Print

رواية خان الحريرالفصل الأول - Page 8

كان الدلال أبو يوسف يسير مسرعاً وهو يتأبط حقيبته. كان يشغله شيء واحد وهو ماذا عليه أن يفعل ليجعل السيد كمال يبيع أو يشتري أي شيء بواسطته، فصفقات السيد كمال تدر رسوم وساطة لابأس بها. نظر الى الساحر الذي وقف على كرسي من القش وراح يمتع المتفرجين بألاعيبه، كان يضع طابة كرة الطاولة البيضاء في فمه ليخرجها من أذنه، ثم وضعها في عينه ليخرجها من جيب أحد المتفرجين..صفقوا له وضحكوا..كان الناس ينظرون مبهورين الى ألعابه السحرية..وقف أبو يوسف ليتفرج..فهو أيضاً يحب ألعاب الخفة والسحر منذ أن كان صغيراً. كان يحرص على الفرجة على ألعاب ذلك الساحر الذي هو والد هذا الساحر. وقد مر وقت طويل ومايزال يندهش لهذه الحركات التي ربما حفظها عن ظهر قلبه..

أخرج الساحر شريطاً من شفرات الحلاقة من فمه فسمعت أصوات الاستحسان من الجمهور، عندها وضع عدته في القفة وأخراج قوارير صغيرة وراح يعرضها للجمهور ويصيح:

- أبو فاس أبو فاس..لوجع الأسنان، لوجع الراس، لوجع الأضراس، للروماتزم ، لكل الأجناس..أبو فاس أبو فاس.

عندها ابتعد أبو يوسف، فقد انشغل من جديد بالسيد كمال والبضاعة الجديدة التي يفكر بعرضها عليه. وقبل أن ينعطف ليدخل خان الحرير، كان هناك تجمع آخر أمام أحد المحلات..أقترب وراح يتفرج. كان هناك شرطي يكتب ورجل يحمل مطرقة يعرض أشياء المحل للبيع بالمزاد العلني.

طرق الرجل بالمطرقة وثبت البيع، فقد استطاع أن يحصل على ثلاث عشرة ليرة ثمناً لكرسي بينما كان صاحب الدكان المفلس يمسح دموعه بمنديل. ابتعد أبو يوسف بينما كانت أصوات المزاد تلاحقه:

- أبريق ماء بثلاث ليرات..من قال أربعة.

دخل الى محل السيد كمال وألقى السلام ثم جلس. قال وهو يخرج لفة من خيوط الغزل:

- عندي لك غزل ممتاز ياسيد كمال.

- ليس لي به مصلحة.

- إذن قدم لنا عرضاً..أنت سيدنا ياسيد كمال، السوق ممتاز.

فسارعه السيد كمال بالسؤال :

- ماهي أخبار حرير أبو نعيم؟

- أبو نعيم مضطر للبيع نقداً، إنه يعرض حريره على المتعيشين وأصحاب الأنوال، تنقصه السيولة النقدية.

- ماهو سعره؟

- أربعون ليرة سورية.

- عندي حرير للبيع. عشرون طناً بثمانية وثلاثين، تريد شغل، هذا شغل. تفضل اعرضه على التجار بالوعدة لثلاثة أشهر.

احتضن أبو يوسف حقيبته وهو غير مصدق، فمنذ يومين كان السيد كمال سيدفع أربعين..ماذا حدث؟ قال له:

- ولكن السوق أعلى من ذلك وأنت سيد العارفين.

- أنا والحمد لله ربحان ومبسوط..قانع بالربح القليل.

- أنت سيد السوق ياسيد كمال، كما تحب. أريد مسطرة.

- نفس الحرير الذي معك مسطرته.

- والتسليم؟

- بعد اسبوعين، شف أصحاب الأنوال والتجار الصغار، لن أبيع أكثر من طنين للشخص الواحد. ولاتذكر أسمي في الوقت الحاضر..

- أمرك سيد كمال..أنت تاج راسنا. السلام عليكم.

- مع السلامة.

كان عبد الله يقترب حاملاً صينية الشاي، إلا أن أبو يوسف لم يأبه له، فأمامه عمل كثير قبل أن يحل المساء.

* * *