التي نمت وكبرت من حولها. انها المكان الذي تتجمع فيه اسرار التاريخ. كنا صغاراً حين كنا نتسلق الهضبة التي تتربع القلعة فوقها مشرفة على المدينة كصقر يحميها من فئران الظلام. حينها كنا نود ان نكتشف بعضاً من أسرار القلعة. سمعنا الكبار يقولون ان هناك سرداباً عميقاً يصل القلعة بخارج المدينة، كانوا يستخدمونه لتزويد القلعة التي يحاصرها الغرباء بالمواد الغذائية الضرورية لاستمرار مقاومة الجنود المدافعين عنها. كان السكان ينتقلون الى القلعة حين يداهمهم الأعداء فتغلق أبوابها ويستعد الرجال للدفاع عنها. كان هذا السرداب ضرورياً أثناء الحرب وكذلك أثناء السلم ليهرب منه الملك حين يثور عليه الشعب للتخلص منه، كذلك كان طريقاً يسلكه العشاق للدخول والخروج بشكل خفي. لم نكتشفه ولكن الجميع يعلم أنه موجود.

ثم إنني اتذكر يوماً حين كانوا يهدمون منزلاً عتيقا لاقامة مبنى حديث. كانوا يحفرون الاساسات حين انكشف سرداب معتم. كان هذا جزءا من قناة حلب التي تتشعب تحت بيوت المدينة كمترو الأنفاق الآن في بعض المدن. كان السقف القنطري مبني بالحجارة بينما المياه تسيل من منبعها لتنتشر في جميع أرجاء المدينة القديمة. كانت تلك اللحظة مهمة في حياتي كصبي فنزلت انا ورفاقي لنتفرج. كان عالماً سحرياً ومخيفاً في آن معاً. غصنا في المياه التي كانت تأتي من قرية "حيلان" شمال المدينة بينما حفر في كل بيت بئر يصل الى القناة في الأسفل.

سجلت في روايتي "رياح الشمال" كيف ان الرجال كانوا يختبئون في البيوت هرباً من فصائل التجنيد العثمانية التي كانت تبحث عن الشبان وتلتقطهم لسوقهم الى الحرب العالمية الأولى. حين كان الشبان يشعرون بخطر مداهمة هذه الفصائل لبيوتهم بحثا عنهم كانوا ينزلون الى البئر ليختبئوا في القناة بينما الجيران يدلون لهم الأطعمة بالحبال الى أسفل بيوتهم. استخدم هذه الطريقة أيضاً اللصوص والعشاق. كانوا يتسللون من الآبار ليلاً ليقضوا حاجتهم ثم ليهربوا بنفس الطريقة الى عالم متشعب يقودهم الى أي مكان يريدون.

طرقات المدينة القديمة متشعبة بشكل غير منتظم والكثير منها لايزيد عرضه عن المتر والنصف أما أسطح البيوت فهي متلاصقة و مستوية ويسهل السير عليها والانتقال من سطح بيت الى سطح بيت آخر، وهذا مناسب جداً للصوص والهاربين من الشرطة أو من الأباء أو الأزواج الغيورين. انا نفسي كنت أجول مابين هذه الأسطحة لا لشيء الا لمتعة مشاهدة بيوت الآخرين من الأعلى. كنت صبياً وقبل أن أبلغ سن المراهقة حين لفت انتباهي احد البيوت حيث كانت صاحبته الجميلة والصبية تستلقي في فراش ممدود في باحة المنزل الى جانب البحرة ذات النافورة، دائماً كانت بثياب النوم الملونة والشفافة، ودائماً كانت تتقلب في هذا الفراش منتظرة أحدٍ ما لم يصدف ان شاهدته يدخل أبداً.. هل فرغ هذا العالم ياترى من الرجال؟

سمعت مؤخراً أن المعارك بين جنود الحكومة والمعارضة تجري في المدينة القديمة مما أدى الى تدمير عدد من البيوت هناك ، هذا الخبر أرعبني وجعلني أتذكر زيارتي الأولى الى حي بحسيتا التي هي في قلب المدينة القديمة. حي بحسيتا هو الحي الذي زاره كل شاب مرة على الأقل في حياته للفرجة أو ممارسة الجنس مع احدى ساكناته. انه حي متشعب بطرقات ضيقة وبيوت لاتختلف عن بيوت المدينة التقليدية الأخرى (وصفت هذا الحي في رواية "الكوميديا الفلاحية") وفي المساء يزدحم بالرواد والمتفرجين وتجلس النساء في باحات البيوت أو في الطرقات بأقل مايمكن من الثياب ليعرضن أجسادهن بغرض جلب الزبائن. هناك أيضاً من كان يبيع السندويش والمشروبات المقوية التي كان يحتاجها الرجال بعد انتهائهم من جولة جنسية هي على الأغلب سريعة ولكن ممتعة. هناك فقدت براءتي في السادسة عشرة حين أخذني أحد الأصدقاء المجربين الى امرأة في الأربعين قال عنها انها تتفهم الشبان البكر وتساعدهم وتصبر عليهم. وفعلاً كان صادقاً فقد كانت متفهمة لوضعي الحرج.

أيضاً تدفعني أخبار المعارك في سوق المدينة الأثري واحتراق الكثير من المحال فيه الى تذكر السوق فنحن في حلب نسمي هذا السوق بـ "المْدينة" ونعتبره عصب حياتنا. والمْدينة هي شبكة من الطرقات الضيقة تتوزع فيها الدكاكين على الجانبين حتى لو كان الطريق بعرض مترين أو أقل. لكل مهنة سوق واكتشاف هذه الاسواق السبعة والثلاثين رحلة جميلة كنت أقوم بها في الأيام التي تسبق الأعياد. انها طرقات بطول ثمانية كيلومترات وتشغل مساحة سبعة هكتارات مغطاة بسقوف مقنطرة تنيرها نوافذ في الأعلى تسقط منها أعمدة أشعة الشمس بشكل بديع، بينما يحتل جزءاً من هذه الاسواق أكثر من عشرين خاناً بتصاميم معمارية أخاذة كانت يوماً مراكز تجارية تستقبل القوافل التي تروح وتأتي على طريق الحرير بينما تعتبر اليوم المراكز التجارية والصناعية الأهم للاقتصاد السوري.

