Print

ثورة تبحث عن قيادة

كانت سورية دولة هادئة ذات طقس جميل وشعب موهوب يحب ان ينشغل دائما بأمور الحياة ومنها طبعا تحضير الاطباق الشهية التي يمتدحها كل شخص غريب يزورها، ولكن مايجري الآن بعد أحد عشر شهرا تقريبا من احداث دموية غيرت صورة سورية في عيون العالم من شعب كريم يحب العيش بسلام الى شعب يتعرض لأبشع أشكال الاضطهاد الدموي ربما في كل تاريخه الحديث.

بعد أن أصبح الأب حافظ الأسد رئيسا للبلاد قبل أكثر من أربعين عاما، بدأ عملية إعادة هيكلة الدولة ليحول سورية الى دولة بوليسية غير مسبوقة. ومن أجل رضوخ الناس للأمر الواقع استخدم طريقة العصا والجزرة، العصا في أقبية المخابرات والجزرة لمكافأة الموالين وكانت المكافأة عبارة عن فتح المجال للفساد والتربح بشكل غير قانوني وبدون حساب شرط أن يكون الفاسد مواليا لاشك فيه.

كان الولاء في زمنه حسب الترتيب التالي: أولا للرئيس (أي له وحده) ثم للعائلة (الأسد) ثم للطائفة ثم لحزب البعث، وقد قام بترويج شعار "الأسد للأبد"، وهذا يعني حكم عائلة الأسد الى الأبد.

عندما وصل الابن بشار الى سدة الرئاسة بعد وفاة الأب عام 2000 كانت كل أنشطة الحياة معطلة فقدّم الرئيس الجديد نفسه على انه سيقوم بعملية اصلاح ضرورية. كان عليه ان ينشّط الحياة السياسية ويخلق هامشا ديموقراطيا جديا ويحارب الفساد وأن يقوم بتحرير الاقتصاد من هيمنة الدولة واعادة بناء الطبقة الوسطى التي دمرها أبوه وغيرها. كان عليه أيضا ان يخفف من سلطة الاجهزة الأمنية، ولكنه عوضا عن ذلك كله أبقى على ميراث أبيه وحاول فقط القيام ببعض الاصلاحات الاقتصادية ففشل.

كانت مدينتا دمشق وحلب هما المستفيدتان الرئيسيتان من الاصلاح الاقتصادي بينما تم اهمال المدن والارياف الاخرى، وعندما ابتدأ الربيع العربي تشجع الناس وخرجوا للتظاهر السلمي. لقد تصرف النظام في مدينة درعا في بداية الانتفاضة بنفس العقلية التي سار عليها طوال عقود وهي التعذيب واهانة كرامة الناس. كان أول من اعتقل في درعا وعذب واقتلعت أظافره هم من أطفال المدارس لأنهم كتبوا شعارات الثورة المصرية على جدران المدرسة.

ان العجرفة التي يمتاز بها النظام والقسوة والخوف اللذين حكم بهما البلاد خلال أربعة عقود كانت الطرق المفضلة عند النظام لحل الأزمة الجديدة ولكن هذه المرة لم تكن أقل من الزيت الذي يُصب على النار.

لماذا لم تتوقف الانتفاضة رغم كل هذا العنف الذي قابلتها به السلطات؟

ان سر استمرار الانتفاضة الشجاعة هو انها من غير قيادة مركزية، فبسبب القمع المديد لم تعد سورية تملك شخصية معارضة ذات كاريزما يمكن ان تقود الجماهير، حتى ان المتظاهرين كانوا ينزلون الى الشارع من غير قيادة توجههم، ثم وأثناء التظاهر كانوا يقومون باختيار من هو أكثرهم شجاعة ليصبح زعيما في منطقتهم. كانت القوى الأمنية والقناصة تستهدف القيادات والشباب الأكثر فعالية ونشاطا لاخماد الانتفاضة ولكن ما ان يقتل ناشط حتى يحل محله آخر من الصفوف الخلفية. لو كان هناك قائد ملهم للثورة وتم قتله أو تعرض للخيانة لكان الاحباط قد أصاب الثوار فعادوا الى بيوتهم، ولكن الثورة هي فرصة الجميع ليكونوا في المقدمة فما إن يسقط الأول حتى يحل محله الثاني، فحتى المجلس الوطني السوري SNC لايعتبر قائدا للثورة بل مجرد هيكل أكثر تنظيما لمساعدة الثورة وهو نفسه يعاني من مسألة اختيار قياداته.

