رواية "الصمت والصخب"
الفصول الثلاثة الأولى
كان الطقس شديد الحرارة. لاحظت ان الشرشف تحتي كان مبتلاً تماماً. شعرت بهذا قبل أن أفتح عيني. من شدة الحرارة كنت أتنفس بصعوبة بينما كان العرق يتجمع في نقاط تسيل على رقبتي. رفعت يدي ومسحت المنطقة فوق الشفة حيث اعتدت على وجود العرق إذ يتجمع هناك في نقط صغيرة ودقيقة. استدرت إلى طرفي الأيسر ونظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار فوق النافذة. كان الضوء القادم من النافذة مبهراً إلا أنني استطعت أن أميز عقارب الساعة. كانت الثامنة والنصف بينما الضجة في الشارع توحي وكأن النهار قد انتصف.
خلعت قميصي الداخلي المبتل وأطلقت زفرة. زفرة توحي بأنني أتأفف فقد كان علي أن اشتري مروحة. تأففت من نفسي لأنني طلبت مراراً النقود من أمي وعوضاً عن أن أشتريها كنت آكل بها وأشتري التبغ. فضلت أن ابقى مستلقياً. دلقت قنينة الماء على رأسي وصدري العاري فشعرت بالانتعاش. هذا الأمر تعلمته من لمى. كانت أيضاً تبلل المنشفة بالماء ثم تأتي بها فتمدها على جسدي العاري برهة فأشعر بالبرودة ثم كانت تسحبها بإصبعين من كل جانب فتمر على كامل صدري ثم وسطي حتى قدميّ. كنت أشعر ببرودة منعشة قبل أن يسخن الماء الذي يبلل المنشفة. وكنت أيضاً أنتعش فتستجيب لمى أوكنت أصطنع البلاهة فلا أظهر معرفتي بما كانت تشتهي بلعبة المنشفة هذه فأتركها تستسلم لي بدلال.
إنها الثامنة والنصف وأصوات الخارج تصل إلي بدون تنسيق. كانت الأصوات تأتي على شكل ضجيج بينما مكبر الصوت يرفع صوتاً لعيناً يلقي شعراً حماسياً غير مفهوم ثم يتوقف ليعطي بعض التعليمات. كانت معاني الكلمات تضيع لأن مكبر صوت آخر يضج بأغانٍ حماسية. بينما كان تلاميذ المدارس يرددون كلمة "عاش.. عاش"
لماذا لا أملك ستارة على النافذة تحجب عن عيني ضوء النهار المبهر بل اكتفيت بلصق ورق أبيض على الزجاج؟ أمي أعلنت أكثر من مرة أنها على استعداد لأن تخيط لي واحدة ولكنها طلبت مني أن أقيس أبعاد النافذة. وعدتها بأنني سأحضر شريط قياس، أي متراً ولكنني لم أجد من أستعير منه هذه الأداة التي تسحب الشريط بفعل نابض بعد الانتهاء من القياس. مرة، طلبت مني أمي أن أقيس أبعاد النافذة بخيط طويل ولكنني لم أفعل.
سوف أجر المكتبة يوماً فأسد بها النافذة لأرتاح من الضجيج والضوء.
شقة لمى أكثر سخونة من شقتي لأنها ليس فيها سوى نافذة واحدة تطل على الجهة الجنوبية أما سريرها فأعرض ولا يزقزق مثل سريري. أما الحمام فتقع بجانب المطبخ أي في الطرف الآخر من الشقة التي تحتوي على غرفتين، واحدة للنوم وهي ذات النافذة الوحيدة بينما الأخرى للمعيشة وتقوم مقام موزع واسع إلى غرفة النوم من جهة وإلى المطبخ والحمام من الجهة الأخرى. بينما شقتي فيها ثلاث غرف مستقلة، أنام في واحدة وأعمل في واحدة واستقبل ضيوفي من الأصدقاء في الثالثة. كل الغرف فيها نوافذ حتى المطبخ له باب إلى بلكونة صغيرة. شقتي يغمرها ضوء النهار وتلعب فيها تيارات الهواء ومع ذلك أشعر فيها بالحر وأتعرق بغزارة. أستيقظ وأنا أسبح بعرقي. يغمر الضوء الشقة وكذلك ضوضاء الشارع ومكبرات الصوت فعمارتنا تطل على شارعين فيهما عدة مساجد ومؤسسة عامة ومدرسة. وكلما اشتكيت لأمي من الحر والضجيج تقول لي إن شقتي تقع في منطقة ناطقة. لا أعلم لم تطلق على منطقتنا صفة النطق وأعتقد أنها تقصد أن المنطقة مرغوبة وعليها رِجْل أو انها ملتقى لعدة طرق. منطقتنا ليست ناطقة بل صارخة بسبب الضجيج الهائل الذي يملؤها ويخترقها ويخترق سمعي ويبدد هدوئي. شقة لمى أكثر هدوءاً بل إنها تعتبر ساكنة. بالكاد تسمع فيها أصوات خطوات الساكنين. شارعهم لا تمر فيه السيارات والمآذن بعيدة وسكان العمارة لا ينجبون الأطفال. حتى سريرها لا يزقزق. متعة. أما هنا فعلي أن أغلق النوافذ لأصد الضجيج فأحترق بلهيب الصيف الصحراوي.
