Print

مسرحية " بيت الألعاب" أو "صانع القوانين" - Page 9

شوقي: وهل تغني لك؟

الدكتور عقيل: لا..

شوقي: كيف لا؟

الدكتور عقيل: لقد أحبطت المسكينة، كانت تتصارع مع قلبها كي لا تحبني. كانت تعرف ان عاداتنا الشرقية تمنع الرجل من ان يدع زوجته تغني فقررت أن تبتعد عن الزواج.

شوقي: وفي النهاية نجحت أنت.

الدكتور عقيل: نعم، لذلك أقسمت ألا تغني أبداً.. بصراحة، حزنت عليها، والآن، عندما تخطر في بالي يؤنبني ضميري.

شوقي: وبعد ذلك؟

الدكتور عقيل: نسيت قضية الغناء وأصبحت ربة منزل ممتازة.

شوقي: هل أصبحت بدينة؟

الدكتور عقيل: زاد وزنها قليلآ.

شوقي: مرضعتي كانت بدينة.. كان صدرها عامراً. كانت لها رائحة عرق حلوة، فقد كانت تتعرق باستمرار وتلهث.

الدكتور عقيل: لماذا لم ترضعك أمك؟

شوقي: لا أعرف.. أظن لأنها كانت تكره أبي.

الدكتور عقيل: ومادخل الرضاعة بأبيك؟

شوقي: كانت تكره أبي فـ..

الدكتور عقيل: ماذا؟

شوقي: فكرهتني ولم ترضعني، بعد ذلك هجرتنا. لم يتزوج أبي امرأة أخرى فعشنا هنا لوحدنا مع المرضعة والخادم. كنت أعض المرضعة بينما كان أبي يضرب خادمه لأنه كان يخطئ كثيراً.

الدكتور عقيل: أنا لا أحب الضرب ولا أشتهي العض.. (يتوقف عن اللعب ويحلم) حين يأتي البديل وأتحرر فسوف أعود إلى زوجتي.. سأظل أقبلها لساعات دون ان أستريح.

شوقي: لماذا لا تلعب؟

الدكتور عقيل: دوري؟

شوقي: نعم..

(يلعب الضيف، انه يقدم الأوراق التي يربحها السيد باستمرار، عملية ميكانيكية تستمر لفترة بصمت بينما الخادم مهتم لحركة لا تستدعي كل هذا الاهتمام. نسمع صوت عواءٍ طويلٍ من الغابة ولكن لا أحد يهتم. فجأة تدخل فتاة غريبة وهي مصفرة الوجه، ضائعة، هاربة من شيئ وتلهث. تدخل راكضة وتصل إلى منتصف الصالون وتقف.)

(يتجمد الثلاثة بسبب دخول رجاء المفاجئ. ينظرون إليها غير مصدقين، وشيئاً فشيئاً يعي الضيف ان البديل قد حضر أخيراً فيتحمس. انها سعيدة لأنها وجدت مأوى بعد ضياعها في الغابة)

رجاء: الحمد لله.. الحمد لله لأنني وجدتكم ياسادة. كدت أموت في الغابة، أي حظ لي؟ لقد حسبت أنني ضائعة لا محالة.. أنني ميتة. لقد أنقذت.. أمي راضية علي. لم أصدق حين نبق البناء أمامي بينما كنت أركض هاربة من أحد الذئاب. هل أنا في حلم أم في علم؟

(ينهض الثلاثة وهم يعاينونها)

شوقي: من أنت أيتها الفتاة، ومن أين جئتِ؟

رجاء: اسمي رجاء وأنا طالبة جامعية. اننا نخيم على تخوم الغابة. مخيم صيفي. دخلت إلى الغابة لأنفرد بنفسي فنسيت نفسي وفجأة عرفت أنني ضائعة. صرت أركض في كل الجهات أبحث عن أثر للخيام فلم أفلح. وكمن يطفئ النور هبط الظلام. كنت مرعوبة. يقال ان الوحوش والأفاعي تسكن الغابة فصعدت إلى احدى الأشجار وجلست على غصن وأنا أبكي من الخوف. لم أنم كي لا أسقط عن الغصن أثناء نومي. كانت أطول ليلة في حياتي. وعندما طلع الفجر، ثم بزغت الشمس من بين قمم الأشجار، نزلت عن الشجرة وعاودت الركض. وفجأة لحق بي ذئب، يبدو أنه كان يتربص بي خلال الليل لأنه اشتم رائحتي. ركضت وركضت وفجأة وجدت نفسي أمام قصركم. لم أصدق عيني، فهل يمكن أن يوجد مثل هذا البناء داخل هذه الغابة؟

(السيد ينظر بخبث نحو الضيف)

شوقي: لقد حضر البديل أخيراً يادكتور.. أهنئك.

