Print

اللجوء الى مصر

في بداية هذا العام خرجت من سورية. أنا لم أرد أن أكون مجرد متفرج على انحدار البلد الى هوة فظيعة ومؤسفة، فإن أردتُ أن أعترض على جريمة ما فهناك من سيأتي ليرمي زجاج نوافذي بالحجارة كما حدث مرة أثناء "ربيع دمشق" حين وقعت بياناً لايناسب أهواء السلطة فوجدت زجاج نافذة سيارتي محطماً في الصباح، أو أنني سأتلقى اتصالات من التلفزيون أو الصحافة تطلب مني مديحاً "للاصلاحات" أو تبريراً للتدمير والقتل ولهذا العنف الفظيع وهذا ما أعتبره فعلاً مساوياً للخيانة.

قبل أن أحزم حقيبتي كان علي أن أقرر أولاً الى أين سأتوجه، الى تركيا أم الى الأردن أو ربما الى أوروبا؟ في تركيا سأعيش في عزلة وبعيداً عن عالمي بينما في فرنسا سأجد نفسي فقيراً وماقررت أن أصرفه في شهر سيستهلكه إيجار غرفة مترين بثلاثة، بينما في مصر سأكون على صلة مع لغتي التي هي أداتي الحقيقية وسأعيش في الثورة المستمرة التي أنا، حتى هذه اللحظة، متفائل بنتيجتها على المدى الأبعد وربما سيدفعني مايجري في القاهرة لفهم الربيع العربي بشكل أفضل، ثم إنني احتفظ ببعض الصداقات في مصر وسأنفتح على صداقات أخرى مع الكتاب المصريين، فقررت التوجه اليها وقد كان قراري صائباً.

السفر أثناء الانتفاضة في سورية يختلف عما كان قبلها. الآن بامكان السوري المسافر أن يلمس احساس الناس بما يجري في بلده. بعد اندلاع الاحداث في سورية وبينما كنت في صالة الفطور في فندقي في اسطنبول صيف العام الماضي لاحظت توقف الناس عن تناول قهوتهم ومضغ الكرواسان حين بدأ جهاز التلفزيون المعلق في الصالة بعرض بعض الصور عن سورية. كان معظم النزلاء، وقد كانوا من السياح الأجانب بالاضافة الى عمال الفندق، يتابعون صور المتظاهرين وهم يهرعون مبتعدين حاملين أخوانهم الجرحى. كان الاهتمام صادقاً والتعاطف واضحاً، في حين شعرت في القاهرة بالتضامن الأمثل من قبل الكثير من المصريين. قد لا تلاحظ ذلك فوراً على وجوه موظفي الجوازات والجمارك في مطار القاهرة ولكن ما إن تخرج من هناك حتى تلمس مدى متابعة الناس لما يجري في سورية.

بدون مقدمات سألني سائق التكسي "سوري حضرتك؟" وعندما أكدت له ذلك راح يصف شعوره ورعبه مما يجري في سورية ثم راح يردد "الله ينصركم على الظالم" عدة مرات. قال ان اسمه "أشرف" وهو من المعجبين بالفنان بسام كوسا وحمّلني أمانة أن أسلم له عليه عندما أعود الى سورية، ثم قال قبل أن يتوقف أمام فندقي "طلع نظام مبارك محترم يا أستاذ".

في القاهرة حرصت بعد أن استقررت على النزول الى شارع البستان وتحديداً الى مقهى "زهرة البستان" لمقابلة صديقي الروائي مكاوي سعيد الذي كما يخيل للمرء يسكن على رصيف هذا المقهى فأنت تستطيع مشاهدته هناك في معظم ساعات الليل والنهار ومع ذلك فهو يكتب الرواية وله مقال أسبوعي في صحيفة يومية ويدير داراً للنشر. فوراً دار الحديث مع كل من كان يجلس قرب مكاوي عن سورية وعن أحوال السوريين. كان البعض يريد أن يعرف بالتحديد ما إذا كان صحيحاً أن النظام يحظى بشعبية كبيرة رغم كل مايجري ثم انخرط الجميع في نقاش حام حول الفارق بين تصرف الجيشين السوري والمصري أثناء الثورتين.