تمنيت لو كانت لمى هنا لكنت طلبت منها أن ترطب المنشفة ثم تمسكها بإبهاميها وسبابتيها وتمررها على جسدي العاري. ولكنها ليست هنا بل في فرنها الخاص. عندما أنام في شقتها تحتار كيف ترطب جسدي. تراها تذهب الى الحمام كل فترة فتقف تحت الدوش ثم تعود دون أن تجفف نفسها. تلتصق بي لتنعشني وهي تبكي لأنني أشعر بالحر ولأنني لن أطيق شيئاً وخاصة المداعبة في تلك الحالة الجهنمية ولأنني سوف أرتدي ثيابي قبيل الفجر وأهرب.
نهضت في التاسعة إلا خمس دقائق. عندما نهضت خفت الضوضاء دون سبب مقنع. أعتقد أن الإنسان يشعر بالضجيج بشكل مضاعف وهو في وضع أفقي. لهذا السبب اعتدت على النهوض من الفراش فور استيقاظي. عندما أنهض يزداد اهتمامي بأشياء البيت. أشاهد الفوضى، ثيابي الملقاة على الأرض، على السرير أو على المقعد. أنظر الى نفسي في مرآة خزانة الملابس. أذهب الى الحمام وأغلق الباب على نفسي فيتراجع الضجيج. الحمام هي أقل المناطق ضجيجاً في شقتي لأنها تشبه الصندوق المغلق. عندما يصل الضجيج الى مستواه الأعلى أهرب الى الحمام. في شقة لمى أشتهي سماع صوت تنفس أحد ما. في شقتي لا أسمع صوت تنفسي.
في الحمام أعمل جرداً لما فعلته في اليوم السابق. منذ مدة يصيبني الغم والاستياء من نفسي لأنني لا أفعل شيئاً. اليوم السابق كان مثل الذي قبله ومثل الذي قبل قبله ومثل الذي قبل شهور. لم أعد أعمل شيئاً. لم أعد أكتب ولم أعد اقرأ ولم أعد أفكر. فقدت منذ فترة متعة العمل. لهذا السبب تعكر مزاجي اليوم أيضاً وأنا في الحمام لأنني لم أفعل شيئاً في الأمس. كنت أحرص في الماضي على عمل أي شيء لأكتسب متعة الإنجاز في صباح اليوم التالي. متعة العمل تجر متعة الإنجاز. متعة تخلف متعة وهكذا. سلسلة يحركها فعل العمل. أما وقود هذا الفعل فليس لدي أي فكرة عنه لأنني فقدته في مكان ما وزمن ما ولا أعلم كيف أستعيده. ليست لدي إمكانية لاستعادته. الفعل أصبح من الماضي أما الحاضر فقد تحول الى حالة من الاكتئاب أو الاستياء من النفس تصيبني حالما أدخل الحمام. لو كان بيدي لظللت نائماً موفراً على نفسي جلسة المحاسبة اليومية هذه ولكن الضجيج القادم من الخارج يدفعني إلى الاستيقاظ.