(الضيف سعيد ولكنه غير مصدق، تختلف نظرته إلى الفتاة عن نظرة السيد)

الدكتور عقيل: نعم.. نعم..

رجاء: بديل؟ ماذا تقصد بكلمة بديل ياسيد؟

شوقي: كنا نلعب الورق أنا وصديقي الدكتور فشعر بالملل.. تمنى ان يكون هناك بديل ليلعب عوضاً عنه.

رجاء: آه.. أين كنت وأين أصبحت؟ قبل قليل كنت أحسب أنني ميتة لا محالة. إنني أعشق اللعب ياسيد.. تصوروا أننا في المخيم لا نفعل شيئاً سوى لعب الورق. اعتمد علي ياأستاذ، إنني أجيد لعب البريدج والطرنيب والكون كان والقاشوش أما البوكر فإنني أخسر فيه في بعض الأحيان.

(السيد والضيف ينظران إلى بعضهما ويبتسمان)

رجاء: هل تعلمون ياسادة بأننا نشترك في مثل هذه المخيمات لكي نمضي كل الأوقات في اللعب؟

شوقي: هذا شيء مثير للاهتمام أيتها الآنسة.

رجاء: لو أنهم يجبرونني على اللعب مدى الحياة لما قلت لا.. والآن، هل نلعب؟

شوقي: ولكن، ألست جائعة أيتها الآنسة، لقد أمضيت الليلة ضائعة في الغابة؟

رجاء: ميتة من الجوع ومتعبة ونعسانة، ولكنني من فرحي بلقياكم نسيت كل هذا.

شوقي: لدينا الوقت الكافي للعب، أما الآن فأنا سأهتم بتغذيتك وراحتك. شعبان!!

شعبان: نعم ياسيدي.

شوقي: خذ الآنسة إلى المطبخ وأطعمها جيداً..

شعبان: حاضر ياسيدي.

شوقي: ثم دعها تغسل وجهها واعطها فرشاة أسنان جديدة وعليك ان تجهز غرفة الضيوف في القبو لترتاح فيها إن هي أحبت.

شعبان: حاضر ياسيدي.

شوقي: (لرجاء) اذهبي مع خادمي شعبان ياآنسة، اعتبري البيت بيتك.

رجاء: شكراً ياسيدي..

(يسبقها الخادم، هي تنظر إلى الضيف فتراه كيف ينظر اليها بحب وكمخلصة، يغيبان في المطبخ. يعود السيد إلى الضيف وهو يضحك)

شوقي: ما رأيك يادكتور بهذه العصفورة، سوف تعطيك جناحيها لتطير بهما؟

الدكتور عقيل: كم هي بريئة هذه الفتاة.. انها تشبه زوجتي.

شوقي: دعنا من زوجتك الآن، هل سترحل؟

الدكتور عقيل: وهل هناك خيار اًخر؟ لقد أعطيتك كلمة شرف انني سأمكث دون اثارة متاعب حتى يأتي البديل.

شوقي: وها هو البديل قد جاء.. اسمه رجاء.

الدكتور عقيل: كم أشتهي يا سيدي الانطلاق في الفضاء.. سوف أخرج من القصر وسأركض. وعندما أصل إلى طريق الاسفلت لن أوقف أية واسطة نقل، بل سأظل أمشي وأمشي وأمشي.. أريد أن أمشي وأركض حتى يهدني التعب، عندها سأتوقف لأوقف سيارة أو أية حافلة نقل.. لايهم.

شوقي: كنت أحسبك مستعجلآ لملاقاة زوجتك.

الدكتور عقيل: يوم آخر أشعر به بحريتي كطير كان محبوساً في قفص لن يميتني شوقاً اليها.. ولكن، أنت جاد في تنفيذ وعدك لي بإطلاقي حين يحضر البديل، اليس كذلك؟

شوقي: طبعاً إنني جاد(يمد يده إلى جيبه ويخرج خمسمئة ليرة ويقدمها للضيف) خذ!.. خذ هذه!

الدكتور عقيل: (يأخذها) ماهذه؟

شوقي: خمسمئة ليرة لتتمكن من الوصول إلى حلب. سوف أضيفها على حسابك.

الدكتور عقيل: أنت بالغ الكرم ياسيدي..

شوقي: أنا لست كريماً إلى هذا الحد.. سوف أحول تلك الملايين التي تدينني بها إلى الفتاة، أليست هي بديلآ عنك؟