Print

رسالة من مثقف سوري إلى معارض لبناني

أيها الصديق

منذ ان استشهد الرئيس رفيق الحريري وأنا لا أتوقف عن مشاهدة التلفزيون. استوقفتني في البداية محطة المستقبل ثم جميع المحطات التي راحت تنقل التحشدات في ساحة الشهداء حتى سقطت حكومة الرئيس كرامي. كنت أتفرج على الناس الذين كانوا يزورون الضريح. الناس بكل أنواعهم وأجناسهم ومعتقداتهم. لاحظت كيف ان الكثيرين يقفون متجاورين ويصلي كل منهم صلاته الخاصة. واحد منهم أخرج مصحفاً وراح يقرأ الآيات القرآنية على روح الشهيد بينما راحت الفتاة التي تقف إلى جانبه تصلي ثم ترسم الصليب على صدرها. يقفون خاشعين، كل حسب عقيدته.  لقد تغير اللبنانيون. أن يصلي أصحاب الديانات المختلفة كل حسب ديانته على شهيد واحد يعني ان الدنيا تغيرت  وان اللبنانيين قد تغيروا. لقد تجاوزوا محنة "الهويات القاتلة" حسب أمين معلوف ودخلوا السياسة من بابها العريض.

لستُ الوحيد هنا المعجب برفيق الحريري بل ان  الكثيرين من أصدقائي يحبونه، فالرجل يستأهل أن يحب وعندما كنت أزور بيروت لأمر يتعلق  بعملي ككاتب كنت أحرص على قضاء معظم وقتي، حين أفرغ من عملي، في السوليدير. انني أحب هذه التحفة التي أعدتم بناءها برئاسة الشهيد الحريري وأشعر فيها برقيكم وذوقكم الرفيع. ليس غريباً ان نحب الحريري وليس غريباً ان يحب الناس في بلدي الثقافة اللبنانية وموسيقاها ومسرحها ومطربيها وصحفها ومحطاتها التلفزيونية. حتى ان الاعلانات التجارية في محطة الـ "اف ام" السورية تتم باللهجة اللبنانية الجميلة ولعلمك فان الكثيرين عندنا يسعون للحصول على اشتراك لدخول شبكة الانترنت بهدف قراءة الصحف اللبنانية وخاصة "النهار" التي منعنا من الوصول اليها هنا.

في مدينة حلب حيث أعيش وأكتب نتحدث بلهجة عامية تتشارك مع اللهجة اللبنانية بـ "الإمالة" أي اننا نقول "كتيب" عوضاً عن "كتاب" ونقول "ميشي" ونقصد "ماشي". هذا الاشتراك بالإمالة يجعلنا نقتخر بلهجتنا المحلية لأنها تتشابه مع لهجتكم المحبوبة في جزء منها.

لقد دخلتم السياسة وأصبحتم تمارسونها. أصبحتم موالاة ومعارضة وهذا يعتبر إس السياسة ففي الاثنتين أناس من ديانات مختلفة ولكن لكل منها توجهاتها. أنتم دخلتم السياسة بينما نحن نسيناها أو خرجنا منها ولا نعرف متى أو كيف نعود.

صدقني، ليس غريباً ان نحبكم ولكن الغريب أن يشكك أحد بهذا. هناك أمر آخر، اننا نراقب الحشود بعشق في ساحة الشهداء وكأننا نحن الذين نتحشد. مشهد الحشود التي تلوّح بالأعلام اللبنانية ذات الألوان المحببة لن يُنسى وعندما تكللت هذه الثورة بالنجاح "الأول" باستقالة حكومة الرئيس كرامي شعرنا بأننا نحن أيضاً انتصرنا معكم. ولماذا لا نبتهج مادمتم تثورون على الأجهزة الأمنية مهما كانت وعلى تدخلات الآخرين. هل تريدون أن يخرج الجيش السوري من لبنان؟ فليخرج.. ماذا يفعل هناك بعد أن أصبح المسلم والمسيحي والدرزي يقفون امام ضريح الشهيد يتلون صلواتهم المختلفة على روحه الواحدة؟ أنا لا أعتقد بأن الأجهزة السورية هي التي اغتالت رفيق الحريري ولكن كم من الأفعال قامت بها لكي توجه اليها الاتهامات بهذا الشكل ويصدقها الناس؟

لقد فرضت الأجهزة الوصاية عليكم. من حقكم ان تثوروا على هذه الأجهزة.. نحن (جميع المثقفين السوريين) بكل انتاجاتنا الثقافية والفكرية والفنية نعتبر عند الأجهزة قاصرين ويجب أن تفرض علينا الوصاية. حسب معتقدهم فإننا لا نفهم لا بالسياسة ولا بالوطنية ولا نستطيع أن نحل مسألة وطنية واحدة. هنا وصل الأمر إلى حد اغلاق الصالات الفنية بدون سبب واعتقال الناس وتقديمهم للمحاكمة العسكرية لا لشيء إلا لأنهم ذاهبون لحضور محاضرة ثقافية. نحن وإياكم إذن مفروضة علينا الوصاية وعندما نراكم تتحررون منها فاننا نشعر بالبهجة والحنين و .... الأمل.

