Print

رواية خان الحريرالفصل الأول - Page 10

كان أبو نعيم جالساً خلف مكتبه محافظاً على هدوئه بينما جلس أمامه أبو يوسف وهو يمسح عرقه، في حين وقف نعيم يستمع وهو ينظر إلى أبيه بقلق. قال أبو يوسف :

- دعنا نتكلم بصراحة ياأبو نعيم، سعر حريرك عال..السيد كمال يعرض بضاعة مثل بضاعتك بسعر أدنى ليرتين ولوعدة ثلاثة أشهر.

انتفض أبو نعيم. فهذا غير معقول. أكد له أبو يوسف صدق كلامه وحلف له بشرفه أنه لايكذب. فكر أبو نعيم، إذن هكذا، فالسيد كمال يريد أن يدخل وإياه في حرب..حسناً ياسيد كمال. سمع أبو يوسف يؤكد له:

- ليس الأمر غريباً على السيد كمال ، فكل مدة له مثل هذا الفصل..هل أزعجته في شيء ياأبو نعيم..؟ كان قلب أبو نعيم ينتفض في صدره، شعر أنه متضايق..فعندما يغضب أو يحزن تحصل لديه مثل هذه الأمور، ولكن أمور الصحة لم تكن هي همه الأكبر في تلك اللحظة، فهناك سندات اقترب استحقاقها للمرابي ابراهيم اليهودي. فكر في طريقة لإنقاذ مايمكن انقاذه من براثن السيد كمال وقال:

- أسمع ياأبو يوسف ..لايعجبني كثيراً مايفكر به السيد كمال ولكن أنت تعلم جيداً حاجتي للسيولة..أعرض حريري بخمس وثلاثين ليرة والدفع نقداً.

نهض أبو يوسف متحمساً..فهو يحب مثل هذه المغامرات..بربر قليلاً ثم خرج..بعد قليل سمع أبنه نعيم يخبره أن أبو يوسف قد دخل الى محل السيد كمال .

* * *

كانت سعاد جالسة بجانب النافذة تتأمل صورة المرحوم المعلقة على الجدار بينما راحت دمعتان تسيلان ببطئ من عينيها الجميلتين والحمراوين..كان ضجيج الخان يصل إليها عبر النافذة، ولكنها لم تكن تسمع شيئاً، فكل حواسها كانت مع سعيد ، زوجها الذي اختار أن يتركها ويرحل وهما في أسعد أيامهما.

مسحت عينيها بيديها ثم تأوهت ونظرت الى ابنها ناصر الذي كان يلعب الى جانبها..تركته ثم اسندت رأسها الى يدها وراحت تنظر عبر شقوق الأباجور الى باحة الخان .

كان السيد كمال جالساً في مكانه خارج دكانه وحوله كل من الشيخ قدري والشيخ علي والسيد منير والحاج محمد وآخرون..كان مرتاحاً في جلسته ولاحظت سعاد أنه كان يلقي نظرات سريعة الى النافذة المغلقة، أو هكذا تهيأ لها..قال الحاج محمد :

- رأيي أن نرجع أخيراً الى سهراتنا يوم الخميس. ما رأيكم؟ فقال السيد منير:

- أحسنت ياحاج، صار لنا مدة لم نجتمع فيها، اشتقنا لصوت بكري كردي.

فتعهد صاحب البيت الذي كان موجوداً بأن بيته جاهز لاستقبال القوم، ولكن الشيخ قدري اعترض قائلاً إن عليهم انتظار أربعين الأستاذ سعيد، وقد قوبل اقتراح الشيخ بموافقة السيد كمال فترحموا على روح المرحوم وعم الصمت للحظات حتى قال الشيخ علي :

- هل تعرفون آخر الأخبار؟ أخبار أبو عادل الذي عاد إليه الشباب مرة ثانية..؟

ضحكوا وهم ينتظرون الشيخ علي ليقول مالديه من أخبار. قال السيد منير:

- هات ماعندك ياشيخ علي، فأخبار أبو عادل تعيد لنا الشباب نحن أيضاً، فقال الشيخ علي:

- ياسيدي الكريم..أبو عادل طلب يد أرملة الأستاذ سعيد..

نظر السيد كمال الى النافذة فتراجعت سعاد الجالسة خلف الأباجور رغم أنها تعلم أنه لايراها. كان الحاج محمد قد خلع طربوشه وجعل يحك رأسه عندما قال صاحب البيت مستغرباً:

- ولماذا هو مستعجل الى هذا الحد، لم يمر الأربعين بعد؟ فقال أحد التجار:

- يخاف أن يسبقه أحد. فقال الشيخ علي إنه فعلاً مستعجل ولكن طلبه قد جاء في وقته..