الضجيج. من فعل ضج يضج القبيح. لم أجد في اللغة العربية فعلاً بهذا القبح. أفضّل عليه كلمة الصخب. أكتب هذا وكأنني أبحث عما يجعله حميمياً. سوف أستخدم الكلمتين معاً في قصتي، ثم علي أن أحدد معناه من خلال وصف حلم شاهدته مرةً. كنت في مسرح أرتدي بدلة سوداء وربطة عنق خمرية وكان العازفون قد احتلوا كراسيهم وراحوا يضبطون إيقاع آلاتهم الوترية. لم يكن قائد الاوركسترا قد دخل بعد فارتفعت أصوات ضبط الإيقاع. كل الآلات تصدر أصواتها دفعة واحدة بدون تنسيق أو لحن يجمعها. ضجيج عال وقبيح من آلات موسيقية لن تلبث بأوامر قائد الفرقة ان تصدح بأعذب الألحان. ولكن قائد الفرقة لن يدخل ويستمر الضجيج دون توقف و دون فترات فاصلة. اللحن هو الصوت بينما الضبط هو الضجيج وأحاول سد أذني بيدي حتى يكاد رأسي ينضغط من الجانبين. ظللت الليلة كلها أحلم بالضجيج وعندما استيقظت أخيراً كانت أذناي تؤلمانني ورأسي ثقيل بينما غرفتي غارقة في ضجيج الشارع.
خرجت من الحمام دون أن أحلق ذقني ودخلت المطبخ. شربت كوباً من الحليب البارد وأنا ألعق المربى من المطربان. نظرت إلى العمارة المقابلة لعمارتنا. كانت النساء المحجبات يقفن على بلاكين بيوتهن أو على نوافذها وهن يتطلعن إلى الشارع بصمت. لم تبق امرأة أو طفل إلا وخرجت تنظر بكسل إلى الأسفل. اقتربت من باب البلكون بحذر وفتحته فصدمتني شدة الصخب. كنت ما أزال بسروالي الداخلي فلم أكن قد ارتديت ثيابي بعد. خرجت محتمياً بستارة البلكون وبيدي كوب الحليب الفارغ. نظرت إلى الأسفل جهة الشارعين اللذين يتقاطعان في زاوية عمارتنا فرأيت المشهد العجيب. كان الشارعان ممتلئين بالحشود وهي تتماوج وتتدافع بينما المئات من صور الزعيم تتحرك كأمواج البحر فوق رؤوس الجماهير.
ارتديت ثيابي وخرجت من البيت. أردت الهرب من الحر والضجيج إلى الخارج، ولكن هذا الخارج كان الجحيم نفسه.
عندما وصلت إلى أسفل الدرج انكشف امام عيني المشهد كله، فقد كانت جموع الجماهير تغطي مدخل البناية وكان الصراخ على أشده، إذ كان يتسرب إلى ممر البناية فيتضخم بسبب الفراغ المحصور بين الجدران والسقف. وقفت على الدرجة الأولى مفكراً كيف بإمكاني دفع تلك الكتل المتراصة والمتدافعة والضاجة للخروج إلى الشارع. في الحقيقة فقد تملكني خوف مفاجئ يشبه الخوف الذي يتملك أحد السابحين بعد ان يصبح وجهاً لوجه امام سمكة كبيرة ومتوحشة.
كان في الممر بعض الشبان من حاملي صور الزعيم وقد أشعلوا السكائر وراحوا ينفثون الدخان من أفواه وقحة وقد استندوا إلى الجدران الباردة. كانوا، فيما يبدو، قد هربوا من الجموع رغبة منهم في الاستراحة في الفيء وتبريد بشراتهم. راحوا ينظرون إلي بسخرية فقد كانت وقفتي على الدرجة الأولى مثيرة للسخرية. اضطررت للتقدم وحين أصبحت قريباً منهم اندفع إلى الداخل سيل بشري كان أصحابه قد فقدوا توازنهم بسبب الضغط الهائل من الجمهور في الخارج وسقط البعض على الأرض. هذا الأمر لفت انتباه الشبان فتركوني وشأني فقد راحوا يهزأون من هؤلاء ولم يمض سوى بضع ثوان حتى اندفع رجلان من المنظمين الذين يرتدون الثياب ذات اللون الخاكي ويضعون على سواعدهم إشارات حمراء وراحوا يدفعون الناس إلى خارج البناية. كان الشبان قد استقاموا في وقفتهم مما جعل مهمة المنظمين أكثر سهولة فأمسكوا بهم وراحوا يدفعونهم إلى الخارج.
