Print

مسرحية " بيت الألعاب" أو "صانع القوانين"

الشخصيات:

شعبان وهو الخادم، قوي الجسم، يرتدي بدلة باستمرار.

الدكتور عقيل وهو الضيف، في الثلاثينات.

شوقي وهو السيد، في الستين من عمره، شعره شائب.

رجاء طالبة جامعية في الحادية والعشرين.

المشهد الأول

(غرفة الصالون لأحد القصور الريفية القديمة التي يمتلكها الأغنياء. نرى الباب الرئيسي وباب داخلي وهناك درج ملتف بأناقة يؤدي إلى الطابق العلوي. في الصدر شيمينيه تشتعل فيها الحطب ومقعدان جلديان وهاتف، بينما توضعت طاولة مستديرة للعب الورق وكراسٍ خاصة بها. الفرش قديم ولكنه جيد)

(نرى الأشياء التالية: مكتبة على أحد رفوفها جهاز تلفزيون، عدة طبقات من ورق اللعب بسماكات مختلفة، صورة للوحة من الفن الحديث، صورة روليت، صورة بيدق شطرنجي كبير. رأس حيوان محنط معلق على الجدار، بندقية صيد معلقة، إعلان للكوكا كولا، رقعة شطرنج على حامل والأحجار مصفوفة، طاولة زهر)

(موسيقا، اضاءة خافتة. انها تمطر في الخارج بقوة، نسمع الرعد وصوت الهطول ونرى كيف تبرق. تقوى الاضاءة بالتدريج "ولكن تبقى هناك بعض الزوايا الأقل اضاءة" وتخفت الموسيقا فنرى السيد وخادمه يقفان ينظران إلى الباب. أثناء كل ذلك نسمع صوت دق ملهوف على الباب.)

الدكتور عقيل: ياسيد، أرجوك افتح الباب. افتح أرجوك. لاتخف، أنا الدكتور عقيل، الاستاذ المساعد في الجامعة. لقد تعطلت سيارتي في هذا الطقس الرهيب، أرجوك ان تسمح لي ان أخابر زوجتي لكي تأتي وتأخذني..

(الطرق مستمر، الخادم يستدير نحو سيده ليعرف مايفعل.)

شوقي: يبدو اننا سنتسلى الليلة ياشعبان.. أرجو ان يعرف الرجل شيئاً عن لعب الورق، أو على الأقل ان يكون ملماً بلعب الشطرنج. ولكن في كل الأحوال، حتى ولو لم يكن لاعباً جيداً فإنني سأعلمه لأكسب منه بعض الرهانات. هل قال انه استاذ مساعد في الجامعة؟

شعبان: نعم ياسيدي، هكذا سمعت أنا أيضاً.

شوقي: عظيم، انهم أذكياء في مواضيع اختصاصاتهم، هبلان في أمور الدنيا. سوف نتسلى كثيراً. هل تعلم انه لم يخطئ أحد وطرق بابنا منذ عشرين شهراً؟

شعبان: نعم ياسيدي.. عشرون شهراً.

شوقي: سوف تفتح له ياشعبان، وسوف نستقبله أحسن استقبال. أعتقد انه جرز خائف ومبلل من رأسه حتى قدميه. سوف نعرف كيف وصل إلى هنا، سوف تقدم له الشوربة الساخنة ثم علي ان أعلمه إحدى الألعاب ومن ثم علي ان ألاعبه حتى الصباح لأكسب منه بعض الرهانات.

شعبان: أنا جاهز ياسيدي.

شوقي: لقد مضى وقت طويل منذ ان ضاع أحدهم في الغابة وطرق بابنا.. هل تذكر ذلك الطبيب؟ كسبت منه رهاناً يساوي عمره.

شعبان: أذكره ياسيدي.

شوقي: هل غرفة الضيوف، تلك التي في القبو، جاهزة؟

شعبان: نعم، جاهزة ياسيدي.

شوقي: إذن، افتح الباب ودع المسكين يدخل..

(يجلس السيد على احد المقعدين بجانب المدفأة ويمسك ورق اللعب يخربطه بينما يذهب الخادم ليفتح الباب. يدخل الضيف وقد رفع معطفه المبلل يحمي به رأسه ونراه وقد تبلل بالماء. الضيف الاستاذ في الثلاثينات من عمره رقيق، مرتبك وخائف، نسمع معه بشكل واضح صوت هطول المطر والرعد)

الدكتور عقيل: آه، الحمد لله. شكراً لك ياأخي الكريم.. المعذرة على تطفلي في هذا الوقت من الليل.. مساء الخير.

(الخادم قليل الكلام ويبقى متجهماً، ينهض اليه السيد بشوشاً ومرحباً وبيده ورق اللعب يخربطه ويعبث به باستمرار)

شوقي: مساء النور.. أهلاً وسهلاً.

الدكتور عقيل: آه (يراه) مساء الخير ياسيد، أرجو المعذرة، انقطعت بي السيارة على الطريق العام، أنا في ورطة حقيقية، تصور غضب السماء هذا، انه لا يحتمل، لأول مرة في حياتي أسافر من اللاذقية إلى حلب فتفاجئني العاصفة. اعتدت السفر في طريق الغاب الموحش. عندما انطلقت من اللاذقية كانت السماء صاحية إلا من بعض الغيمات المسالمات. فجأة هبت الريح القوية وبدأت ترعد وتبرق.

شوقي: هذا شيء عادي عندنا.

الدكتور عقيل: كنت دائماً أقول لزوجتي الله يحميني من العواصف أثناء الطريق، فنظري لا يساعدني على الرؤية الجيدة في الليل بينما تنهمر على السيارة سيول الأمطار. كانت ماسحات الزجاج الأمامي تعمل بأقصى سرعتها ومع ذلك لم تكن كافية لرؤية سليمة.

شوقي: وهل حدث معك حادث لا سمح الله؟

الدكتور عقيل: خرجت عن الطريق فاصطدمت بجذع شجرة.

شوقي: يا ساتر.. وماذا حدث؟ لا تقل أنك مصاب (يتفحصه)

الدكتور عقيل: لا والحمد لله.. كنت أضع حزام الأمان كعادتي. زوجتي توصيني بذلك باستمرار. خابرتها قبل انطلاقي من اللاذقية كعادتي أيضاً. قالت لي قد بهدوء وانتباه ولا تنس ربط الحزام. تعودت على هذه العادة السليمة في أوروبا أثناء تحضيري لشهادة الدكتوراة هناك. هذه العادة ليست موجودة هنا في بلادنا. قال لي زميلي في الجامعة انه يشعر وكأنه مكبل حين يقود سيارته مستعملاً حزام الأمان. قال انه غير معتاد، بينما نحن، انا وزوجتي معتادان عليه. في أوروبا يغرمون السائق الذي يقود دونه، أما هنا فلا.. لا أعرف السبب.

شوقي: إذن فأنت تقول ان حزام الأمان قد أنقذك حين اصطدمت بجذع الشجرة.

الدكتور عقيل: نعم.. هذا هو بالضبط.

شوقي: ولكنك مبلل بشكل كامل، سوف تصاب بالبرد. شعبان، خذ معطف ضيفنا واجعله يجف..

شعبان: حاضر ياسيدي.

(يأخذ المعطف، الضيف يشعر بالحرج والضيق)

الدكتور عقيل: أنا آسف على اتعابك ياسيد شعبان.

شوقي: شعبان خادمي وهذه هي مهمته، خدمتي وخدمة ضيوفي.

الدكتور عقيل: مع ذلك أشعر..


شوقي: لن تشعر بشيء، لماذا لا تخلع حذاءك المبلل؟

الدكتور عقيل: ليست هناك ضرورة ارجوك.

شوقي: شعبان، أحضر لضيفي الأستاذ خفاً منزلياً، يجب ان لا ندع الرطوبة تتسلل إلى عظام ضيفنا.

شعبان: حاضر ياسيدي.

الدكتور عقيل: أرجوك.. أرجوك.. العفو.. كل ما هنالك أن تسمح لي أيها السيد شوقي بأن أخابر زوجتي بالهاتف لترسل لي من يقطر السيارة إلى حلب. لا تهتم للرطوبة أو لعظامي، سوف أجلس إذا سمحت لي بجانب المدفأة وسوف يجف الحذاء وأطراف البنطلون وسوف يصلون حالاً إذا سمحت لي باستخدام هاتفك.

شوقي: اذن كل شيء على مايرام، سوف تخابر زوجتك، اطمئن.. هل انت جائع؟

الدكتور عقيل: لا، اشكرك.. تناولت طعامي قبل ان أنطلق. تعودت على هذا، لن أجوع قبل ان أصل إلى البيت فتكون زوجتي قد جهزت المائدة.

شوقي: لن تمانع في ان نشرب الشاي الساخن، سوف يفيدك جداً.

الدكتور عقيل: حسن..

شوقي: شعبان، أعمل لنا الشاي وهات بعض البسكويت.

(يخرج الخادم، السيد يقود ضيفه إلى المدفأة)

شوقي: تفضل إجلس إلى جانب المدفأة ومد ساقيك نحوها. أشعر بالحزن عليك بسبب ما أصابك.

الدكتور عقيل: أفضل ان أهتف إلى زوجتي أولآ ومن ثم نجلس.

شوقي: سوف تجلس إلى جانب الهاتف لتخابرها كيفما شئت. تفضل.

الدكتور عقيل: بارك الله فيك ياسيد..(يجلسان)

شوقي: السيد شوقي..

الدكتور عقيل: ياسيد شوقي.

(يتناول الضيف السماعة)

شوقي: هل قلت ان اسمك الدكتور عقيل؟

الدكتور عقيل: نعم، الدكتور عقيل، استاذ مساعد في الجامعة.

شوقي: تشرفنا يادكتور؟

الدكتور عقيل: يزيد شرفك، أنا يعني.. مرتبك جداً لأنني تثاقلت عليك سيد شوقي، لن أنسى معروفك هذا ماحييت.

(يضع الضيف السماعة على اذنه فينصدم)

شوقي: ماذا هناك؟

الدكتور عقيل: لا توجد حرارة.

شوقي: هذا غير معقول، في الظهيرة طلب شعبان بعض المؤن بالهاتف..

(يأخذ السيد السماعة فيتأكد ان الحرارة مقطوعة)

شوقي: فعلاً.. لا توجد حرارة (يعيد السماعة إلى الحامل) على كلٍ هذا شيء طبيعي في مثل هذا الطقس. أعتقد انها ستعود قريباً، في هذه المنطقة المعزولة تتكرر الانقطاعات في الأجواء العاصفة لأن الخطوط هوائية وقديمة.

الدكتور عقيل: وماذا أفعل؟ السيارة معطوبة وزوجتي تنتظرني على نار. انها تظل تقرأ الآيات وتنفخها باتجاه طريق اللاذقية كلما كنت على سفر.

شوقي: سوف تعلم من نشرة الأحوال الجوية بأمر العاصفة، وسوف تحسب انك التجأت إلى مكان ما بانتظار توقفها.. لا تقلق، ولكن قل لي.. لماذا تسافر في طريق الغاب الموحش؟

الدكتور عقيل: عندما أكون في اللاذقية أقيم في بيت استأجرته خارج المدينة على طريق البسيط. ثم انه طريق حديث ومنبسط والقيادة فيه مريحة رغم انه موحش.. ولكنني قد تعودت عليه. هل تعلم انها هي التي تنصحني باستمرار السفر عليه..؟ تعتقد انه أأمن من الطريق العادي الذي تكثر فيه المنعطفات الخطرة.

شوقي: آه.. هذا صحيح، ولكن كيف وصلت إلى بيتي، إنني أسكن في الغابة والبيت يبعد أكثر من ثلاثة كيلو مترات عن الطريق؟

الدكتور عقيل: ثلاثة كيلومترات..؟ هل سرت كل هذه المسافة دون أن أدري؟(يضحك باحراج) في الحقيقة لا أعرف كيف وصلت إلى هنا. اصطدمت السيارة بتلك الشجرة اللعينة. وقفت انتظر مرور سيارة أخرى ولكن دون فائدة فالسير على هذا الطريق نادر، خاصة وسط العواصف وفي الليل. فجأة خطر في بالي البحث عن ملجأ، أي بيت يسكنه الفلاحون ويبدو انني وجدت بصيص نور داخل الغابة فاتجهت نحوه.

