Print

مسرحية " بيت الألعاب" أو "صانع القوانين" - Page 6

(يقذف الورق إلى الطاولة ثم يستند إلى كرسيه باستسلام، يميل رأسه إلى الأسفل، الخادم يلتقط فوراً البندقية ويتأهب، السيد يلتقط المئة ليرة ويلم الورق)

شوقي: خسرت يادكتور. خسرت المئة ليرة أيضاً. (ينهض) أنا لا أريدك ان تحبط، يجب عليك ان تقتنع بحظك في اللعب. انت ستقول لي ان الحظ السيء في اللعب ينعكس طرداً على الحظ في الدنيا.. في الوجود، لأن الجميع يلعب. هذا أيضاً شيء معقول ويجب ان تكون مقتنعاً به. انظر الى العالم، انه ينقسم إلى أسياد وعبيد. في الشارع، في العمل.. وحتى في الأمم المتحدة. (الضيف يرفع عينيه ويتابعه بكراهية) أنت الآن مدين لي بألف ليرة، سوف أعطيك فرصة لتردها إلي.

(ينتظر ليسأله الضيف كيف ولكنه لا ينبس، فيتابع)

شوقي: تسألني كيف صارت المئة ألفاً.. الدين لا يبقى على حاله يادكتور، هناك قيمة تضاف إليه.. أما ماهي الفرصة التي سأمنحها لك لترد لي الدين فهي بكل بساطة إنني سأدعك تلاعبني.. أي إنني في الصباح، وعندما تتوقف العاصفة لن أدعك ترحل، بل سنتابع اللعب حتى تتمكن من هزيمتي ومن ثم ترد لي الدين.

(يتوقف السيد وينظر إلى الضيف)

شوقي: أرى أنك متعب للغاية، معك حق فقد كان يوماً استثنائياً، فقد صدمت شجرة وسرت تحت المطر في غابة مليئة بالوحوش، ثم قامرت.. سوف أجعل شعبان يأخذك إلى غرفة الضيوف لترتاح حتى الصباح. لدينا غرفة في القبو للضيوف. سوف تسامحني لأن الغرفة لا تليق بدكتور في تاريخ العلوم عند العرب. سوف تحسبها زنزانة في سجن لأنها بلا نوافذ وبابها من الحديد.

(يشير السيد إلى شعبان الذي يقترب بحرص من الضيف مشهراً في وجهه البندقية طالباً منه أن ينهض. يجعله يسير امامه باتجاه أسفل الدرج الذي فيه باب غير مرئي يؤدي إلى القبو. السيد يمسك بورق اللعب ويبدأ بمزجه ببراعة)

(تعتيم)

المشهد الثاني

(لا تغييرات في الديكور، باستثناء أشعة الشمس التي تدخل من النافذة وتسقط على الأرضية. على الطاولة نصف طبقة من ورق اللعب. الخادم ينظر إلى ساعة يده)

شعبان: صارت الساعة العاشرة والنصف، بعد قليل سينزل سيدي من غرفة نومه لذلك علي ان أخرج الدكتور. هذا الشخص لا يريد ان يفهم ما يجري، رغم انه متعلم ودكتور كما يدعي. مرة، كنت في رحلة صيد في الغابة. هذه الغابة التي يقع القصر داخلها. فجأة شعرت أنني أضعت حس الاتجاه وضعت ولم أعد أعرف إلى أين أتجه. ظللت ساعات وأنا أدور وفجأة شاهدت نفسي واقفاً امام هذا القصر وقد كانت الشمس قد غابت وحل الظلام. صحيح إنني خادم السيد الآن ولكنني لم أكن قبل أن أضيع في الغابة خادماً، بل كنت تاجراً ناجحاً أملك الملايين. كنت مالكاً لعدة محلات تجارية في مدينة دمشق. قرعت الباب ففتح لي سيدي شوقي. وافق مشكوراً على أن أقضي ليلتي في قصره على أن أرحل في الصباح. ومن أجل أن نتسلى أخرج السيد شوقي ورق اللعب ورحنا نلعب، كما فعل سيدي مع هذا الدكتور التعس. طبعاً خسرت، ومن يربح في هذه الدنيا..؟ أصبح سيدي يدينني بمبالغ طائلة. كان لديه كلب ذئبي مخيف اسمه "ركسي" كان يحرسني ويمنعني من الهرب ومع ذلك هربت. لقد عرفت عند سيدي معنى قواعد الألعاب ولكنني عندما عدت إلى دمشق، إلى أهلي وأولادي، كان الجميع قد نسيني وكانت القواعد التي فرضتها في بيتي قد تغيرت. أولادي وزوجتي هم من غيروها فشعرت بالغربة بينهم وبالصغار فعدت إلى هنا. القضية وما فيها إنني أصبحت أعرف فن اللعبة وعرفت قيمتي ومكاني. أنا خادم وسأظل خادم سيدي. هذه الأمور لا يفهمها الدكتور المسكين. ربما لأنه لم يكن تاجراً مثلي يفهم قواعد السوق المتغيرة ويرضخ لها حين اللزوم. إنه يتعبنا منذ ذلك اليوم الذي دخل فيه علينا وكانت العاصفة تهب بقوة. لو كان تفهّم قواعد سيدي لكان ينام الآن مثلي في غرفة ذات نوافذ يدخل اليها ضوء الشمس، ولكن بسبب غبائه وتمرده المستمرين اضطر سيدي إلى إبقائه في غرفة القبو وصرنا نكبله بالأغلال حين يحين موعد صعوده إلى هنا ليلاعب سيدي. نحن مضطرون لفعل ذلك لأن عليه ان يلعب ليتمكن من رد الدين إلى سيدي ومن ثم إذا أراد فليرحل. انه يضطر في كل مرة للاستدانة لكي يقامر حتى أصبح الدين ينوف على العشرة ملايين ليرة.