جرى كل شيء على بعد خطوة واحدة مني. نظر إلي أحد المنظمين بعينين حمراوين وكاد يمسكني ليشدني ومن ثم ليدفعني أمامه ولكنني مددت ذراعيّ أوقفه. لقد حسبني أحد هؤلاء الذين تسربوا من المسيرة. لم يبعد ذراعيه ولم يسحبهما بل وقف وكأنه قد تجمد، حتى أنه لم ينطق بما أراد الاستفسار عنه بل لاحظت تعابير وجهه تسألني فقلت له:
- هنا منزلي.
- هل تسكن هنا؟
- نعم.
- ولماذا لست في المسيرة؟
- أنا لست موظفاً ولست منتسباً الى أية نقابة.. إنني الكاتب فتحي شين.
هذه المعلومة جعلته أكثر عدوانية. قال بشراسة:
- البطاقة. أبرزت له البطاقة فراح يدقق فيها. كان زميله قد انتهى من إخراج جميع من كان في الممر فاقترب منا. أخذ منه البطاقة وراح يقرأ المعلومات عن شخصي بصمت. قال الأول بشراسته نفسها:
- خائن حقير، فقلت شكراً. أعاد إلي الثاني البطاقة وهو ينظر إلي كمن ينظر إلى قذارة ثم استدارا ورحلا، ومن أجل ان يخرجا راحا يدفعان الجموع بفظاظة. بلعت الإهانة ووقفت هادئاً وصامتاً. لاحظت أنني لم أعد أطيق الضجيج المتضخم فاقتربت من الجموع المتراصة والهادرة، وما إن خطوت خطوة واحدة إلى الخارج حتى جذبني الجمهور ثم راح يدفعني بعيداً عن مدخل بنايتي.
بعد مائتي متر أصبح الرصيف أقل ازدحاماً. وقفت على درجة لإحدى الصيدليات ورحت أتفرج على الجمهور. كانت مظلة الصيدلية تحجب الشمس عني ثم أن نسمة لا أعرف من أين تأتي كانت تجفف عرقي فاستطاب لي المقام وجعلت أراقب شخصاً متحمساً بشكلٍ زائد. كان محمولاً على الأكتاف رغم وزنه الثقيل يهتف لما يقرب من مائة وخمسين شخصاً فيصفق هؤلاء ويرددون ما يهتف به. لاحظت وجهه المعرّض لأشعة الشمس الحارقة. كان العرق يغطي وجهه المحمر وكانت عروق رقبته نافرة ومشدودة مثلما كان فمه المفتوح على الآخر. كان يصرخ بالشعارات. لم يكن يلقيها بل كان يصرخ بها بصوت قوي تصدره حنجرة فولاذية مصنوعة لهذا الغرض.
هناك أشخاص ولدوا لينتسبوا إلى الحزب الحاكم الذي يحب تنظيم مسيرات مثل هذه. أشخاص مؤهلاتهم الجسمانية مفصلة ليقودوا الجماهير. هذا واحد منهم. لو كنت أنا الذي يصرخ هكذا لكنت فقدت صوتي بعد ربع ساعة، أما هذا الرفيق والذي أتوقع انه ظل يصرخ منذ بداية المسيرة حتى الآن فإنه ما يزال يمتلك قوة حنجرته وصلابتها رغم الصراخ المستمر. ثم إن رفيقه الذي يحمله على كتفيه طوال الوقت لا بد أنه يمتلك جسداً متيناً قادراً على حمل خمسة وثمانين كيلو غرام لمدة طويلة، ولاحظت أن الرجل المحمول حين كان يهتف ويصرخ فإنه كان يستعين بيديه ليتوازن لأنه كان يتحرك لتخرج الهتافات أقوى ما باستطاعته. هذه الحركة تزيد العبء على الحامل، وإذا أضفنا الحر والجو الخانق، لأن رأس الحامل هو بين فخذي المحمول السمينتين، وإذا أضفنا الضوضاء وصوت التصفيق وأصوات الهتافات المرددة من قبل مائة وخمسين حنجرة فإنني لا أحسد هذا الرجل الذي وبسبب الزعيم يتحمل المشاق أكثر من أي ثور في هذه الدنيا.