ثورتكم المخملية والسلمية هي ثورتنا. نربص من أجلها امام التلفزيون ونوقع العرائض إلى المسؤولين عندنا لكي ينسحب الجيش السوري من لبنان ويترك اللبنانيين يحلون أمورهم بأنفسهم فهم قادرون على ذلك. ولكننا نتفاجأ ببعض الأحداث والشعارات فنشعر بأن هناك من يسحب منا  سعادتنا.

بدأت الأخبار تصل الينا تباعاً عن اعتداءات على المواطنين السوريين في "سعدنايل" وفي صور وان هؤلاء يختبئون في كل لبنان ولايظهرون إلا في الليل لشراء ما يقتاتون به لكي لايموتوا جوعاً. سمعنا عن قنابل صوتية القيت على بيوت بعض العمال وسمعنا عن توقف سيارات الاجرة ذات اللوحات السورية عن اجتياز الحدود لاعادة السوريين إلى وطنهم وارتفاع أجر مقعد في سيارة أو باص إلى أرقام خيالية.. فالناس في خوف ويدفعون الغالي والرخيص من أجل الهرب باتجاه الحدود. انني أرجوك وأرجو أصحابك ألا تسيئوا إلى شعورنا بالاعتزاز بكم.

إلا أننا سمعنا تطمينات من الاستاذ وليد جنبلاط والآخرين حول الشعارات التي يجب ان يكتفي بها المحتشدون في ساحة الشهداء.

أريد هنا ان أثبت بعض الحقائق فقد وقع بعض الكتاب في صحفكم اللبنانية في أخطاء كثيرة أثناء مطالبتهم بخروج الجيش السوري من لبنان قبل الصحوة الأخيرة وهذا ما أجج بعض المشاعر المعادية للمواطن السوري. فخروج الجيش السوري تحول إلى خروج السوريين والثلاثمئة الف عامل أصبحوا مليون (هناك هوس للبنانيين برقم المليون) و الوظائف التي خطفوها من اللبنانيين ظهرت بأنها أعمال "وسخة" حسب تعبير صحفكم تأنفون من القيام بها. إنهم فقراؤنا أيها الصديق هؤلاء الذين يقومون بأعمال التنظيفات وأعمال البناء والرعي والزراعة. هناك من تحدث أيضاً عن الخضروات والفواكه الشامية الرخيصة التي تغزو أسواقكم وتنافس بضائعكم.

ولكن فقراءكم يغزون دمشق أيضاً يومي السبت والأحد من كل أسبوع لشراء الألبسة والبضائع السورية الرخيصة (بالنسبة إليهم). الفقراء من كلا الطرفين بحاجة إلى البلدين حين تخرج القوات السورية وتنجح ثورتكم المخملية التي نتمنى لها كما قلت النجاح فهي أيضاً ثورتنا. الموز اللبناني الرخيص نشتريه في أسواقنا عوضاً عن أن ترموه في البحر فأنتم لا تأكلون مثل هذا النوع الرخيص. كل خميس وجمعة تنظم رحلات في كل المحافظات السورية الى لبنان لأبناء الطبقة الوسطى السورية لقضاء يومين في ربوع لبنان والنوم في فنادقها والخروج الى أسواقها لشراء البضائع الصينية الرخيصة التي يستوردها التجار اللبنانيون خصيصاً للزوار السوريين. أما أغنياؤنا فهم يودعون أموالهم في مصارفكم ويقومون كل اسبوع برحلة الى شتورا ثم الى بيروت للـ "شوبينغ" في أرقى محلاتها.

أتذكر كيف أن صناعيينا ومصرفيينا قد هربوا بأموالهم الى لبنان في فترة الوحدة السورية المصرية ثم بعد آذار من عام 1963 وأنشؤوا المصالح الاقتصادية هناك، كما ان اللبنانيين قد هربوا الى سورية أثناء الحرب الأهلية. كثير من أهلنا لهم أقارب في لبنان وكثير من اللبنانيين لهم أقارب في سورية استضافوهم أثناء الشدة ثم ردوا لهم الضيافة بأحسن منها حين اللزوم.

لقد تثقفنا وانصقلنا على كتب دار الآداب ودار العلم للملايين وعلى مجلتي الأديب والآداب. أثرت فينا كتابات جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وعشقنا فيروز ووديع الصافي وماجدة الرومي وحليم بركات، بينما يقوم شباننا اليوم بترداد أغاني مارسيل وجوليا بطرس. نقوم بنشر كتبنا التي تمنعها الرقابة السورية في لبنان ونذهب في رحلات ثقافية الى بيروت لحضور العروض الجديدة لمسرح المدينة.

لن نقبل، أيها الصديق، بأن تقوم الأجهزة الأمنية بوضعنا في مواجهة بعضنا البعض، فلتخرج (بكرامة) ولتترككم تنجزون ثورتكم الديموقراطية هذه التي تسحروننا بأناقتها ودعتها. كما أننا لن نرضى بأي شكل من أشكال العنصرية الموجهة ضدنا وضد فقرائنا مع علمنا ان تصرفات البعض منا هي التي أوصلت الأمور الى هذا الحال.

دمت أيها الصديق وأتمنى لكم النجاح في مسعاكم الديموقراطي.