شوقي: ولكن أنوار بيتي لا تشاهد من الطريق العام..

الدكتور عقيل: لا تشاهد؟ ولكنني متأكد انني شاهدت نوراً.

شوقي: هذا غريب، وبعد ذلك.. ألم تخف من الخوض في الغابة، بعض الوحوش والضباع تتجول فيها في الليالي العاصفة؟

الدكتور عقيل: لم يخطر في بالي هذا، كنت مضطراً.

شوقي: أعتقد أنك شاهدت بريق عيني أحد هذه الوحوش فحسبته نوراً صادراً عن بيت أحد الفلاحين.

(يزداد ارتباك وخوف الضيف)

الدكتور عقيل: بريق.. وحوش؟

شوقي: لا تخف، إنني أمزح، ولكن العناية الإلهية هي التي قادتك إلى هنا. سوف نعتني بك جيداً حتى الصباح ثم سأطلب من شعبان ان يوصلك الى أقرب قرية. من هناك تستطيع ان تجد وسيلة لمتابعة سفرك.

الدكتور عقيل: هذا جيد، ولكن كيف سأنتظر حتى الصباح دون ان أتصل بها.

شوقي: بمن؟

الدكتور عقيل: بزوجتي.

شوقي: لو كنت أملك سيارة لكنت خدمتك فوراً.. ولكن كما ترى.. الأمر خارج عن إرادتي.

الدكتور عقيل: هذا صحيح.. لقد أشغلتك معي. لعنني الله كيف قدت السيارة إلى تلك الشجرة.. في الحقيقة لم أرها بسبب العاصفة.

شوقي: قلت انك كنت تحضر للدكتوراه في أوروبا.

الدكتور عقيل: بالضبط.. أنا دكتور.

شوقي: وبماذا؟

الدكتور عقيل: أنا دكتور في التاريخ. اطروحتي كانت عن تاريخ العلوم عند العرب.. أنا متخصص في هذا الفرع من التاريخ.

شوقي: آه..!! عند العرب؟.. هذا شيء ممتع.


الدكتور عقيل: جداً، إنني أهتم هذه الأيام بالبيروني.. هل تعلم انه ابتكر طريقة لجعل مياه الآبار تصعد إلى السطح دون مضخات كما يفعلون هذه الأيام؟

شوقي: كيف؟

الدكتور عقيل: إنها طريقة هندسية معقدة تعتمد على حفر العديد من الآبار. سوف أرسل لك ملخصاً للطريقة.

شوقي: سأكون لك من الشاكرين.

(يدخل الخادم يحمل صينية الشاي، يضعها قريباً منهما ويقوم بملئ الفناجين)

شوقي: هاهو الشاي جاهز، سوف يدفئك جيداً.

الدكتور عقيل: في الحقيقة أشعر بالحرج.. انني أتعبكما.

شوقي: سوف أقول لك شيئاً يادكتور.. إنني هنا أشعر بالملل وابحث دائماً عن التسلية. سوف تشعر بمقدار فرحي بك حين تتوقف عن الشعور بالحرج.

الدكتور عقيل: أتمنى ذلك (الخادم يقدم له فنجانه) شكراً لك ياأخ شعبان.. في الحقيقة أريد أن أسأل، لماذا تعيش في هذه الغابة الموحشة مقطوعاً عن العالم، لو كنت مكانك لنزلت إلى المدينة.. إنها تعج بالأنشطة الثقافية؟

شوقي: (يستلم فنجانه، يطلق ضحكة خفيفة) أنشطة؟ لا تقل هذا يارجل، إنني ملك هذه الغابة بينما المدينة تشعرني بالملل أكثر. إنني متواضع في متطلباتي، سوف ترى ذلك بنفسك. كل ما أطلبه هو ان يزورني شخص ما كل مدة ومدة.. سوف أراهنك على ان الحياة هنا أكثر مرحاً بوجود بعض الضيوف. هل تجيد اللعب؟

(الخادم يجلس في مكان قرب البندقية المعلقة ويشرب شايه ويتابع الحديث ويظل متجهماً)

الدكتور عقيل: اللعب؟ (يضحك) أنا لم ألعب شيئاً في حياتي كلها، كل ما كنت أفعله هو الدراسة والبحث في تاريخ العلوم.. في مهنتنا عليك ان تجيد عدة أشياء في وقت واحد، التاريخ كتاريخ والعلوم كعلوم.

شوقي: أراهن على أن حياتك مملة.. وأنا أيضاً أحب العلوم. علم الألعاب، فاللعب فن ومهارة وعلم. ليس هناك أمر أهم من اللعب في هذه الحياة.

الدكتور عقيل: (يشير إلى ورق اللعب بين يدي السيد) هل تقصد لعب الورق؟

شوقي: نعم، الورق والشطرنج وطاولة الزهر والبلياردو والروليت وغيرها.

الدكتور عقيل: (ضاحكاً) بصراحة إنني لا أجيد هذه الألعاب.

(تبرق ونسمع صوت رعد قوي، الضيف يرتعب)

شوقي: وماذا تفعل في ليلة عاصفة مثل هذه، هل تدرس وتبحث؟

الدكتور عقيل: بصراحة؟ في العادة أعجز عن العمل في مثل هذا الطقس.

شوقي: هذا ما أردت سماعه منك. اسمع يادكتور.. عليك ان تلاعبني.

الدكتور عقيل: ولكنني لاعب سيء، سوف تمل مني ومن لعبي بينما أريد أن أكون ضيفاً خفيف الظل لأنني أثقل عليك بوجودي..

شوقي: سوف أعلمك، أنت انسان ذكي وبابمكانك التعلم بسرعة.

الدكتور عقيل: (ضاحكاً باحراج) لا أظن ذلك، أنا تلميذ سيء في هذه الأمور.

شوقي: ولكن علينا أن نتسلى كي ننسى العاصفة.

الدكتور عقيل: لماذا لا نتحدث في أمور أخرى.. مثلاً أستطيع تسليتك إذا حدثتك قصصاً من التاريخ، أو لنقل إذا حدثتك عن بعض الأمور الطريفة التي اخترعها العرب القدماء؟

شوقي: عن آبار البيروني العظيم؟ هذه الأمور لم تعد مهمة، لقد اخترعوا المضخات. إنها أرخص من حفر عدة آبار. اسمع يادكتور، أكثر شيء يسليني هو ان أكسب جولة في اللعب.

الدكتور عقيل: مادمت تريد..

شوقي: إذن فأنت موافق.

الدكتور عقيل: سوف أفعل أي شيء يرضيك، فأنت مضيفي.. لا أستطيع الخروج الآن للبحث عن وسيلة نقل.

شوقي: أنت رجل طيب ومتفهم.

الدكتور عقيل: وكيف ستعلمني اللعب؟

شوقي: أولاً عليك ان تحدد بماذا تريد أن تلعب.

الدكتور عقيل: أفضل الشطرنج فهي لعبة تتلاءم مع نشاطي الذهني والعرب القدماء برعوا فيها.

شوقي: اتركنا من الشطرنج الآن، سوف نعود إليه لاحقاً لأنه أكثر تعقيداً ويحتاج الى تدريب طويل، أقترح ان نبدأ بلعب الورق. هاهو في يدي.

الدكتور عقيل: لا بأس، مادمت تحبذ الورق فعندي الأمر سيان.

شوقي: وهل تملك بعض النقود المعدنية؟

الدكتور عقيل: لماذا؟

شوقي: لتلعب بها. لتربح أو تخسر. هذا هو اللعب، لا توجد في الدنيا متعة أكبر من متعة الربح. إنني لا أطالبك أن تلعب بمبالغ كبيرة، مجرد ليرات تخشخش على الطاولة.. في اللعب يجب عليك ان تراهن على شيء ما تملكه حتى ولو كان حقيراً. الدنيا هكذا يادكتور. مراهنة مستمرة، ولن يدعك أحد تلعب وتربح إذا لم تقم بالمراهنة على شيء تملكه.

الدكتور عقيل: هذا شيء مقنع.

شوقي: تصور انك تريد ان تشارك شخصاً في تجارة أو صناعة، وهي أعمال كما تعلم معرضة للربح أو الخسارة، أي مراهنة مئة بالمئة، هل سيسمح لك بان تشاركه إذا لم تكن تملك رأسمالاً؟

الدكتور عقيل: بالتأكيد لا..

شوقي: إذن ابحث في جيوبك لتر ماذا تحمل.

(يبحث الضيف في جيوبه عن ليرات معدنية. يخرج 5 ليرات يمدها نحو السيد)

الدكتور عقيل: لقد وجدت خمس ليرات. هل تكفي؟

شوقي: طبعاً تكفي. تفضل معي.

( ينهض الضيف، السيد يقوده إلى طاولة اللعب)

شوقي: هذا مكانك، تفضل اجلس.

(يجلس الضيف والسيد بحيث يكون الخادم خلف الضيف. يسرع الخادم ويحضر بعض الأوراق وقلماً وينقل فناجين الشاي ثم يعود إلى مكانه)

(السيد يمزج الورق بطريقة احترافية)

شوقي: سوف ألاعبك لعبة سهلة جداً.

الدكتور عقيل: ألن تعلمني في البداية قواعد اللعبة؟

شوقي: سأعلمك القواعد ونحن نلعب.. أنت ترى انني الآن المعلم وبيتي هو المدرسة. سوف أعلمك القوانين باستمرار.

الدكتور عقيل: المهم ان تتسلى ياسيدي.

شوقي: لا تخف علي، إنني أتسلى حتى عندما أعلمك القوانين. انظر الآن، الورق فيه اثنتان وخمسون ورقة. سوف أعطيك نصفها، أي ست وعشرين ورقة لكل منا. (يبدأ بتقسيم الورق)

الدكتور عقيل: (مازحاً) لقد تعلمنا شيئاً جديداً، نصف الاثنين والخمسين ستة وعشرين.

شوقي: شاطر يادكتور.

الدكتور عقيل: أنا تلميذك ياسيد.

شوقي: (ينتهي من توزيع الورق) الآن ضع حصتك من الورق أمامك. كل منا سوف يسحب أعلى ورقة من أوراقه ويضعها هنا. الورقة الأعلى تربح. في النهاية سوف نحسب عدد الاوراق عند كل واحد. يربح من كسب عدداً أكبر، مفهوم يادكتور؟

الدكتور عقيل: مفهوم (سعيد) اللعبة سهلة.

شوقي: سهلة، اليست كذلك؟ الآن أنا أضع خمس ليرات.

الدكتور عقيل: هذا يعني ان علي ان أضع نقودي.

شوقي: نعم.

الدكتور عقيل: هذه هي نقودي.

شوقي: ابدأ من فضلك.

(يلعب الضيف)

الدكتور عقيل: سبعة.


شوقي: سبعة البستون، أنا ألعب تسعة السباتي.. أنا أربح. (اللعب مستمر) تسعة، أنا ألعب شب أنا أربح.. ثلاثة، أنا ألعب ستة أنا أربح.. شايب، أضع.. آه، انني ألعب عشرة البستون (هنا على السيد ان يخسر ولكنه سيغير قواعد اللعبة كي يظل يربح) أنا أربح..

الدكتور عقيل: (مستدركاً) ولكن، اليست ورقة الشايب أكبر من ورقة العشرة؟ هذا يعني أنني أنا الذي سيربح ياسيد.

شوقي: بالعكس، أنت لا تعرف قوانين اللعبة جيداً(يخلط بين القواعد والقوانين عن عمد)، أنا من يعلمك اياها، انني أربح لأنني أنزل بالبستون، البستون أعلى لون.