من زاوية معينة استطعت مشاهدة وجه الرفيق الحامل، فقد كان الموكب قد توقف وصار رجل الهتافات أمامي مباشرة. أحسست بالخفة وأنا أراقب وجهه القابع بين فخذي المحمول، وأقول أحسست بالخفة لأنني لم أكن أحمل على كتفي ولا حتى عصفور صغير بل كنت واقفاً على درجة الصيدلية أتمتع بالظل وقد شبكت ذراعيّ على صدري. هل أقول إنني دهشت أو استغربت أو تفاجأت؟ فقد كان الرجل الحامل يهتف هو أيضاً. لم يكتف بحمل رفيقه في هذا الجو الخانق بل وجد أن من واجبه أن يهتف هو أيضاً فالزعيم لن يكفيه هتاف مائة وخمسين حنجرة في هذا الرتل بل يجب زيادته بهتاف حنجرة أخرى. كان الشعار موزوناً ولهذا فقد كان المائة والخمسون يصفقون بقوة وهم يقفزون مرددين الشعارات التي كان يطلقها الرجل المحمول. أما من كانوا يحملون صور الزعيم فقد كانوا يلوحون بها ومنهم من كان ينط حسب ايقاع الشعار رافعاً الصورة إلى أقصى ما تستطيع يده.
هناك أمر غريب، ففي بلادي تنظم الشعارات بطريقة الشعر المقفى. وأعتقد ان للحزب مركز دراسات خاصاً به لصياغة وإنتاج الشعارات وفق ضرورات المرحلة. الجماهير، عندنا، تربى على الشعارات الموزونة. في كل فترة هناك شعار يتم ترداده واليوم بالذات وقبل لحظات سمعت شعاراً جديداً تمت صياغته لجعل الناس يحمدون الله لأنه خلقهم في عصر الزعيم. يبدأ الرجل المحمول شعاره كما يلي: "ميم ميم يا زعيم" فيردد الحشد الذي يتبعه: "ميم ميم يا زعيم".. ماذا يقصد بالميم هذه؟ يرددون الجملة بمتعة شديدة ما دامت مقفاة. في بلادي يحب الناس الكلام المقفى والسجع والأشعار الحماسية الموزونة. هاهم، انظروا اليهم كيف يرددون كلاماً لا معنى له سوى أنه يحتوي على قافية. والنتيجة، إذا أراد الحاكم ان تحبه الجماهير عليه ان يؤسس فوراً مركزاً لإنتاج الشعارات الجديدة الخاصة به شرط ان تشبه الشعر فنحن قوم نحب الشعر، حتى أننا نحب ما يشبه الشعر، وربما نكتفي بالسجع بغض النظر عن محتوى الكلام. ألم يقولوا إن عصر الجماهير هو عصر الشعر؟.. والعكس صحيح، فالشعر يتم توجيهه نحو الجماهير بينما النثر الذي أكتبه الآن يتوجه نحو الفرد. لهذا السبب لم تكن شعارات الثورة الفرنسية تصاغ شعراً، رغم وجود "ميرابو"، بل صيغت نثراً عبر كتابات جان جاك روسو. النثر يتوجه إلى العقول والأفراد بينما الشعر يتوجه إلى الجماهير ويوجهها وليس غريباً أن يبدأ انحسار الشعر في الغرب أولاً. الشعر يصنع الحماسة ويذيب الشخصية بينما النثر يصنع العقل والفردانية والشخصية. أخيراً، أريد أن أذكّر، بأن بلادي ما تزال تعيش عصر الجماهير ولذلك فإن الكلام الموزون والشعارات المقفاة هي ضرورة قصوى في حياتنا أما مؤلفاتي وكتاباتي النثرية فهي أوهام شخص خائن وحقير كما نعتني بذلك قبل قليل الرجل باللباس الخاكي.
