Print

رواية خان الحريرالفصل الأول - Page 6

لم يكن السيد كمال يحب أبو نعيم، ذلك التاجر الكبير الذي يحتل واحداً من أهم المحلات في خان الحرير. فالرجلان يختلفان في كل شيء، في الملبس وفي السياسة ايضاً. فمن يشاهد أبو نعيم يحسبه رجلاً قادماً من احدى الجامعات ووجد خطأ في الخان، الذي اعتاد تجاره ارتداء القنابيز والساكويات والطرابيش وغيرها، بينما كان أبو نعيم من هواة ارتداء البدلات المخاطة على الطريقة الإفرنجية والقمصان البيض وربطات العنق، حتى أنه وضع يوماً على رأسه شابوه أوروبي ولكن سرعان ما استغنى عنه بسبب نظرات التجار وابتساماتهم. كان أبو نعيم رجلاً عصرياً بكل معنى الكلمة ويعامل التجار الآخرين بطريقة لبقة، لاتهمه سهرات البيوت ولايكترث للولائم التي كان بعض التجار يقيمونها دورياً ثم يتندرون بها على مدى أيام وأسابيع. قلما شوهد بدون جريدة أو مجلة يقرأها..أما ولداه التوأمان نعيم ومقيم فقد رباهما على طريقته العصرية تلك حتى أصبحا نسختين طبق الأصل عنه.

كان يمكن التغاضي عن تلك الاختلافات لو كانت اقتصرت على الملابس أو قبعات الرأس أوربطات العنق، أما أن تكون في السياسة وبهذا الشكل فهذا أمر لايمكن السكوت عنه..فأبو نعيم، وعن غير عادة تجار المدينة الأفاضل، من أتباع ذلك السياسي الدمشقي خالد العظم، والسيد كمال مستغرب كيف يمكن أن يبتعد أبو نعيم عن حزب الشعب ليلتحق بأذيال خالد العظم ذاك..وفي عدة مرات تناقش الأثنان حول سياسة الحكومة وحول مستقبل البلد والوحدة مع العراق التي يفضلها حزب الشعب، فاختلفا بقوة..كان أبو نعيم مع محور سورية مصر السعودية، ويتحدث ضد بدهيات ومسلمات لايجرؤ أحد في البلد على الشك فيها..كانا عدوين سياسيين وخصمين عنيدين.

وفي أحد الأيام شعر أبو نعيم بضائقة مالية بسبب كساد صنف معين كان وضع كل ثقله فيه، فقرر شراء عشرين طناً من الحرير الطبيعي بالدين وعرضه للبيع نقداً مفضلاً أن تصيبه خسارة محدودة لكي يفي بالتزاماته تجاه السوق، فالسمعة الحسنة لاتقدر بثمن.

عاد الدلال أبو يوسف الى السيد كمال ليكمل العمل في صفقة حرير أبو نعيم بعد أن حصل على كل المعلومات والشروط التي يريدها لاتمام الصفقة. قدم للسيد كمال مسطرة من الحرير ثم أخبره بالسعر الذي يريده البائع، وهو أربعين ليرة للكيلو الواحد نقداً. استغرب السيد كمال قضية البيع نقداً، ثم شعر أنه قد أهين عندما عرف من الدلال أبو يوسف أن ابو نعيم على علم بأنه هو المشتري..كيف يمكن لأحد أن يطالبه بالدفع مقدّماً، هل هو شك في أمانته؟ ولكن أبو يوسف حاول شرح الأمر للسيد كمال، فالأمر لايعدو عن أن يكون حلاً للسيولة وهذا معروف جيداً في السوق، وأبو نعيم مضطر، ولكن السيد كمال لم يكن في وارد تفهم الموضوع، خاصة لأن أبو نعيم خصم سياسي، لذا فقد طلب من أبو يوسف أن يعود للتكلم مع أبو نعيم لتتم الصفقة بالوعدة.

تأبط الدلال أبو يوسف حقيبته المنتفخة بمساطر الخيوط وخرج من محل السيد كمال ليدخل مباشرة في محل أبو نعيم. سلم وجلس وهو يحتضن حقيبته كأنه يخاف عليها..فهي مستودعه المتجول.

قال لأبو نعيم وهو يراقب الشبه الكبير بين ولديه التوأمين نعيم ومقيم:

- ياأبو نعيم الله يخلي لك هذه الزهرات، النقدي ضعيف هذين اليومين والسيولة ضعيفة في السوق، بع بالوعدة..

- ليست لي مصلحة في ذلك..لقد أخبرتك أنني في حاجة الى سيولة لدفع سندات مستحقة. ولو كنت مرتاحاً لما عرضت الحرير بأربعين ليرة وسعره خمس واربعين وأنت أعرف مني بذلك..

فقال أبو يوسف وهو يتزلف لعل وعسى ينجح في اتمام الصفقة:

- حبيبي أبو نعيم..أنت معلمنا وسيدنا..السيولة في السوق قليلة..بل قل معدومة، هناك كساد. بع بالوعدة.