الدكتور عقيل: آه.. أنت أدرى باللعبة، ها أنذا ألعب. امرأة الكبة..

شوقي: آس.. أربح أنا.

الدكتور عقيل: اثنان البستون.

شوقي: شاب الكارو. أنا أربح.

(الضيف مستغرباً، يشعر بان السيد يضع القواعد التي تلائمه، يعترض بتهذيب)

الدكتور عقيل: ولكن البستون كما شرحت لي.. يربح.

شوقي: العب أرجوك، لا شيء يقف في وجه الشاب.

الدكتور عقيل: حسن، اننا نتسلى.

(يتابعان اللعب بسرعة وصمت حتى تنتهي أوراقهما بينما يربح السيد باستمرار، تتحول حركات الضيف إلى آلية حتى يضع آخر ورقة)

شوقي: لا داعي لأن نعد الورق أليس كذلك، فقد ربحتها كلها.

الدكتور عقيل: (مازحاً) أعتقد ان عليك عدها.

شوقي: هات الرهان.

الدكتور عقيل: تفضل.

(يناوله نقوده)

شوقي: لا شيء أمتع من الربح. يجب عليك ان تفهم ذلك يادكتور تاريخ العلوم. الليرات الخمس مبلغ ضئيل، ضئيل وحقير، ولكن المهم في اللعبة هو الربح.

الدكتور عقيل: انك تصر على الربح ياسيد، هل لهذا كل هذه القيمة عندك؟

شوقي: بالتأكيد..

الدكتور عقيل: يسرني انني سببت لك كل هذه السعادة، كنت محرجاً عندما وجدت نفسي داخل بيتك. الآن أشعر بالراحة.

(السيد يجمع ورق اللعب ويشير إلى خادمه)

شوقي: شعبان، خذ هذا الورق واعطني ورق الستة وستين.

شعبان: فوراً ياسيدي.

(الخادم يفعل، بينما يتحدثان، يمزجه السيد كعادته)

الدكتور عقيل: وماهي هذه اللعبة؟

شوقي: سوف أعلمك قوانينها أولآ بأول.

الدكتور عقيل: (يلمح وهو يبتسم) وهل ستغير قوانينها حسب الـ..

(الخادم يتأهب حين يسمع التلميح، السيد يتوقف لحظة عن المزج، صوت الرعد من الخارج)

شوقي: إننا نتسلى يادكتور.

الدكتور عقيل: آسف، العفو، لم أقصد واللهِ.. أنا مستعد.. تابع أرجوك.

شوقي: على ماذا ستراهن؟

الدكتور عقيل: (يخرج محفظته) على النقود. لن أحزن إن أنا خسرت كل نقودي، فاستقبالك لي في حلكة الليل العاصف لا يقدر بثمن، إنني أعترف.

شوقي: أرجوك ألا تسيء إلي، إنني لا أقبض ثمن ايوائي لك في بيتي، إننا نلعب.

الدكتور عقيل: لنسمه كذلك، ما الفارق؟

شوقي: هناك فارق كبير.(يمد له الورق)

الدكتور عقيل: حسن حسن.. لماذا تمد لي الورق؟

شوقي: اقطع من فضلك، فأنا لا أغش.

(يقطع الضيف الورق ثم يقوم السيد بتوزيعه ستة لكل منهما ثم يضع الباقي في منتصف الطاولة)

الدكتور عقيل: حسن، إنك لا تغش أيها السيد. ماذا علي أن أفعل بأوراقي؟

شوقي: سوف تلعب الورقة التي تراها مناسبة، ولكن يمكنك ان تزوج الشايب مع الداما لتربح نقاطاً.

الدكتور عقيل: هل ألعب أولاً؟

شوقي: لا، سوف ألعب أنا الأول حتى أتمكن من شرح قوانين اللعبة لك.

الدكتور عقيل: تقصد لكي تضع قواعد اللعبة.

شوقي: نفس الشيء، مادمت في بيتي وتمسك ورقي، ومادمت تجهل قواعد اللعبة فبإمكاني أن أضع القوانين.. إنها الشيء نفسه. انظر.. ربحت أربعين نقطة لأنني زوجت هذا الشايب وهذه الدامة (يعرضهما عليه)

الدكتور عقيل: وأنا أفعل نفس الشيء سجل لي أربعين (يعرض عليه ورقتين)

شوقي: (يضحك بنشوة) لا.. إنك مستعجل جداً، انهما من لون غير ملائم، أنا آسف.(يلعب ورقة) إلعب من فضلك.

(يأتي الضيف بحركة مسايرة وهو يعرف ان اللعبة غير متكافئة، يلعبان بصمت ويربح السيد باستمرار، ينهض الخادم إلى مقدمة الخشبة)

شعبان: لماذا يستغربون عندما يقوم سيدي بوضع قوانين اللعبة بشكل تلائمه علىالدوام؟ هذا شيء طبيعي.. دعوني أشرح الأمر لكم كما شرحه لي سيدي يوماً. الحياة كلها لعب. لعب بلعب.. يستيقظ الرجل في الصباح ويخرج من بيته ليذهب ويلعب مراهناً على كل مايملك في هذه الألعاب. في السوق، في المكتب، في الوظيفة، في سوق الهال، في البورصة.. في كل مكان. الرجل يلعب مع الغير، والغير يلعب مع الآخر وهكذا. كل الناس يقامرون مع بعضهم البعض. الرجل قد يأخذ بضاعة ويسافر بها، انه يقامر بماله وبحياته. ولكل لعبة من كل هذه الألعاب قانون. من يضع هذه القوانين ياترى؟.. انه السيد. السيد يضع القانون. أريد أن اسأل: من يضع قانوناً ويأتي ضد مصلحته. السادة يصنعون القوانين ليربحوا وليس ليخسروا.. الليلة سيدي هو السيد ويجب ان تتم هنا لعبة، وهذه اللعبة تحتاج إلى قانون وسيدي هو الذي سيضعه وسيربح في النهاية. انها فكرة بسيطة ولا تحتاج إلى تفكير عميق. شرحها لي يوماً سيدي فاقتنعت بها، وأنتم ترونني واقفاً هنا على أهبة الاستعداد فقد يعترض الضيف ويرفض المبدأ، عندها سأتدخل.. لدينا العديد من بنادق الصيد الملقمة والجاهزة.

(يشير إلى بندقية الصيد المعلقة على الجدار ويعود إلى مكانه)

(لقد ربح السيد، يلتقط المحفظة من امام الضيف وهو منشرح)

شوقي: لقد ربحت، والربح متعة. إنني أعيش لأربح. عندما لا أربح أصاب بالضيق.

الدكتور عقيل: إنني سعيد لأنك تربح وسعيد لأنني أراك منتشياً بسبب الربح، ولكن هل خسرتُ كل نقودي؟

شوقي: طبعاً، لقد راهنت عليها كلها على ما أعتقد. لم تخرج من المحفظة بعض الأوراق المالية وتضعها على الطاولة كرهن.. ماذا.. هل تراجعت؟

الدكتور عقيل: طبعاً لا.. ولكنني أتساءل كيف سأتابع السفر صباحاً، فلم يبق معي ولا ليرة واحدة، أرجوك اترك لي خمسمأة ليرة على الأقل.

شوقي: عليك ان تلعب لتربح خمسمأة ليرة.

الدكتور عقيل: لا أملك ما ألعب به.. انتهت نقودي.

شوقي: سوف أقرضك مئة ليرة.

(الضيف يضحك مسايرة ولكنه يبدأ بالشعور بالضيق، يستدير إلى الخادم الذي يتأهب على الفور، يوافق)

شوقي: ماذا قررت؟

الدكتور عقيل: يبدو أنني لا أملك الخيار.

شوقي: لا تقل إنني أجبرك على اتخاذ قرارات لا تريدها. إذا كنت مستاءً فبإمكانك التوقف عن تسليتي.

الدكتور عقيل: وهل .. ستغضب..؟

شوقي: نعم سأغضب، لن نكون أصدقاء بعد ذلك، ولن أكون مسؤولاً عنك، وبإمكانك حتى مغادرة منزلي على الفور.

(برق ورعد مخيفان، الضيف يطرد من ذهنه أية فكرة للاعتراض)

الدكتور عقيل: أنا لا أقصد ياسيد.. فعلاً إننا نتسلى. هات اقرضني مئة ليرة. ثم ان النقود آخر شيء أهتم به، ولم أعتد على اللعب من أجل الشعور بلذة الربح.

(يخرج السيد من المحفظة مئة ليرة ويعطيها للضيف)

شوقي: إنني أثق بك.

الدكتور عقيل: آه، على فكرة، كيف سأردها لك؟

شوقي: عليك ان تلاعبني إلى أن تتمكن من رد المبلغ.

الدكتور عقيل: وهل أملك فرصة؟

شوقي: طبعاً.


الدكتور عقيل: إذن دعنا نلعب لعبة أخرى، أنا اقترح مباراة بالذاكرة.

شوقي: (مستغرباً) بالذاكرة؟

الدكتور عقيل: نعم، (يتحمس) أو لنسمها لعبة المعلومات. سوف نتسابق، من يعرف أكثر يربح.

شوقي: المعلومات ليست شيئاً يمكن تعلمه فوراً كما أقوم أنا بتعليمك قواعد ألعاب الورق. هذه أمور تُكتسب على مدى سنين طويلة. سأوافق إن مللت الورق، فأنا أعرف أشياءً من المؤكد أنك لا تعرفها وستخسر لا محالة.

الدكتور عقيل: مثل ماذا؟

شوقي: سوف أسألك سؤالاً، هل تراهن على المئة ليرة؟

(يفقد الضيف ثقته بنفسه، يرتبك)

الدكتور عقيل: لماذا.. لا أسألك أنا؟

شوقي: علومك لا تهمني يادكتور، ثم إنني السيد هنا وأنا احدد المجال.

الدكتور عقيل: هل يمكن أن أعرف مثالاً دون أن أراهن؟ على الأقل لمرة واحدة؟

شوقي: لا بأس.. (فترة ) من اخترع الكوكا كولا؟

الدكتور عقيل: ماذا؟ الكوكا كولا؟ لقد فاجأتني.

شوقي: أنت ترى أنك كنت ستخسر آخر ما تملك.

الدكتور عقيل: لماذا لا تسمح لي أن أسألك بدوري؟

شوقي: إذا سألتني فإنني أفقد امتيازي..

الدكتور عقيل: وماهي امتيازاتك؟

شوقي: انني مالك هذا البيت، انه لولا التجاؤك الينا لأكلتك وحوش الغابة. أليس لهذا امتياز أو ثمن؟ بيتي أنقذ حياتك.

الدكتور عقيل: هذا يعني أنني أسير معروفك.

شوقي: أنت أسير وجودك هنا.

(الضيف يفهم انه في ورطة، ينهض)

الدكتور عقيل: أرى ان علي أن أغادر، كنت أحسب ان مانفعله هو ضرب من التسلية المحضة. صحيح انك السيد في هذا البيت ولكن هذا لايعني ان تجبرني على اللعب بألعاب تقوم بفرض قواعدها وتغيرها باستمرار لكي تربح باستمرار أيضاً. أشكرك على لطفك ياسيد وإلى اللقاء.

(الخادم يكون قد انتشل البندقية من الجدار ويقترب من الضيف وهو يوجهها نحو رأسه. الضيف يشعر بحركة خلفه فيستدير ليواجه البندقية)

الدكتور عقيل: ما هذا؟ بندقية؟ هل ستقتلونني من أجل لعبة؟

شوقي: اجلس من فضلك، انت رجل مثقف وفهيم، لا نريد أن نؤذيك. كل ما هنالك انك التجأت إلى بيت له سيادته.

الدكتور عقيل: انت تستغل حاجتي إلى مأوى في هذه الغابة التي تدعي انها مليئة بالوحوش. اتركني أذهب أرجوك.

شوقي: هذا هو قدرك. عليك ان تبقى.