نعود إلى المائة والخمسين الذين كان يقودهم الحامل والمحمول، فقد تحرك الموكب وراحت تلك الكتلة البشرية الضاجة تتحرك مبتعدة عن مكمني الذي على درج الصيدلية. اقتربت مجموعة كبيرة من تلاميذ المدارس الثانوية الذين كانوا يرتدون بدلات موحدة شبه عسكرية تسمى الخاكي. كانوا أكثر صخباً من المجموعة الأولى وكان يقودهم شخص محمول هو الآخر على كتف أحد المتطوعين، أو ربما كان الحامل مدرباً على ذلك وأنا أميل إلى هذا الاحتمال. كان القائد يطلق الشعارات عبر مكبر صوت يدوي يعمل على البطارية. كانوا يرددون نفس الشعارات ولكن بطريقة أوضح، ومرد ذلك ربما لأنهم من التلاميذ المتعلمين، فقد كانوا يلفظون الشعار بشكل صحيح وكلماته غير مدغومة: "عظيم عظيم يا زعيم".. وأريد هنا أن أصف الصخب إذا كان بالمستطاع فعلاً وصفه، فقد كان مكبر الصوت الذي كان يهتف من خلاله قائد التلاميذ هو الثالث من مجمل مكبرات الصوت التي كانت تصم أذنيّ في تلك اللحظة، فبالإضافة إليه كان هناك مكبران معلقان في الأعلى كنت أسمعهما وأنا في المنزل، أما الآن فأحدهما يبث الأغاني الحماسية والثاني يتحدث من خلاله أحد المذيعين من أصحاب الأصوات الجهورة والحاسمة والتي تزرع الحماسة والحب للزعيم في قلوب الجماهير.
كان الصوت ينادي الجماهير "أيها المواطنون.. أيها المواطنون"، ثم يروح يصف محبة الجماهير للزعيم أو للقائد ومحبة الزعيم لشعبه. كانت الجماهير، حسب رأيه، جزء بسيط من هذا العالم الذي يعشق الزعيم، فهناك أيضاً الشجر والطيور والغيوم والله، حتى الحجر والتراب يخشعان حين تدوسهما أقدام الزعيم. قال المذيع أيضاً إن الزعيم سوف يقود الشعب إلى النصر المبين.
أحب أن أعقد مقارنة بين الخطاب الذي يقدمه المذيع طوال المسيرة من خلال مكبرات الصوت العالية وبين التعليق الرياضي أثناء مباريات كرة القدم المنقولة على التلفزيون، فكلا المعلقين يقولان كلاماً لمجرد الكلام. لمجرد أن يقولا شيئاً إلى الجمهور العريض وجعله متحمساً إلى أقصى درجات الحماسة. التشابه هنا هو في إثارة حماسة الجماهير ولكن الاختلاف بينهما كبير، ففي حين يصف المعلق الرياضي ما يراه على أرض الملعب نجد المذيع في مسيراتنا يصف شيئاً غير موجود ويوهم الجماهير بوجوده. المعلق الرياضي يأخذ بعين الاعتبار وجود فريقين متنافسين بينما في مسيراتنا لا وجود إلا لفريق واحد أوحد. فريق مطلق وعليه يجب إلغاء كل فردانيات الأفراد الذين يشكلون الجمهور وجعلهم عبارة عن نقاط في السيل الهادر الذي يصنعه هذا الجمهور. إن كل فردانية هي خطر محدق بسلطة الزعيم وما تشكيل الجمهور إلا إلغاء لهذه الفردانية، ثم إن تشكيل السيل البشري في المسيرة ليس فقط عبارة عن جمع للنقاط وجعلها تسيل في اتجاه معين، بل إن مهمة المذيع في مكبر الصوت المساعدة على تشكيل السيل النفسي والفكري للجمهور. فعندما يقول إن البشر والحجر والشجر تحب جميعاً الزعيم فهو يخاطب داخل كل نقطة (كل فرد) من الجمهور وجعلها تؤمن، في تلك اللحظة، بما تسمع، بعيداً عن أي منطق وتلغي بالتالي أي تمايز في التفكير وفي الشخصية وفي الهوى بين أفراد السيل البشري هذا وتجعل السيل العاطفي الهادر يتوجه فقط نحو الزعيم.