نظر إليه الآخرون مستفسرين..وخاصة السيد كمال الذي كان قد احمر وجهه وآثر الصمت كيلا يفضحه صوته. أضاف الشيخ علي:

- الحاج عبد القادر آكل هم ابنته بعد أن عادت إليه..لم يتصور أن أحداً سيطلبها بهذه السرعة. وأنا والله قد سألت الله أن يبعث لها بابن الحلال ويريح قلب أبيها.فقال أحد التجار ممازحاً :

- كان عليك أن تدعو الله ليرسل لك عروساً أنت أيضاً. فأجابه الشيخ علي:

- سأدعو الله من أجلنا جميعاً..

ضحكوا..أما السيد كمال فقد ابتسم ببرود..وكذلك فعل الحاج محمد..كان الشيخ قدري يرنو الى صديقه السيد كمال عندما سأل:

- وبماذا أجابه الحاج عبد القادر ؟

- قال له نحن نتشرف بك ياأبو عادل ، ولكن الوقت غير مناسب لطرح الموضوع، يجب انتظار نهاية القعود في العدة.

عندها ارتاح السيد كمال قليلاً وقال بصوت عال: رحمة الله عليك يااستاذ سعيد.

وماإن رحل زواره حتى ترك السيد كمال المحل بعهدة عبد الله وذهب يزور الحاج عبد القادر، أراد أن يبدي اهتماماً به وبالعائلة وخاصة بابنته الأرملة وابنها، حتى أنه اقترح عليه أن يبيع ذلك (الثقب) كما كان يسمي دكانه ويأتي للعمل عنده لأنه أصبح وحيداً بعد وفاة المرحوم، ثم إن عودة ابنته اليه سيزيد من أعباء الحياة ، إلا أن الحاج عبد القادر رفض بلباقة.

ولكن اعتاد السيد كمال ألا يستسلم ، خاصة وأن أخبار أبو عادل قد فاجأته وأقنعته أن الميدان قد ترك له، كان عليه أن يشدد الحصار على الحاج عبد القادر وأن لايدع واحداً من أمثال أبو عادل يقترب منه أو يفكر في انتزاع سعاد التي ماأصبحت أرملة إلا من أجله هو وحده.

راح السيد كمال يرسل الى بيت الحاج عبد القادر الهدايا، في البداية أرسل ثياباً للصغير ثم راح يرسل اللحوم والخضار وعلب لبن الغنم بحجة أنه مسؤول عن أسرة المرحوم الذي كان يعمل عنده قبل وفاته.

لم تكن سعاد تحب مايقوم به السيد كمال ، فقد كانت تكرهه في داخلها، حتى أنها قالت صراحة أن زوجها المرحوم لم يكن أبداً على وفاق معه لأن السيد كمال لايعرف سوى مصلحته وأنه في سبيل ذلك يتحول الى ذئب ينهش كل من يقف أمامه. كان سعيد، وفي كثير من الأيام، يعود الى البيت وهو يكاد يطق من أقوال وأفعال السيد كمال، وربما هو الذي سبب له السكتة القلبية. كان أحمد أخوها من رأيها أيضاً، إلا أن تبريره كان مختلفاً، فهو يعتبره رجعياً مغرق في رجعيته، وهو من جماعة حلف بغداد سيء الذكر، حسب قوله. فصاحت الأم:

- ماذا..وهل سنتزوجه..؟ إنه ببساطة يعبر عن حزنه وحبه للمرحوم ولإبنه..

فقالت سعاد:

- أنا لاأريد أن تقبلوا منه أي شيء بحجة أنه يساعدنا لأن الأسرة أصبحت كبيرة بعد عودتي..وإذا كان علي فأنا مستعدة للعودة الى بيت عمة سعيد للعيش هناك..

حينذاك صمت الجميع..فهذا تهديد جدي، فقد تكون سعاد قد عانت هي وزوجها من السيد كمال ، ولكن مالنا وله..؟ هو في حاله ونحن في حالنا. هكذا قال الأب ثم أضاف:

- وإذا كنتم خائفين أنني قد أبيع دكاني الصغيرة وأذهب إليه لأعمل عنده، فأنتم مخطئون..فأنا في هذا العمر يصعب علي أن أصير أجيراً عند أحد.

قال أحمد: برافو يابابا..وارتاحت سعاد لقول والدها فابتسمت.

* * *