الدكتور عقيل: أين أنا؟ هل وقعت في مصيدة لصوص؟

شوقي: لستُ لصاً يادكتور. هذا بيت مثل كل بيوت العالم، اننا نشبه هذا العالم.

الدكتور عقيل: تفرض علي ألعاباً غريبة لها قواعد أغرب تقوم انت بوضعها وتقول نشبه هذا العالم؟

شوقي: وهل تراني أكذب؟ في كل مكان يفرض السادة قوانينهم. هل تحسب ان الأمر في الخارج يختلف عما هو عليه هنا؟

الدكتور عقيل: انت تهذر.. العفو إن أنا تفوهت بمثل هذه الكلمات.

شوقي: أقبل اعتذارك فأنت رجل مهذب. ولكنك خدعتني عندما ادعيت انك متعلم وفهيم. كان عليك ان توافقني بأن الأمور في الخارج لا تختلف في شيء عما هو عليه هنا في الداخل. الدنيا غابة مليئة بالوحوش وهناك جزر آمنة اسمها الدول وهي التي تمنح الأمان لمن يلتجئ إليها. لهذه الجزر سيادة، أقصد سيادات إن صح التعبير. إنهم يضعون القوانين والقواعد ويغيرونها كيفما شاؤوا.. كان عليك ان تدرك ذلك بنفسك وأنت المتعلم والمثقف.

الدكتور عقيل: ماذا أسمع، هل وقعت في ملجأ للمجانين؟

شوقي: سوف أطلب منك الاعتذار فيما بعد.

(يبدو ان عليه ان يهدأ)

الدكتور عقيل: ماذا تطلب مني الآن.. ايها السيد؟

شوقي: ان تجلس.

(يجلس، يعود الخادم إلى مكانه، يبقي البندقية فترة ثم يعلقها)

الدكتور عقيل: ها أنذا قد جلست، وماذا بعد ذلك؟

شوقي: سوف تلعب معي لترد لي القرض الذي استلفته مني.

الدكتور عقيل: (يكاد ينفجر ولكنه يضبط غضبه) ياإله السموات.. وماذا سنلعب هذه المرة؟

شوقي: الطرنيب.

الدكتور عقيل: آه.. هذه لعبة كنا نلعبها أيام كنا في الثانوية.

شوقي: عظيم، لن تتعبني بشرح قواعد اللعبة.

الدكتور عقيل: (يتحمس لينتهي من هذه المهذلة) هات من فضلك، وزع الورق لننته، سوف أريك أنني لست غبياً كما تعتقد.

(يجمع السيد الورق في كتلة واحدة ثم يمده إلى الخادم)

شوقي: شعبان، خذ هذا الورق وهات الورق الذي يصلح لطرنيب بلاعبين.

(يقوم شعبان بما طلب منه، أثناء ذلك)

الدكتور عقيل: طرنيب للاعبين؟ أعتقد انها تحتاج إلى أربعة لاعبين..

شوقي: لا تخف، لقد جهزنا الورق بحيث اننا سنلعب بلونين فقط. السباتي والكارو (يمزج الورق ببراعة) كل واحد منا سيحصل على ثلاث عشرة ورقة وسيتم تحديد لون الطرنيب.

الدكتور عقيل: أعرف.. وزع الورق إذا سمحت.

شوقي: شاطر يادكتور.

الدكتور عقيل: نعم شاطر.

(يوزع السيد الورق بالتساوي، يرتبانها)

شوقي: ضع المئة ليرة..

الدكتور عقيل: هاهي.

شوقي: سوف نلعب مرة واحدة..

الدكتور عقيل: لماذا مرة واحدة، كنا نلعب، ومن يصل إلى الواحد والأربعين يربح.

شوقي: مرة واحدة، هذه هي القاعدة.. أرجو ألا تناقشني.

(الضيف يشعر بالغبن ومع ذلك يصمت)

الدكتور عقيل: لا بأس.. علي ان أحدد رقماً أليس كذلك؟

شوقي: لي أفضلية كما تعلم في التحديد أولاً.

الدكتور عقيل: تفضل.

شوقي: سبعة.

الدكتور عقيل: (بسعادة) تسعة.

شوقي: تسعة؟ يبدو انك قد نسيت اللعبة..

الدكتور عقيل: أوراقي جيدة، لدي عدد لا بأس به من السباتي..

شوقي: ولماذا السباتي، انه ليس الطرنيب؟

الدكتور عقيل: لي الحق في تحديد الطرنيب الذي يلائمني.

شوقي: أنا من عليه تحديد الطرنيب.. انه الكارو. إلعب بتسعة إن أردت.

الدكتور عقيل: (يكاد ينفجر) يا إله السموات..


(يقذف الورق إلى الطاولة ثم يستند إلى كرسيه باستسلام، يميل رأسه إلى الأسفل، الخادم يلتقط فوراً البندقية ويتأهب، السيد يلتقط المئة ليرة ويلم الورق)

شوقي: خسرت يادكتور. خسرت المئة ليرة أيضاً. (ينهض) أنا لا أريدك ان تحبط، يجب عليك ان تقتنع بحظك في اللعب. انت ستقول لي ان الحظ السيء في اللعب ينعكس طرداً على الحظ في الدنيا.. في الوجود، لأن الجميع يلعب. هذا أيضاً شيء معقول ويجب ان تكون مقتنعاً به. انظر الى العالم، انه ينقسم إلى أسياد وعبيد. في الشارع، في العمل.. وحتى في الأمم المتحدة. (الضيف يرفع عينيه ويتابعه بكراهية) أنت الآن مدين لي بألف ليرة، سوف أعطيك فرصة لتردها إلي.

(ينتظر ليسأله الضيف كيف ولكنه لا ينبس، فيتابع)

شوقي: تسألني كيف صارت المئة ألفاً.. الدين لا يبقى على حاله يادكتور، هناك قيمة تضاف إليه.. أما ماهي الفرصة التي سأمنحها لك لترد لي الدين فهي بكل بساطة إنني سأدعك تلاعبني.. أي إنني في الصباح، وعندما تتوقف العاصفة لن أدعك ترحل، بل سنتابع اللعب حتى تتمكن من هزيمتي ومن ثم ترد لي الدين.

(يتوقف السيد وينظر إلى الضيف)

شوقي: أرى أنك متعب للغاية، معك حق فقد كان يوماً استثنائياً، فقد صدمت شجرة وسرت تحت المطر في غابة مليئة بالوحوش، ثم قامرت.. سوف أجعل شعبان يأخذك إلى غرفة الضيوف لترتاح حتى الصباح. لدينا غرفة في القبو للضيوف. سوف تسامحني لأن الغرفة لا تليق بدكتور في تاريخ العلوم عند العرب. سوف تحسبها زنزانة في سجن لأنها بلا نوافذ وبابها من الحديد.

(يشير السيد إلى شعبان الذي يقترب بحرص من الضيف مشهراً في وجهه البندقية طالباً منه أن ينهض. يجعله يسير امامه باتجاه أسفل الدرج الذي فيه باب غير مرئي يؤدي إلى القبو. السيد يمسك بورق اللعب ويبدأ بمزجه ببراعة)

(تعتيم)

المشهد الثاني

(لا تغييرات في الديكور، باستثناء أشعة الشمس التي تدخل من النافذة وتسقط على الأرضية. على الطاولة نصف طبقة من ورق اللعب. الخادم ينظر إلى ساعة يده)

شعبان: صارت الساعة العاشرة والنصف، بعد قليل سينزل سيدي من غرفة نومه لذلك علي ان أخرج الدكتور. هذا الشخص لا يريد ان يفهم ما يجري، رغم انه متعلم ودكتور كما يدعي. مرة، كنت في رحلة صيد في الغابة. هذه الغابة التي يقع القصر داخلها. فجأة شعرت أنني أضعت حس الاتجاه وضعت ولم أعد أعرف إلى أين أتجه. ظللت ساعات وأنا أدور وفجأة شاهدت نفسي واقفاً امام هذا القصر وقد كانت الشمس قد غابت وحل الظلام. صحيح إنني خادم السيد الآن ولكنني لم أكن قبل أن أضيع في الغابة خادماً، بل كنت تاجراً ناجحاً أملك الملايين. كنت مالكاً لعدة محلات تجارية في مدينة دمشق. قرعت الباب ففتح لي سيدي شوقي. وافق مشكوراً على أن أقضي ليلتي في قصره على أن أرحل في الصباح. ومن أجل أن نتسلى أخرج السيد شوقي ورق اللعب ورحنا نلعب، كما فعل سيدي مع هذا الدكتور التعس. طبعاً خسرت، ومن يربح في هذه الدنيا..؟ أصبح سيدي يدينني بمبالغ طائلة. كان لديه كلب ذئبي مخيف اسمه "ركسي" كان يحرسني ويمنعني من الهرب ومع ذلك هربت. لقد عرفت عند سيدي معنى قواعد الألعاب ولكنني عندما عدت إلى دمشق، إلى أهلي وأولادي، كان الجميع قد نسيني وكانت القواعد التي فرضتها في بيتي قد تغيرت. أولادي وزوجتي هم من غيروها فشعرت بالغربة بينهم وبالصغار فعدت إلى هنا. القضية وما فيها إنني أصبحت أعرف فن اللعبة وعرفت قيمتي ومكاني. أنا خادم وسأظل خادم سيدي. هذه الأمور لا يفهمها الدكتور المسكين. ربما لأنه لم يكن تاجراً مثلي يفهم قواعد السوق المتغيرة ويرضخ لها حين اللزوم. إنه يتعبنا منذ ذلك اليوم الذي دخل فيه علينا وكانت العاصفة تهب بقوة. لو كان تفهّم قواعد سيدي لكان ينام الآن مثلي في غرفة ذات نوافذ يدخل اليها ضوء الشمس، ولكن بسبب غبائه وتمرده المستمرين اضطر سيدي إلى إبقائه في غرفة القبو وصرنا نكبله بالأغلال حين يحين موعد صعوده إلى هنا ليلاعب سيدي. نحن مضطرون لفعل ذلك لأن عليه ان يلعب ليتمكن من رد الدين إلى سيدي ومن ثم إذا أراد فليرحل. انه يضطر في كل مرة للاستدانة لكي يقامر حتى أصبح الدين ينوف على العشرة ملايين ليرة.

(صوت السيد في الطابق العلوي)

شعبان: هاهو سيدي يستعد للنزول ولم أحضر الدكتور بعد.

(يذهب الخادم إلى تحت الدرج لينزل إلى القبو بينما ينزل السيد)

شوقي: ماذا حدث، لماذا لم يصعد به شعبان حتى الآن؟ لماذا هذا الكسل؟ لقد تجاوزت الساعة العاشرة والنصف. لقد أخبرتهما الليلة الماضية بالقواعد الجديدة للاستيقاظ والصعود إلى الصالون. منذ يومين كان موعد الصعود في تمام الحادية عشرة والربع لأنني كنت مرهقاً وكنت بحاجة للنوم.