(صوت السيد في الطابق العلوي)

شعبان: هاهو سيدي يستعد للنزول ولم أحضر الدكتور بعد.

(يذهب الخادم إلى تحت الدرج لينزل إلى القبو بينما ينزل السيد)

شوقي: ماذا حدث، لماذا لم يصعد به شعبان حتى الآن؟ لماذا هذا الكسل؟ لقد تجاوزت الساعة العاشرة والنصف. لقد أخبرتهما الليلة الماضية بالقواعد الجديدة للاستيقاظ والصعود إلى الصالون. منذ يومين كان موعد الصعود في تمام الحادية عشرة والربع لأنني كنت مرهقاً وكنت بحاجة للنوم.

(يقترب من طاولة اللعب ويلتقط الورق ويبدأ بمزجه ببراعة)

شوقي: هناك أمر يجب ان يكون واضحاً للجميع، السادة هم أدرى الناس بأمور الدنيا. من يريد ان تعم الفوضى في كل مكان؟ لا أحد.. لذلك على السادة ان يقوننوا الحياة. تصوروا لعبة بدون قواعد..! ستكون فوضى، والفوضى شيء لا يشبه أي شيء.. مجرد ما قبل التاريخ، ما قبل الوعي لأن الوعي هو وعي القانون والقواعد.. هذا الانسان الذي يقبع في القبو يتمرد علي، يريد سلبي حقي في تسيير اللعبة. انه يطلب مني ان أتركه يساهم في وضع قواعد اللعبة التي ألاعبه فيها.. هذا هراء كامل. فوضى. لقد أثبتُّ له خطأ مايطالب به. ما اجتمع اثنان إلا كانت القواعد ثالثهما. أحدهما هو الذي يضع هذه القواعد التي تحكم علاقتهما. إذا كان واحد منكم مدرساً سيعرف انه دائماً هناك تلميذ يقود الآخرين، يضع لهم القواعد ويفرضها عليهم. إذا نافسه تلميذ آخر يحدث عراك إلى ان يستسلم هذا الآخر. إذا قام المدرس بتقسيم الصف إلى قسمين بحيث ان التلميذ السيد سيكون في أحد القسمين فلن يلبث القسم الآخر ان يفرز سيداً وقواعد جديدة. سنظل نقسم الصفوف حتى تقتصر على تلميذين، في هذه الحالة سيكون أحدهما هو السيد أما الآخر فسيكون التابع. الآن، سوف نفعل العكس.. ان كل سيد سيحاول إخضاع السادة الآخرين لسيادته على المستوى الأعرض. على مستوى الصف ثم على مستوى المدرسة فالحي فالمدينة فالدولة ثم على مستوى العالم. تنشب الحروب العالمية المدمرة من أجل تسيد سيد واحد.. ماذا كان يريد الاسكندر الأكبر غير ذلك.. أو نابليون.. أو هتلر؟ وحتى يومنا هذا، فأمريكا تريد أن تتسيد. ان السيد هو الذي يفرض اللعبة وقواعد اللعب ويغيرها حسب مذاجه.. ومن يعبأ بالاعتراضات؟

(في هذه اللحظة يدخل الضيف والخادم. الضيف مكبل بالأغلال وهو في وضع سيء، فذقنه غير حليقة وثيابه متسخة ومدعوكة، الخادم يجلس قرب المكان الذي علقت فيه بندقية الصيد)

الدكتور عقيل: (يبادر فوراً لأنه سمع الجزء الأخير من مونولوج السيد) أنت مجنون ومريض. الله يشفيك ياسيد، المشكلة هي انني وقعت بين يديك. أنت تنسى قواعد السلوك العامة التي تحكم الجميع، السادة وغير السادة.