"مجدي الشافي" فنان يؤلف ويرسم القصص المصورة وقد صدر حكم عن المحكمة في عهد مبارك بمصادرة كتابه المصور بسبب انتقاده الصريح للنظام وقد تجمع أصدقاء له أمام المحكمة قبل أن يصدر الحكم الا أن الحكم كان قاسياً فتمت مصادرة جميع النسخ من المكتبات والأكشاك. كان مجدي حين التقيته مشغولاً في التحضير لكتابه المصور التالي فهو لا يهدأ أبداً وهو يمتاز بروح مصرية خفيفة الدم ولكنه يعرف أيضاً كيف يعرب جيداً عن ألمه حين التقينا. صديقه القاص "علاء" موالي للسلطة في سورية رغم أنه مصري فتناقشا حول صراعنا السوري وكنت مستمعاً جيداً لهذا النقاش اللطيف إلا أن "رؤوف مسعد" طلب منهما بلطف اختصار النقاش. ورؤوف روائي مهم يعيش عادة في هولندا إلا أنني كنت محظوظاً بمقابلته في القاهرة قبل أن يعود مجدداً الى امستردام. انه صاحب رواية "بيضة النعامة" التي قرأتها بمتعة قبل عشرين عاماً.

وقد عرفت من خلال الانترنت بأن لعادل قره شولي أمسية شعرية باللغتين العربية والألمانية في معهد غوتيه في القاهرة. لقد تعرفت على عادل في نهاية الثمانينات بعد نشري لرواية "رياح الشمال" فدعاني الى جلسة تعارف في أحد مقاهي دمشق مع فواز حداد وآخرين. ماأزل حتى الآن أقدر له مبادرته للتعارف رغم انني في ذلك الوقت لم أكن سوى كاتب مغمور قام بنشر روايته الأولى. في معهد غوتيه وبعد استماعنا الى شعر عادل سُئل من قبل العديدين من الحضور عن رأيه فيما يجري في سورية. الأزمة الانسانية في سورية تحضر في جلسات الشعر أيضاً ومن الطبيعي أن تكون إجابة عادل قره شولي مفعمة بالألم. كان متواجداً أيضاً صديقه الكاتب الكبير "جمال الغيطاني" الذي أخبرني ونحن نتعشى الفول والطعمية بعد الأمسية الشعرية بأنه يتواجد عادة في "مقهى الفيشاوي" في "خان الخليلي" صباح كل أربعاء وعندما قابلته هناك في الأسبوع التالي قام بدور الدليل في "بين القصرين" وفي الحارة التي ولد ونشأ فيها "نجيب محفوظ" حتى أنه أشار الى إحدى النوافذ وقال انها نفس النافذة التي كانت تنتظر خلفها أمينة عودة زوجها "سي السيد أحمد عبد الجواد" من سهراته الليلية في الثلاثية.

أشعر في القاهرة بصلة قوية مع ما كل مايجري في سورية فهنا باستطاعة المرء أن يحصل على المعلومات والأخبار بكل الوسائط وخاصة الأقنية الفضائية والصحف المصرية والعربية بالإضافة طبعاً الى الانترنت. أحداث سورية تشغل حيزاً مهماً في الصحف بعد أخبار مصر كما تعتبر القاهرة مركزاً لاجتماعات مجلس الجامعة العربية الخاصة بسورية وأيضاً بعض اجتماعات المعارضة. هناك خيمة كبيرة للمعارضين السوريين نصبت في ميدان التحرير قرب مبنى الجامعة العربية يعلوها العلم الوطني السوري القديم ذو النجوم الثلاث الحمر ولا يعدم ان يرفع نفس العلم في مليونيات ميدان التحرير، كما علقت على أطراف الخيمة شعارات وبوسترات وصور الثورة السورية معروضة أمام أعين الألوف حيث أن المكان يغص دائماً بالسيارات والمشاة وبباعة الأعلام ومنها طبعاً هذا العلم الذي رفعه الوطنيون السوريون في السابق بعد أن حصلوا على الاستقلال عن فرنسا والذي يرفعه المتظاهرون الآن في الشوارع السورية.