(يقترب من طاولة اللعب ويلتقط الورق ويبدأ بمزجه ببراعة)

شوقي: هناك أمر يجب ان يكون واضحاً للجميع، السادة هم أدرى الناس بأمور الدنيا. من يريد ان تعم الفوضى في كل مكان؟ لا أحد.. لذلك على السادة ان يقوننوا الحياة. تصوروا لعبة بدون قواعد..! ستكون فوضى، والفوضى شيء لا يشبه أي شيء.. مجرد ما قبل التاريخ، ما قبل الوعي لأن الوعي هو وعي القانون والقواعد.. هذا الانسان الذي يقبع في القبو يتمرد علي، يريد سلبي حقي في تسيير اللعبة. انه يطلب مني ان أتركه يساهم في وضع قواعد اللعبة التي ألاعبه فيها.. هذا هراء كامل. فوضى. لقد أثبتُّ له خطأ مايطالب به. ما اجتمع اثنان إلا كانت القواعد ثالثهما. أحدهما هو الذي يضع هذه القواعد التي تحكم علاقتهما. إذا كان واحد منكم مدرساً سيعرف انه دائماً هناك تلميذ يقود الآخرين، يضع لهم القواعد ويفرضها عليهم. إذا نافسه تلميذ آخر يحدث عراك إلى ان يستسلم هذا الآخر. إذا قام المدرس بتقسيم الصف إلى قسمين بحيث ان التلميذ السيد سيكون في أحد القسمين فلن يلبث القسم الآخر ان يفرز سيداً وقواعد جديدة. سنظل نقسم الصفوف حتى تقتصر على تلميذين، في هذه الحالة سيكون أحدهما هو السيد أما الآخر فسيكون التابع. الآن، سوف نفعل العكس.. ان كل سيد سيحاول إخضاع السادة الآخرين لسيادته على المستوى الأعرض. على مستوى الصف ثم على مستوى المدرسة فالحي فالمدينة فالدولة ثم على مستوى العالم. تنشب الحروب العالمية المدمرة من أجل تسيد سيد واحد.. ماذا كان يريد الاسكندر الأكبر غير ذلك.. أو نابليون.. أو هتلر؟ وحتى يومنا هذا، فأمريكا تريد أن تتسيد. ان السيد هو الذي يفرض اللعبة وقواعد اللعب ويغيرها حسب مذاجه.. ومن يعبأ بالاعتراضات؟

(في هذه اللحظة يدخل الضيف والخادم. الضيف مكبل بالأغلال وهو في وضع سيء، فذقنه غير حليقة وثيابه متسخة ومدعوكة، الخادم يجلس قرب المكان الذي علقت فيه بندقية الصيد)

الدكتور عقيل: (يبادر فوراً لأنه سمع الجزء الأخير من مونولوج السيد) أنت مجنون ومريض. الله يشفيك ياسيد، المشكلة هي انني وقعت بين يديك. أنت تنسى قواعد السلوك العامة التي تحكم الجميع، السادة وغير السادة.

شوقي: حتى هذه القواعد يتم الاتفاق عليها، يضعها السيد.

الدكتور عقيل: انت تنسى أنني سيد.

شوقي: في موقعك.

الدكتور عقيل: وما الفارق؟

شوقي: فارق كبير. لأن موضعك لم يعد له وجود. يجب عليك الاعتراف بوضعك الجديد.

الدكتور عقيل: أن أكون عبدك في عالمك؟

شوقي: أنت لست عبدي، أنت ضيفي.

الدكتور عقيل: وهل من قواعد السلوك ان تعامل ضيفك بهذا الشكل؟

(يرفع الأغلال ليشير إليها)

شوقي: السبب هو أنك لا تعترف بسيادتي. اعترف فستكون بخير.

الدكتور عقيل: ولكنك حكمت علي وانتهيت. تطبق علي قانونك.. السخيف.

(الخادم يتأهب، السيد وكأنه أهين)

شوقي: لا تقل سخيفاً.. يبدو ان علينا ان نربيك أيضاً. هناك حدود لتطاولاتك ألا تفهم؟.. هنا، نحن أناس مهذبون.

الدكتور عقيل: مجنون..

(الخادم يلتقط البندقية ويتأهب لاطلاق النار فيرتدع الضيف. يمد يديه ليوقف غضب السيد وخادمه. يقترب منه السيد ويمسك بتلابيبه بقوة ويحادثه من بين أسنانه)

شوقي: إذا تلفظت بهذه الكلمة مرة ثانية سأجعل شعبان يخرجك إلى الغابة ويطلق النار على رأسك العفن ويدفنك هناك.. هل فهمت؟

(يقترب الخادم ممسكاً بالبندقية)

شعبان: دعني أخرجه إلى الغابة ياسيدي.. إنه لن يفهم.

(الضيف خائف ولكنه متماسك، السيد يترك لحظة تمر ثم يمد يده باتجاه الخادم يطلب منه ان يعود إلى مكانه. يبتعد السيد عن الضيف)

شوقي: أنت ترى ان بامكاني أن آمر حتى بقتلك.

الدكتور عقيل: أرى ذلك.

شوقي: أنت تتعبني باستمرار وتثير حنقي.

الدكتور عقيل: أعتذر منكما.

شوقي: انت دائماً هكذا، تتمرد ثم تعتذر. ضقت ذرعاً بك.

الدكتور عقيل: لأنك، سيد شوقي، وضعتني في حالة اللاخيار.

شوقي: (يصرخ) نادني بـ "ياسيدي"..

الدكتور عقيل: (بخنوع) ياسيدي.

(بعد فترة.. يحاول السيد ان يكون لطيفاً)

شوقي: بإمكانك يادكتور ان تخرج من هذه الحالة، بإمكانك أن تتحرر.

الدكتور عقيل: (برجاء) كيف؟

شوقي: أن تستمر في لعب الورق، هناك أمل في أن تهزمني يوماً.

الدكتور عقيل: (محبط) آه.. كأمل إبليس بالجنة. (برجاء) ياسيدي، لقد وضعتني في دوامة، ربطت عنقي بحيط من حرير.

شوقي: كيف.. ربطت عنقك بخيط من حرير؟

الدكتور عقيل: أثناء دراستي في أوروبا شاهدت فيلماً عن خيط الحرير. تركوا شخصاً موثوقاً على كرسي ثم ربطوا عنقه بخيط من حرير مشدود الىالجدار، بحيث إذا حاول مثلاً ان يمد عنقه إلى الأمام أو إلى الجانبين شد الخيط على عنقه، ولكن بما أنه من الحرير فإنه لا يرخي العنق من تلقاء نفسه، شيئاً فشيئاً يختنق الرجل، أي انه يخنق نفسه.

(يعجب السيد بالقصة، يتوجه إلى خادمه الذي يجلس والبندقية في يديه)

شوقي: هل سمعت ياشعبان، الدكتور يجيد سرد القصص الغريبة؟

شعبان: سمعت ياسيدي، فهمت أن الدكتور يختنق عندنا.

شوقي: أنا لا يهمني ماذا يحصل للدكتور، الذي أثار اهتمامي هو الطريقة الذكية في قتل الرجل في الفيلم.


الدكتور عقيل: انني مثله، فقد ربطتَ عنقي بخيط من حرير، كل حركة آتي بها ستكون في غير مصلحتي. لقد جعلتني أقامر معك أما الآن فأنت تطالبني برد دين مقداره عشرة ملايين من الليرات..

شوقي: هذا ليس ذنبي ياضيفي العزيز، انك تخسر باستمرار، لو أنك تربح مرة واحدة فستتخلص من جزء من الدين.

الدكتور عقيل: إذا توقفت عن تعديل القواعد فسأخسرك.

شوقي: هل انت متأكد؟

الدكتور عقيل: نعم، لقد تعلمت كيف ألعب. دعنا نجلس ونلعب، إذا ربحت أنا أربح حريتي وتدعني أعود إلى بيتي.

شوقي: واذا خسرت؟

الدكتور عقيل: تأمر شعبان بأن يخرجني إلى الغابة ويطلق على رأسي النار.

شوقي: هل تريد ان تقامر على حياتك؟

الدكتور عقيل: لم أعد أطيق الوضع الذي وضعتني فيه ياسيدي. هناك خيط من حرير يلتف حول عنقي، أي التفاتة أو محاولة للتملص يشد أكثر فأكثر. بصراحة إنني أختنق.

شوقي: وبعد ذلك؟

الدكتور عقيل: بعد ذلك؟ تكون قد تخلصت من ضيف مزعج.. سوف أظل أضايقك فأنا لن أقبل أبداً أن أكون هادئاً هنا في قصرك وبقواعد ألعابك.

شوقي: إذا متَّ فسيادتي سوف تنقص. يجب ان تبقى حياً يادكتور.

الدكتور عقيل: عندك شعبان، مارس عليه سيادتك كيفما شئت، فهو مرتاح لذلك.

شوقي: وأنت، لماذا لا تصبح مثل شعبان؟

الدكتور عقيل: أنا غير شعبان، إنني أختلف عنه، فأنا دكتور في تاريخ العلوم كما تعلم.

شوقي: وشعبان كان تاجراً كبيراً. لقد وافق على ان يبقى تحت سيادتي مدى الحياة عن طيب خاطر.

الدكتور عقيل: أرى ذلك.. ولكنني أختلف عنه.

شوقي: الناس عندي متشابهون.. لن أتركك تخدمني مثل شعبان، سوف أجعلك سكرتيراً لي، فأنا أحتاج إلى شخص ذكي ومتعلم.

الدكتور عقيل: سيد شوقي، ياسيدي، أرجوك ان تتفهم وضعي. أنا في حاجة لأن أعود الى بيتي فزوجتي تنتظرني، إنها إمرأة رقيقة وتخاف علي من نسمة هواء. إننا نحب بعضنا وتزوجنا عن حب.

شوقي: وهل هي أيضاً دكتورة؟

الدكتور عقيل: لا.. إنها مجرد سيدة منزل ولكنها متعلمة. حصلت على البكالورية.

شوقي: وهل هي جميلة؟

الدكتور عقيل: جداً (يبتسم) ورقيقة.. لها عينان سوداوان كعيون الغزلان، وهي في البيت كذلك، غزالة واللهِ.. عندما تتحرك أشعر وكأنها ترقص. اشتاق إليها كثيراً وأحزن حين يخطر في بالي انها الآن ضائعة بدوني، حزينة لغيابي. المشكلة انها لا تعرف عني شيئاً. حي أنا أم ميت..

شوقي: اسمع يادكتور، لقد سمعت قصة شعبان. هرب من عندي، وقتها كان عندي كلب ذئبي للحراسة ولكنه استطاع خداعه والهرب. بعد عدة اسابيع عاد شعبان من تلقاء نفسه. لقد رأى ان الأمور قد تغيرت.. وأنت كذلك. إنك حزين على زوجتك الغزالة وتحسب انها ضائعة وتبكي ليل نهار.

الدكتور عقيل: أحسب؟

شوقي: نعم، انهم الآن يحسبونك ميتاً.

الدكتور عقيل: والمعنى؟

شوقي: ربما تكون الآن زوجتك قد تزوجت أحد أصدقائك.

الدكتور عقيل: (يصرخ) لا..

(ينتفض الخادم ويسدد ببندقيته. الضيف في أزمة. يتألم)

شوقي: هل تريد ان تتأكد، بإمكاني أن أعيد الحرارة الىالهاتف. سوف أدعك تتصل ببيتك. سوف تسمعهم دون ان يتمكنوا من سماعك. سوف تسمع صوت رجل مألوف يرد على الهاتف.

الدكتور عقيل: لا تقل هذا أرجوك. إنك تجرحني، جردتني من حريتي فلا تسلب مني أعز شيئ في حياتي. آه..

(يجلس الضيف في كرسيه ويطب رأسه على الطاولة ويتأوه، السيد يغمز للخادم ليعود إلى مكانه. هو يجلس أيضاً في كرسيه ويعود إلى مزج ورق اللعب، فترة)

شوقي: لا تفكر ياعزيزي الدكتور في أيما شيئ خارج هذا القصر. دعنا نعود إلى اللعب، سوف تتسلى وتنسى. سوف تعتاد على العيش بدون أمل.

الدكتور عقيل: (دون أن يرفع رأسه) لا أريد.. أأمر شعبان ليقتلني..

شوقي: مشكلة الانسان انه يحتاج إلى الأمل ليستمر في العيش، ومشكلتي هي أنني أريدك حياً لتلعب معي.

الدكتور عقيل: (يرفع وجهه التعس) وهي مشكلة عويصة، أليست كذلك؟ ماذا لو قتلت نفسي ليلاً في الزنزانة التي تسجنني فيها؟

شوقي: (بحذر) تقتل نفسك؟

الدكتور عقيل: ولم لا..؟ لم يعد هناك شيئ أفقده. لقد أصبحت ملكك، أي أنك الذي ستخسر ولست أنا.