شوقي: حتى هذه القواعد يتم الاتفاق عليها، يضعها السيد.

الدكتور عقيل: انت تنسى أنني سيد.

شوقي: في موقعك.

الدكتور عقيل: وما الفارق؟

شوقي: فارق كبير. لأن موضعك لم يعد له وجود. يجب عليك الاعتراف بوضعك الجديد.

الدكتور عقيل: أن أكون عبدك في عالمك؟

شوقي: أنت لست عبدي، أنت ضيفي.

الدكتور عقيل: وهل من قواعد السلوك ان تعامل ضيفك بهذا الشكل؟

(يرفع الأغلال ليشير إليها)

شوقي: السبب هو أنك لا تعترف بسيادتي. اعترف فستكون بخير.

الدكتور عقيل: ولكنك حكمت علي وانتهيت. تطبق علي قانونك.. السخيف.

(الخادم يتأهب، السيد وكأنه أهين)

شوقي: لا تقل سخيفاً.. يبدو ان علينا ان نربيك أيضاً. هناك حدود لتطاولاتك ألا تفهم؟.. هنا، نحن أناس مهذبون.

الدكتور عقيل: مجنون..

(الخادم يلتقط البندقية ويتأهب لاطلاق النار فيرتدع الضيف. يمد يديه ليوقف غضب السيد وخادمه. يقترب منه السيد ويمسك بتلابيبه بقوة ويحادثه من بين أسنانه)

شوقي: إذا تلفظت بهذه الكلمة مرة ثانية سأجعل شعبان يخرجك إلى الغابة ويطلق النار على رأسك العفن ويدفنك هناك.. هل فهمت؟

(يقترب الخادم ممسكاً بالبندقية)

شعبان: دعني أخرجه إلى الغابة ياسيدي.. إنه لن يفهم.

(الضيف خائف ولكنه متماسك، السيد يترك لحظة تمر ثم يمد يده باتجاه الخادم يطلب منه ان يعود إلى مكانه. يبتعد السيد عن الضيف)

شوقي: أنت ترى ان بامكاني أن آمر حتى بقتلك.

الدكتور عقيل: أرى ذلك.

شوقي: أنت تتعبني باستمرار وتثير حنقي.

الدكتور عقيل: أعتذر منكما.

شوقي: انت دائماً هكذا، تتمرد ثم تعتذر. ضقت ذرعاً بك.

الدكتور عقيل: لأنك، سيد شوقي، وضعتني في حالة اللاخيار.

شوقي: (يصرخ) نادني بـ "ياسيدي"..

الدكتور عقيل: (بخنوع) ياسيدي.

(بعد فترة.. يحاول السيد ان يكون لطيفاً)

شوقي: بإمكانك يادكتور ان تخرج من هذه الحالة، بإمكانك أن تتحرر.

الدكتور عقيل: (برجاء) كيف؟

شوقي: أن تستمر في لعب الورق، هناك أمل في أن تهزمني يوماً.

الدكتور عقيل: (محبط) آه.. كأمل إبليس بالجنة. (برجاء) ياسيدي، لقد وضعتني في دوامة، ربطت عنقي بحيط من حرير.

شوقي: كيف.. ربطت عنقك بخيط من حرير؟

الدكتور عقيل: أثناء دراستي في أوروبا شاهدت فيلماً عن خيط الحرير. تركوا شخصاً موثوقاً على كرسي ثم ربطوا عنقه بخيط من حرير مشدود الىالجدار، بحيث إذا حاول مثلاً ان يمد عنقه إلى الأمام أو إلى الجانبين شد الخيط على عنقه، ولكن بما أنه من الحرير فإنه لا يرخي العنق من تلقاء نفسه، شيئاً فشيئاً يختنق الرجل، أي انه يخنق نفسه.

(يعجب السيد بالقصة، يتوجه إلى خادمه الذي يجلس والبندقية في يديه)

شوقي: هل سمعت ياشعبان، الدكتور يجيد سرد القصص الغريبة؟

شعبان: سمعت ياسيدي، فهمت أن الدكتور يختنق عندنا.

شوقي: أنا لا يهمني ماذا يحصل للدكتور، الذي أثار اهتمامي هو الطريقة الذكية في قتل الرجل في الفيلم.