ان عدم وجود مؤسسات قيادية لهذه الثورة يفقدها الاستراتيجية ويحولها الى ثورات عديدة بطموحات مختلفة وبيئة خصبة للاختراق والانحراف. اننا نلاحظ كيف ان الثورة اليوم وبعد طول هذه المدة من القتل دون رادع قد بدأت تأخذ منحى اسلاميا قد يتطرف في أية لحظة.

هذه الثورة استمرت أيضا لأنها انتشرت وبسرعة في الارياف الواسعة بعيدا عن تجار وصناعيي المدن الكبيرة البراغماتيين الذين استفادوا ماديا من اصلاحات النظام.

ولأن النظام يعتمد على الحل العسكري وليس السياسي في التعامل مع الانتفاضة وبسبب اتساع الرقعة الجغرافية للمظاهرات، لم تعد قوى البوليس السري والوحدات العسكرية الموالية مائة بالمائة كافية لقمعها، فتم انزال دبابات الجيش لاقناع المتظاهرين بالقوة بقبول الفتات الذي يقدمه النظام الذي لن يتنازل، حتى لو أشعلها حربا، عن حكم عائلة الأسد الى الأبد.

لقد قام الأسد الأب باعادة هيكلة الجيش السوري فجعل فئة الضباط من الموالين له بينما باقي أفراد الجيش هم من مناطق سورية المختلفة. ويعتبر الريف المنبع الرئيسي للجنود العاديين الذين يخضعون لسلطة قادتهم الموالين. وعندما تم نشر الجيش مع أوامر صريحة باطلاق النار على المتظاهرين كان النظام يعرف مسبقا ان هناك من سينشق، لذا فقد طلب من البوليس السري مواكبة قطعات الجيش الى المناطق الساخنة لاطلاق النار على رأس كل جندي يمتنع عن اطلاق النار على الناس. وبالفعل فقد تم قتل الكثير من الجنود مع الادعاء بأن من قتلهم هم العصابات المسلحة. في تلك المرحلة بالذات استطاع بعض العسكريين وقلة من الضباط الانشقاق والهرب ثم التجمع في مجموعات محاربة. وبما أن الأزمة قد طالت وأن عنف النظام على المتظاهرين قد ازداد أيضا فقد أدى ذلك الى تزايد عدد المنشقين وتشكيل الـ FSA وهو "الجيش السوري الحر". اننا نشاهد الآن عملية انقسام أفقي للجيش بحيث ينشق الأفراد لتشكيل جيش من الجنود الأفراد الذين يبحثون عمن يقودهم في الوقت الذي يتحول الجيش السوري الى ضباط بدون جنود مما سيدفع النظام الى استيراد مقاتلين من ايران وحزب الله.

لقد وجد النظام نفسه في طريقين اثنين، فان ابقى الجيش في المدن فان القتل سيستمر والانشقاق سيزداد وسيغدو الجيش السوري الحر أقوى وأكثر عددا وستسير البلاد نحو حرب أهلية مدمرة وسيسقط النظام في النهاية بعد أن تدفع البلاد ثمنا غاليا. بينما إن قام النظام بسحب الجيش الى ثكناته فان المتظاهرين سوف يحتلون الشوارع والساحات بدون خوف وخاصة في مدينتي دمشق وحلب وبالتالي سيسقط النظام على الطريقة التونسية وهكذا فقد اختار النظام الطريق الأول.

ان استمرار الأزمة على الشكل الذي تسير عليه حاليا سوف يدفع السوريين الى عسكرة كاملة لثورتهم مما سيدفع البلاد نحو حرب أهلية بدأنا نلمس بدايتها. ان موقف روسيا خطير جدا على هذا الصعيد لأنه يقدم فرصة للنظام للاستمرار في القتل ومهاجمة المدن المتمردة دون ضابط مما سيمنع السوريين من تفادي الحرب الأهلية بينما هي في بدايتها.

القاهرة 16/3/2012 ونشرت باللغة الألمانية في جريدةNZZ  زيوريخ في 22/5/2012