شوقي: وماذا لو خلقت لك أملاً؟

الدكتور عقيل: مثل؟

شوقي: أرفع عنك الأغلال وأخرجك من غرفة القبو لأسكنك في غرفة في الطابق العلوي، وبإمكانك أيضاً ان تتنزه معي في الغابة..

الدكتور عقيل: مقابل ماذا؟

شوقي: مقابل ان تعترف بسيادتي عليك فنلعب طوال اليوم وتخسر. سنظل نفعل هذا حتى يدخل علينا شخص ضائع في الغابة. حينها بإمكانك الرحيل.

(فكرة جيدة يرتاح لها الضيف)

الدكتور عقيل: هل أنت جاد سيد شوقي؟

شوقي: قل ياسيدي..

الدكتور عقيل: (يستطرد) ياسيدي؟..

شوقي: أنا جاد فعلاً. عندما يأتي البديل سأتخلى عنك وستكون حراً في ان ترحل وتعود إلى مدينتك.

الدكتور عقيل: إلى بيتي وزوجتي؟

شوقي: نعم.. هذا إذا بقي لك بيت وزوجة.

الدكتور عقيل: موافق.

شوقي: قل كلمة شرف ان أبقى تحت سيادتك حتى الممات إلا إذا حضر البديل.

الدكتور عقيل: كلمة شرف ان أبقى تحت سيادتك حتى الممات إلا إذا حضر البديل.


(يمد السيد يده عبر الطاولة فيمسك بها الضيف بلهفة وامتنان بيديه الاثنتين)

الدكتور عقيل: أشكرك ياسيدي.. لقد صنعت في قلبي أملاً.

شوقي: سوف تشكرني كثيراً.

(يميل الضيف على يد السيد ويقبلها قبلة طويلة وعميقة، السيد يشعر بالنشوة وينظر إلى الخادم الذي يبتسم براحة فينهض ويعلق البندقية على الجدار)

شوقي: (للخادم) أزل الجنازير عن ضيفنا الدكتور ياشعبان..

شعبان: حاضر سيدي.

(يهرع الخادم فينهض الضيف ليحرره من الأغلال وعندما يتم ذلك يفرح ويتحرك بخفة ويتمطى ثم يجلس)

شوقي: هل أنت سعيد؟

الدكتور عقيل: جداً ياسيدي.

شوقي: هل نلعب؟

الدكتور عقيل: نلعب.. فت.

(السيد يوزع الورق، لكل منهما ثلاث عشر ورقة. يرتبانها)

الدكتور عقيل: ماهو الطرنيب؟

شوقي: (محتار) الطرنيب.. الطرنيب.. أعتقد ان كلا اللونين مناسبان، فأنا أملك منهما أهم الأوراق.

الدكتور عقيل: إن أردت فبإمكانك انتقاء الأهم..

شوقي: أظن، لكي أضمن ربحي الساحق، أنني سأعتمد كلاهما.

الدكتور عقيل: هذا صحيح، فستربح اثنتي عشر أكلة من ثلاث عشرة..

(يبدآن باللعب، السيد يأكل باستمرار. الخادم مرتاح)

شعبان: عن اذنكما.. سوف أجهز الطعام.

(يخرج، يلعبان)

شوقي: لي..

الدكتور عقيل: لك..

شوقي: لي..

الدكتور عقيل: لك..(وهكذا..)

(تعتيم)

المشهد الثالث

(السيد والضيف على وضعهما يلعبان الورق وهما يلفظان كلمتي: لي.. لَكَ. نحن في احد أيام فصل الصيف المشرقة. الضيف وقد نمت لحيته حتى رقبته فقد مرت عدة سنوات. الباب مفتوح ونرى خارجه الغابة، يدخل الخادم ويقدم لهما الشاي ثم يجلس يراقب اللعبة التي ما إن ينتهيا حتى يبدآن جولة جديدة.. وهكذا)

الدكتور عقيل: لقد مللت هذه اللعبة.. منذ عدة سنوات ونحن نلعبها.

شوقي: (يفرح لأنه يكسب) إنها عزيزة على قلبي. أحبها كثيراً هذه اللعبة. تصور انها أول لعبة ورق لعبتها في طفولتي.

الدكتور عقيل: وهل كنت تلعب الورق في طفولتك؟

شوقي: طبعاً، فأنا مقامر منذ ان كنت في بطن أمي.

الدكتور عقيل: لم تحدثني شيئاً عن طفولتك ياسيدي.

شوقي: عادية، كان أبي يكره الناس ويحب الابتعاد عنهم، فاشترى قطعة الأرض هذه من الحكومة وبنى عليها البيت.

الدكتور عقيل: وهل كان عندكم خدم؟

شوقي: خادم واحد ومرضعة.. مازلت أتذكرها حتى الآن.

الدكتور عقيل: آه.. مازلت تتذكر المرضعة!!

شوقي: نعم، كانت لطيفة جداً، كنت استمتع بقضم حلمتيها.كانت تتألم ولكنها كانت صابرة ولذلك فإنني ماأزال أتذكرها حتى اليوم.

الدكتور عقيل: وماذا كان يعمل الوالد؟

شوقي: لا شيئ، ورث عن جدي عدة بنايات في بيروت.. ثم أورثني إياها.

الدكتور عقيل: وهل ذهبت إلى المدرسة؟

شوقي: بالطبع، فأنا شخص متعلم.. كنت أحب مدرستي (يضحك) كنت أقود الصف مثل أي قائد.. وكنت أجبر التلاميذ على المقامرة معي.

الدكتور عقيل: وكنت تربح..

شوقي: بالتأكيد، نقداً وعيناً.

الدكتور عقيل: وبعد المدرسة، هل تزوجت؟

شوقي: لم أتزوج، كنت أحب العيش وحيداً. مرة، لعبت مع أحد الأصدقاء على خطيبته. من يربح يتزوجها. كان يحبها الملعون ومع ذلك خسر الرهان.

الدكتور عقيل: ولكنك قلت لي إنك لم تتزوج؟

شوقي: هذا صحيح، فبعد ان خسرها صار يبكي ويرجوني لكي أعيدها له، لقد اضطر المسكين، بسبب حبه، لأن يقبل حذائي فأعدتها له.

الدكتور عقيل: حسناً فعلت، يبدو أنك تكره النساء.

شوقي: أنا لا أكره أحداً ولا أحب أحداً..

الدكتور عقيل: أما أنا فأحب النساء.. على العكس منك.. منذ ان كنت في الخامسة عشرة رحت أشتهي النساء. لا أعرف نفسي يوماً أمضيته دون أن أكون عاشقاً. ليس بالضرورة عشقاً جديداً، قد يستمر عشقي لامرأة معينة سنوات طوال ولكن ما إن انفصل عنها حتى أبحث عن عشق جديد. زوجتي مثلاً أحببتها طويلاً وصارعت من أجل الزواج منها. كانت حبي الأخير والأهم في كل حياتي.

شوقي: هل هي ابنة عمك؟

الدكتور عقيل: لا.. تعرفت عليها على الطائرة أثناء عودتي من أوروبا. جلست إلى جانبي طوال الطريق. كنت أقرأ لكي أمضي الوقت وفجأة مالت نحوي وهمست في أذني.

شوقي: ماذا همست؟

الدكتور عقيل: قالت إنها تخاف من الطيران وإنها غير معتادة على السفر بالطائرة وطلبت مني أن أحادثها لكي تنسى أنها تطير.

شوقي: وهل حادثتها؟

الدكتور عقيل: وماذا تظن؟ بالطبع حادثتها.

شوقي: عن ماذا حدثتها؟

الدكتور عقيل: عن العلوم عند العرب..

شوقي: إنك سخيف، أتوقع أنها ماتت من الملل. لو كنت مكانك للاعبتها بالورق. لعب الورق أفضل تسلية.

الدكتور عقيل: بالعكس، اهتمت الفتاة كثيراً وراحت تسألني أن أزيدها علماً.

شوقي: وهل أحبتك لهذا السبب؟

الدكتور عقيل: أنا الذي أحببتها أولاً بسبب مقدرتها على الاستماع، وعندما أعطتني عنوانها عرفت انها من مدينتي وتسكن قريباً من بيتي.

شوقي: وبعد ذلك؟

الدكتور عقيل: بعد ذلك حاولت اقناعها لتحبني وتتزوجني.

شوقي: كانت صعبة.. آ؟

الدكتور عقيل: أقول لك الحق؟ كانت صعبة فعلاً، ولكنها أحبتني في النهاية وتزوجنا.

شوقي: وهل وضعت خطة لتجعلها تحبك؟

الدكتور عقيل: لم تكن خطة.. تعرفت على أبيها وصرنا أصدقاء. كان يمتدح أخلاقي أمامها.

شوقي: ماذا كان طموحها إذن؟

الدكتور عقيل: أن تصبح مغنية.

شوقي: (باهتمام) مغنية؟..

الدكتور عقيل: نعم، فصوتها جميل.. كانت في البداية ترفض حبي والزواج مني لهذا السبب. أبوها كان يخاف ان تصبح ابنته مغنية وكان يريدها ان تتزوج.


شوقي: وهل تغني لك؟

الدكتور عقيل: لا..

شوقي: كيف لا؟

الدكتور عقيل: لقد أحبطت المسكينة، كانت تتصارع مع قلبها كي لا تحبني. كانت تعرف ان عاداتنا الشرقية تمنع الرجل من ان يدع زوجته تغني فقررت أن تبتعد عن الزواج.

شوقي: وفي النهاية نجحت أنت.

الدكتور عقيل: نعم، لذلك أقسمت ألا تغني أبداً.. بصراحة، حزنت عليها، والآن، عندما تخطر في بالي يؤنبني ضميري.

شوقي: وبعد ذلك؟

الدكتور عقيل: نسيت قضية الغناء وأصبحت ربة منزل ممتازة.

شوقي: هل أصبحت بدينة؟

الدكتور عقيل: زاد وزنها قليلآ.

شوقي: مرضعتي كانت بدينة.. كان صدرها عامراً. كانت لها رائحة عرق حلوة، فقد كانت تتعرق باستمرار وتلهث.

الدكتور عقيل: لماذا لم ترضعك أمك؟

شوقي: لا أعرف.. أظن لأنها كانت تكره أبي.

الدكتور عقيل: ومادخل الرضاعة بأبيك؟

شوقي: كانت تكره أبي فـ..

الدكتور عقيل: ماذا؟

شوقي: فكرهتني ولم ترضعني، بعد ذلك هجرتنا. لم يتزوج أبي امرأة أخرى فعشنا هنا لوحدنا مع المرضعة والخادم. كنت أعض المرضعة بينما كان أبي يضرب خادمه لأنه كان يخطئ كثيراً.

الدكتور عقيل: أنا لا أحب الضرب ولا أشتهي العض.. (يتوقف عن اللعب ويحلم) حين يأتي البديل وأتحرر فسوف أعود إلى زوجتي.. سأظل أقبلها لساعات دون ان أستريح.

شوقي: لماذا لا تلعب؟

الدكتور عقيل: دوري؟

شوقي: نعم..

(يلعب الضيف، انه يقدم الأوراق التي يربحها السيد باستمرار، عملية ميكانيكية تستمر لفترة بصمت بينما الخادم مهتم لحركة لا تستدعي كل هذا الاهتمام. نسمع صوت عواءٍ طويلٍ من الغابة ولكن لا أحد يهتم. فجأة تدخل فتاة غريبة وهي مصفرة الوجه، ضائعة، هاربة من شيئ وتلهث. تدخل راكضة وتصل إلى منتصف الصالون وتقف.)