فقال أبو نعيم ينهي الحديث:

- مستحيل، إما نقداً وإما أن الحرير ليس للبيع.

نقّل أبو يوسف عينيه بين الولدين..حاول أن يعرف الفرق بينهما دون جدوى ثم نهض متأبطاً حقيبته وخرج.

* * *

عندما خرج أبو يوسف من محل أبو نعيم وهو يخب حاملاً حقيبته، كان يود التوجه الى السيد كمال للتحدث معه حول صفقة الحرير، ولكنه آثر تأجيل الموضوع الى وقت آخر بعد أن رأى السيد كمال جالساً خارج محله وهو يدخن الأركيلة برفقة صديقيه الشيخ قدري والسيد منير. ألقى عليهم السلام ونظر في عيني السيد كمال فلم يجد فيهما مايشجعه على تبديل قراره فاستمر مبتعداً .

كان السيد كمال وصديقاه يتحادثون حول الوضع السياسي بعد قيام ذلك المغامر (حسب رأي السيد كمال طبعاً) بتأميم قناة السويس. قال وهو ينقر يده بمبسم الأركيلة:

- تأميم القناة هو الكيد الذي سيرتد الى نحره. فقال السيد منير يؤكد رأي السيد كمال :

- معلوم..لأن الأنكليز لن يسكتوا على هذه الضربة التي أتتهم من الخلف .

فسأل الشيخ قدري:

- وماذا يعني ضربة من الخلف؟ فأجابه السيد منير بأن عبد الناصر قد وقع معهم معاهدة في العام الماضي فسحبوا قواتهم من القناة، بعد أن صدقوا وعود عبد الناصر بأنه سيحرس لهم مصالحهم. عندها أكد السيد كمال بأن كل الحق على سورية. استغرب الرجلان هذا القول منه ، فماعلاقة سورية في الموضوع؟ فقال :

- حكومة الحزب الوطني تسير معه، ويمكن أن يكونوا قد شجعوه بصريح العبارة، ألم تروا كيف امتدح سورية في خطابه؟

هز الرجلان رأسيهما، فهذا استنتاج صحيح مئة بالمئة..لعنة الله على الحزب الوطني وعلى التجمع القومي الذي يقوده ذلك الدمشقي من أصول تركية خالد العظم..إنهم مجموعة من الحمر لن يلبثوا أن يدمروا البلد..مصلحة البلد في مكان آخر..هنا قريباً من حدودنا الشرقية وليس في مصر أو في بلاد المسكوب. سأل الشيخ قدري:

- وكيف هو رأي أبو نعيم؟ فقال السيد كمال :

- أبو نعيم مبسوط..لأنه من جماعة الحكومة. الزمن زمنه.

كاد الكلام يتناول أموراً أكثر حساسية لولا أن انتفض الشيخ قدري، فموعد آذان الظهر قد اقترب. قال:

- الله يختار الخير..سلام عليكم..حان وقت صلاة الظهر.

عندها نهض السيد منير ليرافق الشيخ..رد السيد كمال السلام ثم عاد الى أركيلته، وبينما كان يسحب نفساً طويلاً رفع نظره الى النافذة. كانت النافذة تنفرج عن سعاد وهي تمسك شرشفاً تريد نفضه. أشرق وجه السيد كمال، والتمعت عيناه. هاهي أجمل مخلوقة على وجه الأرض. ها هي من بإمكانها جعله أسعد رجل في الدنيا..وعندما التقت عيناهما تجمدت يدها الممسكة بالشرشف ثم اختفت كلمح البصر. لاحظ أنه كان يبتسم لها.

في المسجد تحادث الشيخ قدري والسيد منير عن صديقهما العزيز السيد كمال، بعد أن فرغا من الصلاة. قال الشيخ قدري:

- أنا حزين على السيد كمال . فسأله السيد منير وهو يسبح بمسبحته:

- خير إن شاء الله ياشيخي؟

- بدأ يقلق في داخل نفسه، الله سبحانه وتعالى لم يرزقه صبياً يفرح قلبه ويرثه بعد عمر طويل. أنت تعلم أن ابنته عادية ولم ينطلق نصيبها حتى الآن..والحفيد كالولد..ولكن حظها قليل.

- أسفي على شباب هذه الأيام.

- نعم سيدي..شباب اليوم يريدون الجميلات، لايهمهم العقل. فقال السيد منير مؤكداً كلام الشيخ:

- الجمال جمال العقل والنفس ياشيخي.

صمتا وهما يداعبان مسبحتيهما..مر وقت قبل أن يقول الشيخ ملمحاً:

- وكيف هي أحوال ابنك محسن؟

قال له لابأس ثم وجد نفسه يقول:

- فكرت كثيراً ياشيخي بأن آخذ ذكية لمحسن..لم أفاتحه بالأمر ولكنه يسمع الكلام..

فقال الشيخ وهو يهم بالنهوض:

- شد حيلك ياأبو محسن..أنت والسيد كمال أصدقاء ولن تندم إذا أخذت ذكية لابنك.

* * *