الصخب الذي تصنعه الهتافات ومكبرات الصوت في مسيراتنا ضروري لإلغاء التفكير. والتفكير نقمة. إنه جريمة، بل خيانة للزعيم. وبما أن الهدوء والسكينة يدفعان المرء للتفكير فإن جر الجماهير كل فترة إلى مسيرات الصخب هذه ضروريٌ لغسل أدمغة الناس وجعلها لا تقع في جريمة التفكير. وإلا، ما معنى كل هذا الضجيج؟ إن محبة الزعيم لا تحتاج إلى تفكير، فهي بديهية كما أن الزعيم لا يطلب منك ان تعدد الأسباب التي تدعوك لمحبته. عليك أن تحبه لذاته لأنه موجود فحسب، وأي تفكير في السبب قد يجعلك –لا سمح الله- تتوقف عن المحبة يوماً، لأنك قد تجد صدفةً أن عينيه ترمشان باستمرار حين يتكلم وأنت، ومنذ الصغر، لا تحب هذه العادة فتقل محبتك له وهذه في الحقيقة خطيئة كبرى.
لقد فاتني ذكر سبب هذه المسيرات رغم أن إخراج الجماهير إلى الشوارع لا يحتاج إلى أية مناسبة، فالذرائع دائماً موجودة، فالزعيم يحب المسيرات ويتم تحديد يوم معين تنزل فيه الناس إلى الشوارع في المدينة المعينة ليتسنى للزعيم متابعتها على التلفزيون. لا يجب أن يتم ذلك في جميع المدن في يوم واحد. فإذا كانت المناسبة، كما هي هذه المرة الذكرى العشرين لوصول الزعيم إلى السلطة، فيجب ان تبدأ المسيرات قبل يوم الذكرى بأسبوع وان تنتهي بعده بأسبوع. على كل مدينة أن تخرج في يوم معين ليتسنى للتلفزيون تصوير المسيرة وعرضها حية ومن ثم أرشفتها. ويقال إن نسخة من المادة المصورة تذهب إلى أرشيف قصر الزعيم ليعود لمشاهدتها في أوقات الفراغ.
إذن، فنحن في موسم احتفالات الذكرى العشرين لاستلام الزعيم السلطة ولا أكثر من ذلك، والمسيرة مستمرة بينما أقف على درجة إحدى الصيدليات التي تحميني مظلتها من أشعة الشمس المحرقة، والضجيج على أشده بينما صور الزعيم ترتفع فوق رؤوس الجماهير.
لاحظت إلى يساري حركة غير عادية، فقد كان ثلاثة من الرفاق من أصحاب البدلات الخاكي يهرعون إلى مدخل إحدى البنايات دافعين الناس الذين يصادفونهم في طريقهم. وما إن دخلوا البناية حتى خرج منها بعض الشبان من تلاميذ المدارس الثانوية بطريقة تشي بأنهم كانوا يهربون. كانوا خائفين واستطاعوا الذوبان في سيل الجمهور بسهولة. وقف البعض يتفرج على ما كان يجري داخل البناية فاقتربت لألقي نظرة، وبسبب توهج الشمس في الخارج كانت الرؤية داخل ممر البناية غير واضحة في البداية ولم أميز سوى صراخ عنيف من قبل شخص يتعرض للضرب المبرح. اقتربت من المدخل لكي تتضح الصورة أكثر. كان الثلاثة ينهالون بقبضاتهم على أحد التلاميذ بينما كان يحاول صد اللكمات لحماية جسده. كان يعرف كم سيكلفه إن قام برد اللكمات لهم دفاعاً عن نفسه. انهار الشاب على الأرض فراحوا يركلونه بأحذيتهم الثقيلة. وفي لحظة، وبعد أن انقشعت الغشاوة عن عيني تماماً، شاهدته ينظر إلي بعينين متألمتين ولكنهما متوسلتان. كيف أصف هذه النظرة؟ كان يطلب مني التدخل لإنقاذه ولكنه لم يكن مقتنعاً بإمكان أي شخص ليس من الرفاق أو من غير العسكر أن يفعل شيئاً. كان قد فقد أحد أسنانه وكان الدم يسيل خارجاً من فمه ليلوث وجهه ورقبته ثم ثيابه والأرض التي كانوا يمرغونه عليها. ظل ينظر إلي بثبات في حين كان يتلقى الركلات على كامل جسده.
أمضيت عشرين سنة وأنا أحاول ألا أتدخل في أمور الرفاق، بل أعمل على تجنبهم ولكن رؤية عيني الشاب المتوسلتين جعلتني أحسم أمري وأغير عادتي. اقتربت منهم وأمسكت بذراع أحد الرفاق فتوقف عن الركل فتوقف الآخران بينما ظل الشاب يتلوى من الألم ويبصق دماً. قلت للذي كنت أمسك ذراعه:
- ماذا فعل الولد؟
- ومن أنت؟
- أريد أن أعرف ماذا فعل.