(يتجمد الثلاثة بسبب دخول رجاء المفاجئ. ينظرون إليها غير مصدقين، وشيئاً فشيئاً يعي الضيف ان البديل قد حضر أخيراً فيتحمس. انها سعيدة لأنها وجدت مأوى بعد ضياعها في الغابة)

رجاء: الحمد لله.. الحمد لله لأنني وجدتكم ياسادة. كدت أموت في الغابة، أي حظ لي؟ لقد حسبت أنني ضائعة لا محالة.. أنني ميتة. لقد أنقذت.. أمي راضية علي. لم أصدق حين نبق البناء أمامي بينما كنت أركض هاربة من أحد الذئاب. هل أنا في حلم أم في علم؟

(ينهض الثلاثة وهم يعاينونها)

شوقي: من أنت أيتها الفتاة، ومن أين جئتِ؟

رجاء: اسمي رجاء وأنا طالبة جامعية. اننا نخيم على تخوم الغابة. مخيم صيفي. دخلت إلى الغابة لأنفرد بنفسي فنسيت نفسي وفجأة عرفت أنني ضائعة. صرت أركض في كل الجهات أبحث عن أثر للخيام فلم أفلح. وكمن يطفئ النور هبط الظلام. كنت مرعوبة. يقال ان الوحوش والأفاعي تسكن الغابة فصعدت إلى احدى الأشجار وجلست على غصن وأنا أبكي من الخوف. لم أنم كي لا أسقط عن الغصن أثناء نومي. كانت أطول ليلة في حياتي. وعندما طلع الفجر، ثم بزغت الشمس من بين قمم الأشجار، نزلت عن الشجرة وعاودت الركض. وفجأة لحق بي ذئب، يبدو أنه كان يتربص بي خلال الليل لأنه اشتم رائحتي. ركضت وركضت وفجأة وجدت نفسي أمام قصركم. لم أصدق عيني، فهل يمكن أن يوجد مثل هذا البناء داخل هذه الغابة؟

(السيد ينظر بخبث نحو الضيف)

شوقي: لقد حضر البديل أخيراً يادكتور.. أهنئك.

(الضيف سعيد ولكنه غير مصدق، تختلف نظرته إلى الفتاة عن نظرة السيد)

الدكتور عقيل: نعم.. نعم..

رجاء: بديل؟ ماذا تقصد بكلمة بديل ياسيد؟

شوقي: كنا نلعب الورق أنا وصديقي الدكتور فشعر بالملل.. تمنى ان يكون هناك بديل ليلعب عوضاً عنه.

رجاء: آه.. أين كنت وأين أصبحت؟ قبل قليل كنت أحسب أنني ميتة لا محالة. إنني أعشق اللعب ياسيد.. تصوروا أننا في المخيم لا نفعل شيئاً سوى لعب الورق. اعتمد علي ياأستاذ، إنني أجيد لعب البريدج والطرنيب والكون كان والقاشوش أما البوكر فإنني أخسر فيه في بعض الأحيان.

(السيد والضيف ينظران إلى بعضهما ويبتسمان)

رجاء: هل تعلمون ياسادة بأننا نشترك في مثل هذه المخيمات لكي نمضي كل الأوقات في اللعب؟

شوقي: هذا شيء مثير للاهتمام أيتها الآنسة.

رجاء: لو أنهم يجبرونني على اللعب مدى الحياة لما قلت لا.. والآن، هل نلعب؟

شوقي: ولكن، ألست جائعة أيتها الآنسة، لقد أمضيت الليلة ضائعة في الغابة؟

رجاء: ميتة من الجوع ومتعبة ونعسانة، ولكنني من فرحي بلقياكم نسيت كل هذا.

شوقي: لدينا الوقت الكافي للعب، أما الآن فأنا سأهتم بتغذيتك وراحتك. شعبان!!

شعبان: نعم ياسيدي.

شوقي: خذ الآنسة إلى المطبخ وأطعمها جيداً..

شعبان: حاضر ياسيدي.

شوقي: ثم دعها تغسل وجهها واعطها فرشاة أسنان جديدة وعليك ان تجهز غرفة الضيوف في القبو لترتاح فيها إن هي أحبت.

شعبان: حاضر ياسيدي.

شوقي: (لرجاء) اذهبي مع خادمي شعبان ياآنسة، اعتبري البيت بيتك.

رجاء: شكراً ياسيدي..

(يسبقها الخادم، هي تنظر إلى الضيف فتراه كيف ينظر اليها بحب وكمخلصة، يغيبان في المطبخ. يعود السيد إلى الضيف وهو يضحك)

شوقي: ما رأيك يادكتور بهذه العصفورة، سوف تعطيك جناحيها لتطير بهما؟

الدكتور عقيل: كم هي بريئة هذه الفتاة.. انها تشبه زوجتي.

شوقي: دعنا من زوجتك الآن، هل سترحل؟

الدكتور عقيل: وهل هناك خيار اًخر؟ لقد أعطيتك كلمة شرف انني سأمكث دون اثارة متاعب حتى يأتي البديل.

شوقي: وها هو البديل قد جاء.. اسمه رجاء.

الدكتور عقيل: كم أشتهي يا سيدي الانطلاق في الفضاء.. سوف أخرج من القصر وسأركض. وعندما أصل إلى طريق الاسفلت لن أوقف أية واسطة نقل، بل سأظل أمشي وأمشي وأمشي.. أريد أن أمشي وأركض حتى يهدني التعب، عندها سأتوقف لأوقف سيارة أو أية حافلة نقل.. لايهم.

شوقي: كنت أحسبك مستعجلآ لملاقاة زوجتك.

الدكتور عقيل: يوم آخر أشعر به بحريتي كطير كان محبوساً في قفص لن يميتني شوقاً اليها.. ولكن، أنت جاد في تنفيذ وعدك لي بإطلاقي حين يحضر البديل، اليس كذلك؟

شوقي: طبعاً إنني جاد(يمد يده إلى جيبه ويخرج خمسمئة ليرة ويقدمها للضيف) خذ!.. خذ هذه!

الدكتور عقيل: (يأخذها) ماهذه؟

شوقي: خمسمئة ليرة لتتمكن من الوصول إلى حلب. سوف أضيفها على حسابك.

الدكتور عقيل: أنت بالغ الكرم ياسيدي..

شوقي: أنا لست كريماً إلى هذا الحد.. سوف أحول تلك الملايين التي تدينني بها إلى الفتاة، أليست هي بديلآ عنك؟


الدكتور عقيل: نعم.. ولكن أريد أن اسأل، من منا أفضل لك، أنا أم هي؟

شوقي: لا فرق، أنت أم هي لا فرق.. المهم أن أشعر بالسيادة.. ولكن بشكل عام أفضلك أنت لأنك رجل..

الدكتور عقيل: ولكن المرأة أسهل انقياداً، وخصوصاً في مجتمعنا الشرقي.. إنها متعودة على خدمة السيد.

شوقي: لهذا السبب لست متحمساً لكونها ستكون تابعتي. إنني افضلك أنت. أنا لا أريد أن أكون سيداً على حريم.. اكتشفت أنني كنت أجد متعة في قهرك حينما كنت تتمرد، أما بعد أن اتفقنا وأعطينا بعضنا كلمة الشرف فإن العادة أصبحت تتحكم بحياتي.

الدكتور عقيل: ولكننا قضينا أوقاتاً طيبة، تحدثنا في بعض الأحيان، ثم كنت تقامر معي كما تشتهي بالضبط.. أي انك كنت تضع القواعد التي تلائمك.

شوقي: لو لم يكن الأمر على هذا المنوال لكنت قتلتك.. على كلٍ، أرجو أن تفهمني جيداً وألا تسميني مجنوناً كما كنت تطلق علي في بداية حياتك معنا.

الدكتور عقيل: أنت مجنون فعلآ.. ولكنك مجنون سلطة وتسلط. لقد سلبتني إرادتي لتتمتع بسلطتك علي.

شوقي: أنت الآن على وشك العودة إلى العالم. سوف ترى جنوني للتسلط عادياً، أنت لم تكن تقرأ العالم المعاصر جيداً لأنك كنت غارقاً في تاريخ العلوم. كنت تتعرف إلى علوم غابر الأزمان حين كانت علوماً وديعة. سوف تخرج وتتمعن في العالم.. اهجر تاريخ العلوم وانظر إلى علوم هذه الأيام.. إنها مجرد ألعاب للسيطرة وإخضاع للآخر. كما هي ألعابي. إن من يمتلك العلوم هذه الأيام يفرض قواعد اللعبة.

الدكتور عقيل: هناك شيئ لا أفهمه.. لماذا لا تخرج إلى الدنيا وتواجه الناس، سوف تتمتع في السيطرة واللعب أكثر هناك من قصرك الضائع في لجة الغابة؟

شوقي: لن أجيبك.

الدكتور عقيل: كما تريد، ولكنني قد استطيع معرفة الجواب من تلقاء نفسي.

شوقي: سوف أصعد قليلآ لأرتاح ريثما تجهز نفسك للرحيل. لا ترحل قبل أن أودعك.

الدكتور عقيل: حاضر سيد شوقي.

(كاد ان يستدير ولكنه يتوقف، يبتسم للضيف)

شوقي: أصبح مقبولآ منك الآن أن تناديني بإسمي.. إلى اللقاء يادكتور.

الدكتور عقيل: إلى اللقاء.

(يصعد السيد. الضيف يتنفس بعمق لأنه يشعر بنفسه حراً، يتأمل المكان. تمر فترة)

الدكتور عقيل: يبدو لي انه سيصدق بوعده وبكلمة الشرف. كنت قد بدأت أحبه هذا المهووس.. ولكنني ساعمل على أن أكرهه. لا أريد أن أحب شخصاً كهذا.. رغم أنه يتحدث عن أشياء مهمة. لا أريد أن أفكر الآن فيما قاله عمن يمتلك العلوم والقواعد والتسلط.. إنني متشوق كثيراً لتلك المدينة التي اشتهرت بالمحاشي والكبب والنساء الجميلات. يغمرني الشوق إلى بيتي وزوجتي وطلابي في الجامعة.

(تدخل رجاء، لقد أكلت وشبعت وهي مرتاحة، تمص أصابعها الواحد تلو الآخر)

الدكتور عقيل: هل شبعتِ؟

رجاء: الحمد لله.. أنتم ناس ظرفاء وكرماء ياسيد.

الدكتور عقيل: أشكرك على هذا الانطباع السريع..

رجاء: أين هو السيد الآخر الذي يحب لعب الورق؟ أريده أن يرى شطارتي.

الدكتور عقيل: انه فوق.. يرتاح في غرفته. سينزل بعد قليل،ولكن قولي لي يا آنسة، ألن يشعر الآخرون بالقلق عليك؟

رجاء: دعهم يجدّون في البحث عني.. أشعر بالمرح لأنني أتصورهم وهم يركضون في أرجاء الغابة وهم ينادون علي..

الدكتور عقيل: وكم تفكرين بالمكوث هنا وتركهم يبحثون عنك؟

رجاء: هل مللت مني ياسيدي؟

الدكتور عقيل: أبداً، ولكنني أرأف بحال رفاقك.

رجاء: لا تأبه لهم، انهم شياطين ويستأهلون بعض التعب. سوف يعتقدون ان الغابة قد ابتلعتني كما حدث لذلك الدكتور من جامعتنا الذي اصطدمت سيارته قبل عشر سنوات باحدى الأشجار ولم يقعوا على أثر له. يقال، عندنا في الجامعة، ان الغابة قد ابتلعته.

(حين يسمع القصة يهتم كثيراً، فهي قصته)

الدكتور عقيل: منذ عشر سنوات؟

رجاء: نعم، منذ عشر سنوات. عندما كنت قابعة أمضي الليلة الفائتة على الشجرة حسبت ان الغابة فعلآ قد ابتلعتني كما ابتلعته هو.

الدكتور عقيل: هل أنت من نفس المدينة؟

رجاء: نعم، من نفس المدينة ومن نفس الجامعة أيضاً.. هل سمعت به؟

الدكتور عقيل: وماذا يعتقد الناس أيضاً؟

رجاء: لا شيئ، سوى أن الغابات تبتلع الناس.