اكتشاف هذه الأسواق كان متعة أيام الصبا ففي كل خطوة فيها كنت اكتشف سراً جديداً مدهشاً وخاصة "سوق النسوان" المختص بالألبسة النسائية من بدلات العرائس الى البستهن الداخلية. وعادة مايكون هذا السوق مزدحماً بالنساء وبزيارة واحدة الى هذا السوق يمكن للزائر ان يحصل على فكرة رائعة عما ترتديه المرأة لزوجها ليظل يحبها، وفي احدى الفيترينات شاهدت مرة قطعتي ثياب داخلية نسائية تومض اذا مالمسهما الزوج. وقد أردت اكتشاف اسرار عوالم هذه الأسواق والخانات في قصة ممتعة فكان مسلسل "خان الحرير" التلفزيوني الذي رصد حركة الأسواق والخانات وسجل مكانتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في فترة الاضطرابات السياسية في الخمسينيات وحتى بداية الستينيات. وقد صُور المسلسل في الاماكن الحقيقية أي في الاسواق والخانات وطرقات وبيوت حلب القديمة التي تحدث الآن فيها معارك حربية تستخدم فيها القوات الحكومية الطائرات الحربية ومدافع المورتر.. يا إلهي!

والأمر لايتوقف فقط على حجارة هذه المدينة المغرقة في التاريخ بل ان مجتمع المدينة يحتفظ باسراره لنفسه، وقد عجز الرحالة الاجانب في الماضي عن اكتشاف اسرار هذه المدينة بالشكل الأمثل فماقدموه لقرائهم لايعدو عن صورة للظاهر أما الباطن فقد بقي دون اكتشاف خاصة مجتمع المرأة الحلبية والعلاقات النسائية النسائية، أقصد بالتحديد ظاهرة خفية تسمى "بنات العشرة".

كل حلبي يعلم أو سمع يوماً عن بنات العشرة الواسعة الانتشار في المجتمع الحلبي، ولكي نفهم سر هذه الظاهرة علينا ان نعلم ان المجتمع الحلبي هو مجتمع يفصل بين المرأة والرجل ولكن المرأة طورت علاقتها ببنات جنسها الى حدود المعاشرة العاطفية بسبب حاجتها الى الحنان والى معاشرة اجتماعية يومية. الرجل يمنع زوجته أو بناته من الاتصال بالرجال مهما كانوا بينما لايعتبر اندماجهن بعلاقات نسائية معيباً ولذلك تطورت هذه الظاهرة الى حدودها القصوى بموافقة الرجل أو على الأقل بصمْته. نحن نعلم مكانة الموسيقى في المدينة إذ لايخلو بيت من آلة العود الموسيقية حتى أن الآباء سمحوا للنساء بتعلم الموسيقى والغناء لاشباع الحاجة الى السمر في البيوت. وقد استفادت النساء من براعتهن الموسيقية هذه في لقاءاتهن اليومية وخاصة بنات العشرة اللواتي اعتدن على اللقاء في يوم محدد من الاسبوع حيث تجلس كل واحدة مع صديقتها التي تسميها "ابلايتها" متلاصقتين متخففتين من بعض الملابس تغنيان وتغنجان وتوجهان كلمات الأغاني الى بعضهما البعض وتأتيان بحركات راقصة ولايخلو الأمر من المداعبة والقبلات.

كنت في الماضي قد سمعت كغيري عن هذه الظاهرة وكنا على علم بأشهر بنات العشرة في المدينة وبأخبارهن وبما انني ككاتب ملتصق بهذه المدينة الرائعة فقد قررت كتابة رواية عن بنات العشرة اسميتها "حالة شغف". وكعادة كل الكتاب، فبعد أن يقرروا الكتابة عن شيء معين يبدأون رحلة الدراسة والبحث وبدأت انا نفسي هذه الرحلة ولكنني اكتشفت في بداية بحثي ان كل ماكتب في الماضي عن هذه الظاهرة ليس أكثر من عدة أسطر في "موسوعة حلب المقارنة" المتخصصة بالحالة اللغوية والثقافية والاجتماعية للمدينة ولذلك وضعت خطة لمقابلة العشرات من بنات العشرة الشهيرات أو من كن من معارفي وقريباتي.

كانت النتيجة مذهلة فقد انفتحتُ على عالم عجيب من العلاقات النسائية عماده الأساسي الصداقة وحب المعاشرة والموسيقى والغناء والرقص والحب والغيرة والخيانة والملامسة وفي كثير من الأحيان السحاق.

لقد أرادت المرأة الحلبية أن تتمتع بحياتها وتشبعها عاطفياً في غياب زوجها لأكثر من اثنتي عشرة ساعة يومياً دون أن تخونه مع أي رجل، والمهم أكثر أن الأزواج، في معظم الأحيان، كانوا على علم بمغامرات زوجاتهم العاطفية دون أن يعترضوا مادام الأمر لايشكل تهديداً للشرف ولايقلل من تقبلها لمداعباتهم في السرير ليلاً بعد عودتهم من أعمالهم.

كل ماأتمناه الآن ألا تكون كلماتي هذه عن مدينتي حلب شكلاً من أشكال النعي لمدينة ميتة.

 

09/11/2012

Nihad Sirees