تركت ذراع الرفيق وكان هذا خطأي في تلك اللحظة، فسرعان ما بدأ الثلاثة يحاولون اكتشاف مكانتي ليعرفوا الطريقة التي عليهم التعامل بها معي. كان علي الاستمرار في امساك الذراع والضغط عليها عوضاً عن إفلاتها. تركوا الشاب يتلوى وأحاطوا بي. من أجل أن أصحح خطأي ثبتّ في مكاني ولم أتراجع. طلب مني أحدهم إبراز بطاقتي فتجاهلته. في بلادي عليك ان تظهر أكبر قدر ممكن من الغموض لتتجاوز مثل هذا الموقف، وإن كنت جريئاً بإمكانك الادعاء بمكانة ما لكي تحصن نفسك. قررت أن أحيط نفسي بشيء من الغموض فمن عادتي ألا أدعي ما لست فيه. قلت:
- أريد تفسيراً مقنعاً لما كان يحدث.
- هل تريد تفسيراً؟
- نعم، قلت، أريد تفسيراً مقنعاً. فقال نفس الرفيق والذي كان قائد الآخرين:
- إنه خائن، فقد حاول الهرب من المسيرة. أليس هذا سبباً مقنعاً؟
- كان بإمكانك محاسبته عوضاً عن ضربه. فتدخل الثالث:
- ومن تكون حضرتك؟ كانوا حتى تلك اللحظة غير قادرين على حل لغزي. كانوا حذرين في التعامل معي. قلت:
- مواطن.
عندها زال ارتباكهم وتبسم أحدهم بسخرية. عادوا إلى مكانهم الطبيعي:
- مواطن؟ سأل الثاني وهو يجهز نفسه للانقضاض علي. قال القائد وهو يمد يده إلي:
- البطاقة.
أخرجت له البطاقة ومددتها إليه. التقطها بسرعة ثم أشار إلى الآخرين ليلحقا به ومشى مبتعداً.
- ماذا جرى؟ سألت، والبطاقة؟ فقال دون ان يستدير:
- تعال إلى المقر لتستردها.
خرجوا. كنت حانقاً بسبب تورطي معهم، ولكن الشاب كان يتلوى وهو ينزف. اقتربت منه وقرفصت إلى جانبه ورحت أعاين وجهه. نظر إلي ولكن بامتنان هذه المرة. حاولت رفعه فقد كان يحتاج إلى إسعاف إلا أن شابين كانا بين المجموعة التي تجمهرت على باب البناية اقتربا فشكراني ثم أخذاه مني وخرجا به. حصلت منه على نظرة امتنان أخرى قبل أن يغيبوا. أحد الصبية نبهني إلى نقطة دم كانت على ياقة قميصي فلم أهتم بها ثم خرجت.
ابتعدت إلى الشوارع الجانبية هرباً من الحشود والضجيج. كانت الدكاكين مغلقة والحركة خفيفة إلا من بعض الذين استطاعوا التسلل من المسيرة، يسيرون وبأيديهم صور الزعيم فقد كان عليهم ان يسلموها في الغد إلى المنظمين. سرت مسافة طويلة بدون هدف واضح فلم أكن قد قررت بعد إلى أين أذهب، إلى بيت أمي أم إلى بيت لمى، آخذاً بعين الاعتبار انني لن أجني اية فائدة إن ذهبت فوراً إلى المقر لاسترداد بطاقتي فالشخص الذي احتفظ بها لن يعود إلى هناك قبل المساء. ثم إنني لم أسأله أي مقر يقصد، مقر الحزب أم مقر المخابرات، فإذا كانت المخابرات، فأي جهاز منها؟ سؤال حاولت عدم إشغال ذهني بالإجابة عليه بسبب رغبتي بالهرب من كل ما يمت بصلة إلى المسيرة وما جرى فيها.
قررت الذهاب إلى أمي فبيتها يقع في نفس الطرف من المدينة أما للذهاب إلى بيت لمى فقد كان علي أن أعود من حيث أتيت وأجتاز الشوارع المليئة بالحشود إلى الطرف الآخر وهذا ما كنت أهرب منه بالفعل.