الدكتور عقيل: هل تعلمين شيئاً عن زوجته.. مثلآ؟

رجاء: طبعاً، إنها تلك المغنية المشهورة. حتى أنها غنت أغنية عن الغابة التي تبتلع الرجال. انها أغنية حزينة ولدي في البيت تسجيل لها.

الدكتور عقيل: حزينة؟

رجاء: نعم حزينة.

الدكتور عقيل: مسكينة، وهل كل أغانيها حزينة؟

رجاء: لا.. لديها أغاني راقصة. كنا في المخيم نرقص على واحدة منها.

الدكتور عقيل: وهل هي جميلة؟

رجاء: كثيراً.. ألا تعرفها؟ غريب.. من لا يعرفها في طول البلاد وعرضها؟

الدكتور عقيل: طبعاً أعرفها.. وهل هي.. أقصد.. متزوجة مثلآ؟ أنا لا أتابع في العادة أخبار الفنانات.

رجاء: (تضحك) إنك مضحك ياسيد.. إنها متزوجة للمرة الثالثة، أنت تعرف حياة الفنانات.. هذا شيئ عادي عندهن.

(صدمة، يحاول ان يجلس)

رجاء: ماذا حدث؟ تبدو متعباً..

الدكتور عقيل: لا شيئ.

رجاء: هل قلت شيئاً معيباً؟

الدكتور عقيل: لا أبداً، شعرت فجأة بالارهاق.

رجاء: هل أستطيع عمل شيئ لك ياسيدي؟

الدكتور عقيل: لا..لا.. سوف أتحسن من تلقاء نفسي.

(تعاين المكان)

رجاء: هذا المكان غريب جداً، انه في عمق الغابة.. ألا تنزلون إلى المدينة؟

الدكتور عقيل: سوف أنزل بعد قليل.


رجاء: آه، عظيم، سوف أرافقك، أرجوك ان تنتظرني ريثما ألعب مع السيد كما وعدته، أخاف ان أعود إلى المخيم بمفردي.. هل سترافقني إلى المخيم؟

(محرج، يحاول التهرب)

الدكتور عقيل: سوف نرى..

رجاء: ألا توجد امرأة، هنا في القصر؟

الدكتور عقيل: لا..

رجاء: ولكن، كيف تعيشون دون امرأة؟

الدكتور عقيل: تنقصنا المرأة آ..؟

رجاء: طبيعي، فكما أن المرأة تأنس للرجل فإن الرجل يأنس للمرأة. لماذا ياسيدي أطلقت لحيتك كالزهاد، لا يبدو عليك انك شيخ؟

الدكتور عقيل: آ..؟ كنت قد مللت من حلاقتها.

رجاء: لو كانت هنا امرأة لكنت اعتنيت بمظهرك.. هل ستنزل إلى المدينة بهذه الهيئة؟

الدكتور عقيل: انك تسألين كثيراً يا آنسة.

رجاء: يسمونني الفضولية، ولكنني في الحقيقة أحب الحياة لهذا السبب وجدت طريقة حياتكم غريبة.

الدكتور عقيل: هل تحبين الحياة؟

رجاء: ومن لا يحبها.. أقصد أنني أحب الطبيعة والرحلات والرقص والغناء. سوف أقول لك سراً أخجل من التصريح به إلى أي كان..

الدكتور عقيل: تفضلي.

رجاء: أحب أن أكون محبوبةً.

(يعذبه ضميره)

الدكتور عقيل: (لنفسه) آه.. يالي من شقي.

رجاء: ولكنني أرفض الزواج وأنا بهذه السن.. أريد أن أعيش أولآ. هناك زميل لي في الجامعة صارحني بحبه.. شعرت بالسعادة، ولكنه حين عرض علي الزواج رفضت.

الدكتور عقيل: لماذا؟

رجاء: الانسان يعيش مرة واحد.. إنه شاب لطيف ولكن لماذا علي ان ارتبط بأحد ما هكذا سريعاً. سوف يأتي وقت الزواج والأولاد.. الفك والتحفيض.. والجلوس وانتظار عودة الزوج الذي يلعب الورق مع أصدقائه.. الست محقةً؟

(يهز راسه موافقاً وهو يشعر أنه سيسلب منها بعد قليل هذا الحب للحياة)

رجاء: والآن، لماذا لا يأتي السيد الذي يريد ان يلعب معي بالورق؟

الدكتور عقيل: آه..؟

(انه مرتبك، يشعر ان عليه ان يفعل شيئاً)

رجاء: ما إسمه؟

الدكتور عقيل: لا تسألي عن اسمه، انه السيد هنا.

رجاء: السيد..!! برافو، أما أنت فإنه يناديك بالدكتور.. هل أنت حقاً دكتور؟

الدكتور عقيل: نعم.. أقصد كنت دكتوراً.

رجاء: كنت؟ دكتور بماذا؟ هل أنت طبيب؟

الدكتور عقيل: كنت دكتوراً في الجامعة قبل ان تبتلعني الغابة.

رجاء: (انها تكتشف) غريب، دكتور في الجامعة؟ وما هو اختصاصك؟

الدكتور عقيل: تاريخ العلوم عند العرب..

(تتساءل إن كان هو بذاته)

رجاء: هل أنت..؟

الدكتور عقيل: نعم، أنا..

رجاء: يا إلهي، ولماذا تتخفى هنا؟ لماذا لم تعد إلى بيتك.. يقولون إنهم اقاموا الدنيا وأقعدوها عليك؟ انهم، منذ زمن بعيد، يحسبونك ميتاً..

الدكتور عقيل: (مرتبك )هذا شيئ يطول شرحه.. اسمعي يا آنسة، يعجبني حبك للحياة، أنصحك بالرحيل..

رجاء: ماذا؟

(نسمع صوت خطوات السيد ثم نراه ينزل، خلال ذلك)

الدكتور عقيل: هيا اهربي..

(ولكنها لا تعرف ما تفعل فينزل السيد منشرحاً)

شوقي: أرى أنك لم تتجهز للرحيل يادكتور. (يتمعنه) كان عليك ان تحلق لحيتك، لا أجد مبرراً لأن ترعب الناس في الخارج بمنظرك هذا..

الدكتور عقيل: لحيتي..؟ آ.. كان علي أن أحلقها.

شوقي: بإمكانك أن تصعد لحلاقتها، ويمكنك ان تستعير قميصاً أبيض وربطة عنق من عندياتي.. (يستدير إلى رجاء) هل تغذيت جيداً أيتها الآنسة؟

رجاء: (مرتبكة) شكراً لك ياسيدي..

شوقي: هل نبدأ اللعب (يلتقط الورق ويبدأ بمزجه ببراعة) أية لعبة تفضلين؟

رجاء: في الحقيقة..

شوقي: أنتن النساء تفضلن الكون كان.. لا بأس، ولكن من أجل المتعة فحسب، هل تملكين نقوداً معدنية؟ خمس ليرات تكفي.

(الضيف الذي يقف قرب الدرج ولم يكن قد صعد بعد، يرى ان عليه ان ينقذ الفتاة، هي محتارة ماذا تفعل)

الدكتور عقيل: لن أرحل ياسيدي..

(يستدير السيد متفاجئاً)

شوقي: ماذا؟

الدكتور عقيل: (يقترب منه) لن أرحل.

شوقي: ولكن لماذا؟ انها فرصتك..

الدكتور عقيل: لم يعد هناك شيئ يهمني في الخارج.. لم أعد في حاجة للبديل. دعها ترحل.

شوقي: ترحل؟ (يفهم السيد ماجرى) آه.. هكذا إذن. تريد أن تبقى أنت وتريدني أن أترك الفتاة ترحل.. إنك تطلب الكثير يادكتور وكأنك أنت السيد.

الدكتور عقيل: أنا باق، اتركها ترحل أرجوك. سوف نلعب حتى الممات.

شوقي: الفتاة لن ترحل.. لقد أخبَرَتْك بأشياء كنت ستكتشفها بنفسك في المدينة، وعندها كنت ستعود إلي.. أنت وهي في قصري، كلاكما لستما كثيرين علي. سوف نلعب ثلاثتنا.

(وبسرعة مفاجئة يمسك الضيف بالسيد ويصرخ للفتاة)

الدكتور عقيل: اهربي ياآنسة.. اهربي فوراً..

رجاء: إنني خائفة من الغابة..

شوقي: إياكِ ان تهربي.. (هي محتارة ما ذا تفعل، ينادي) شعبان.. شعبان.

الدكتور عقيل: اهربي يافتاة.

رجاء: حسن، أنا هاربة.

(تهرع إلى الخارج.. السيد يفقد صوابه)

شوقي: شعبان، امسك بها ياشعبان.. لعنة الله عليك يادكتور.. سوف أريك.. سوف أحبسك في غرفة القبو..

الدكتور عقيل: انها فتاة صبية، دعها تعيش حياتها.. إنها تحب الحياة ومستقبلها من أمامها.. أعدك انني ..

(يدخل شعبان وهو ممسك بالفتاة، السيد يرتاح بينما الضيف يفقد أعصابه)

شوقي: برافو ياشعبان..

رجاء: اتركني.

الدكتور عقيل: اتركها ترحل يا..

(عندها يخطر في باله البندقية، السيد يفهم ماذا ينوي فيتسابقان نحوها ويتدافعان ولكن الضيف يتمكن في النهاية من الامساك بالبندقية ويوجهها نحو السيد الذي يتراجع خوفاً من ان يطلق النار عليه)

شوقي: ماذا تنوي ان تفعل؟

الدكتور عقيل: أأمر شعبان بان يتركها ترحل وإلا هشمت رأسك.

شوقي: لن آمره..

الدكتور عقيل: أأمره ولك ما تريد.

شوقي: دعها هنا يامجنون، بإمكانك إذا أردت أن تبقى، ان تتزوجها.

الدكتور عقيل: لا أريد.. دعها ترحل.

(يسدد جيداً على رأس السيد الذي يخاف هذه المرة من أن يطلق النار)

الدكتور عقيل: قلت لترحل..

شوقي: حسن.. شعبان.

شعبان: نعم ياسيدي..

شوقي: اتركها ترحل.. إنه مجنون، لقد نسينا البندقية.

شعبان: هل انت متأكد ياسيدي؟

شوقي: دعها ترحل.

(الخادم يترك الفتاة التي تركض نحو الباب وتتوقف هناك)

رجاء: أشكرك من كل قلبي يادكتور.

(تخطو ولكنه يوقفها)

الدكتور عقيل: دقيقة..

(يذهب اليها وهو يسدد البندقية نحو السيد والخادم. يقترب منها، ينظر اليها بحب)

الدكتور عقيل: اسمعي، عليك ان تركضي باتجاه مغيب الشمس.

رجاء: حسن..

(يقدم لها البندقية)

الدكتور عقيل: خذيها، لألا تخافي من الكلاب الذئبية.. سددي عليها واضغطي على الزناد.

رجاء: حاضر.

الدكتور عقيل: مع السلامة.

(إنها ممتنة له، تنظر اليه لحظة، تمد رقبتها وتقبله على خده، تهرب وتغيب، هو يظل ينظر في أثرها. يضع يده على خده في مكان القبلة ثم يستدير اليهما)

شوقي: انك مجنون.. سوف أعاقبك.. إنني السيد هنا، شعبان.

شعبان: نعم ياسيد..


شوقي: هات البندقية الثانية من غرفتي.

شعبان: حاضر ياسيدي.

(يصعد شعبان، الضيف يجلس مكانه علىطاولة اللعب)

الدكتور عقيل: ألن تلعب؟ إنني مستعد..

(السيد غاضب، الضيف ساكن)

(تعتيم)

مشهد الختام

(الضيف والسيد يلعبان الورق. السيد يربح باستمرار.. الضيف مكبل بالأغلال بينما يجلس الخادم في مكانه وبيده البندقية)

شوقي: لي..

الدكتور عقيل: لك..

شوقي: لي..

الدكتور عقيل: لك..

(فترة تطول ثم تعتيم)

النهاية

 

نشرت على حلقات في الملحق الثقافي لجريدة "الثورة" - دمشق 1997