يقال إن عشرات الألوف من السوريين التجأوا الى مصر بعد الأحداث، وبامكان أي شخص ملاحظة ذلك حين يزور "مجمع التحرير" للحصول على الاقامة أو تجديدها حيث يرى العدد الكبير من جوازات السفر السورية وقد استلمها الموظفون لاتمام العمل عليها. في المجمع، حين زرته لنفس السبب، كنت أسمع اللهجة السورية تتردد حولي في الممرات أو عندما كنت واقفاً في الصف في انتظار دوري، وعلى العموم فإن السوريين هنا يشعرون بأمور لم يكونوا قد اعتادوا عليها مثل أن يتحولوا بين ليلة وضحاها الى لاجئين باحثين عن الأمان.

في القاهرة صادفت بعض التجار الحلبيين الذين نقلوا أعمالهم اليها أو كانوا يبحثون عن فرص للاستثمار بعد أن كسدت تجارتهم أو توقفت مصانعهم بسبب الأحداث، مثل محمد الذي زارني مصطحباً زوجته وابنه الرضيع. كان محمد الذي يعمل في الوكالات التجارية قد ترك حلب بعد الأحداث الى ماليزيا حيث أسسس مكتباً تجارياً وقرر أن يستقر هناك، إلا أنه لم ينجح في ذلك فترك ماليزيا ليستقر في القاهرة. وعدم نجاحه هناك ليس بسبب فشله في الاستثمار بل، كما قال، "لأن المطر لايتوقف عن الهطول والبعوض الذي يشبه النقاط البيض تطير في الهواء وتلسع بشكل مزعج جداً ولايمكن مقاومته، ثم هناك الأبراص الكبيرة (الحرادين) التي تدخل المنازل وتستقر في المطابخ وأخيراً وليس آخراً (حسب تعبيره أيضاً) انعدام التواصل مع الناس بحيث أن زوجته كادت تموت من الضجر".

لقد هرب التاجر محمد من ماليزيا بسبب الأبراص والذي هرب أصلاً من سورية بسبب الأحداث وجاء الى القاهرة هو وأسرته دون أن يعلم أن الأبراص تصول وتجول هنا أيضاً وتسكن المطابخ وتخرج من أوكارها حين يحل السكون في المنزل وتقترب من المجلى لتشرب الماء. ولقد اكتشفت عدة أبراص عندي أيضاً في مطبخ الشقة المفروشة التي استأجرتها في القاهرة، وأنا أعتقد أنها ليست أبراصاً عادية فهي أكبر من تلك الزواحف الصغيرة التي نعرفها في حلب والتي ندعوها بـ "أبو بريص"، عندها اهتممت بالأمر وبدأت البحث عن طريقة لتطفيشها قبل أن أطفش أنا فلاحظت وجود إعلانات كثيرة في النشرات التجارية عن استعداد الكثير من شركات مكافحة الحشرات للقضاء على الأبراص بواسطة الموجات الفوق صوتية، وهذا يعني انها ظاهرة عادية هنا.

اعتاد السوريون على استقبال اللاجئين بكل مروءة وكرم خلال تاريخهم الحديث، فمن استقبالهم للأرمن عقب مذابح 1915 ومابعدها، الى استقبال الفلسطينيين عام 1948 ثم اللبنانيين أثناء الحرب الأهلية والغزو الاسرائيلي وأخيراً استقبال اللاجئين العراقيين بعد الغزو الأمريكي للعراق واشتعال الحرب الطائفية. أتذكر ذلك وأزعم بأن العرب لم يعرفوا مضيفاً للاجئين أكرم من السوريين الذين تحول جزء منهم الآن الى لاجئ يبحث له عن مكان آمن يعيش فيه.

 

نشرت في جريدة السفير بتاريخ 1/6/2012

http://assafir.com/WeeklyArticle.aspx?EditionId=2164&WeeklyArticleId=91032&ChannelId=12053&Author=%E4%E5%C7%CF-%D3%ED%D1%ED%D3