Print

رواية خان الحريرالفصل الأول - Page 5

أما في سوق النسوان فالأمر يختلف كثيراً عنه في أسواق المدينة الأخرى، فحيثما وجدت المرأة كانت الحياة أكثر بهجة وتلوناً..هنا لا وجود للوجوه الحزينة والملولة، لاوجود للسحنات المتعجرفة أو المتعبة والخائفة من تقلبات السوق. بضائع سوق النسوان ذات ألوان أكثر إشراقاً، فكل البضائع المعروضة في دكاكينه خاصة بالعرائس، حتى أن من يدخل هذا السوق يحسب نفسه في عرس حقيقي. فيه الأنوار تسطع بقوة، وأغاني أم كلثوم وعبد الوهاب وليلى مراد تطغى على كل ضجيج يمكن أن تصادفه في الأسواق الأخرى. حتى الباعة يتصفون بالظرف واللباقة، ومنهم بالطبع أبو عادل الذي راح يدعي منذ مدة أن الشباب قد عاد إليه من جديد، رغم أنه لم يبارحه على الإطلاق.

ما كان أبو عادل يترك أية امرأة تمر في السوق إلا ويتابعها بعينيه النهمتين وهو يفتل شاربيه، حتى أن كثيرات منهن اعتدن التوجه الى دكانه بسبب جمال وجهه وظرافة لسانه، كان يمزح مع زبوناته، ويحاول التغزل مع الجميلات منهن. وعندما تمر إحداهن ولاتتوقف عنده، يمسح على شاربيه وينادي جاره عبد السلام يريد إسماعها إطراءه:

- الليلة القمر بدر ياحسون. وعندما تبتسم المرأة، يجيبه عبد السلام من دكانه أن الرسالة قد وصلت.

مشكلة أبو عادل أن زوجته قد ولدت له جيشاً من الأطفال، بل بالأحرى أنها قرفت الزواج وسيرته بسبب ذلك، فقد ولدت تسعة والعاشر مايزال في بطنها..أكبرهم هو عادل الطالب في الثانوية وزميل أحمد في المدرسة، ولكنه يختلف عنه بتدينه الشديد وبمواقفه السياسية ايضاً. أصبحت أم عادل ترتجف كلما اقترب منها زوجها، فهي تعلم جيداً أن نتيجة ذلك سيكون ولداً آخر..لذا فقد ابتدأ أبو عادل يتحدث منذ مدة عن رغبته في الزواج من أخرى، فرجولته لاحدود لها، وهو يقول إن زوجته لاتمانع في ذلك، لأنها ستتخلص منه ومن رغباته الليلية بالتأكيد، ولهذا السبب ما كان يترك زبونة من زبونات سوق النسوان الصبايا إلا ويتمعن فيها..فقد عاد من جديد الى الشباب وأصبح يبحث لنفسه عن زوجة جديدة. وماإن ترملت ابنة الحاج عبد القادر المشهورة بجمالها الأسطوري حتى هجره النوم وراح يحسب ويخطط ويتحين الفرصة لمقابلة أبيها، فقد وجد ضالته أخيراً، فهي اجمل إمرأة سمع بها الرجال في كل المدينة.

وفي أحد الأيام، وبعد أن فقد قدرته على الصبر، ورغم أنه لم يمر سوى أيام معدودة على وفاة المرحوم، طلب أبو عادل من جاره الانتباه الى دكانه وذهب لمقابلة الحاج عبد القادر.

أما الحاج عبد القادر فهو على قد الحال، فهو لايزيد عن بائع لليف الحمام والأكياس الخاصة بالتفريك، وهو لهذا السبب لايحتاج إلا الى دكان متر بمتر في سوق السقطية المزدحم والذي لايبعد كثيراً عن خان الحرير.

في ذلك اليوم كان الحاج عبد القادر غاطساً في دكانه الضيقة يدخن وهو يراقب المارة مفكراً في أموره وأمور أهل بيته (فقد عادت إليه ابنته)، ولم يلحظ كيف أصبح أبو عادل أمام الدكان وقد غطى عليه المشهد كله.

نهض وسلم عليه ودعاه للجلوس إلا أن أبو عادل ظل واقفاً. فقد أراد الدخول في الموضوع الذي جاء من أجله مباشرة ولكنه لم يكن يعرف السبيل الى ذلك. راح يشرح وضعه وكيف أن الله قد رزقه وأن شغله عال العال، وأنه قد ابتلي بزوجة حبّالة ولاّدة لاتهدأ ولاتستكين، فجاءت له بجيش من الأطفال، وأصبحت هي كالبرميل..كل ذلك والحاج عبد القادر لايعرف علاقته هو بالموضوع، وعندما سأله عن علاقته بالقصة، استمر في الكلام فقال له إنه مايزال بصحته وإنه بالعكس، لم يتمتع بالشباب كما هو عليه الآن وإنه جاء إليه يطلب القرب منه.

جلس الحاج عبد القادر من المفاجأة ثم أشعل سيكارة ثانية رغم أن الأولى لم تكن قد احترقت بعد. وعندما أراد فتح فمه لينطق لم يتركه أبو عادل:

- إنني أعرف أن الوقت غير مناسب لطرح الموضوع ولكن أرجوك ياحاج أن تعذرني، وكل ماأريده هو أن تعرف رغبتي بالقرب منكم، وأنني سأقوم بشراء بيت وتجهيزه ولكنني راغب في استشارتك في هذا الأمر، وفي كل صغيرة وكبيرة فيما يتعلق بالبيت ومكانه وسعته ونوعية فرشه..اترك الأمر بيننا، وخذ الوقت اللازم للتفكير. كل الوقت اللازم ياحاج عبد القادر..فأنا غير مستعجل..والآن، السلام عليكم.

كانت مفاجأة كبيرة للحاج عبد القادر، فنسي أن يرد عليه السلام..لم يفعل شيئاً سوى مد جذعه خارج دكانه ليتابع أبو عادل الذي اختلط بين المارة وغاب..كفص ملح وذاب.

وفي المساء وجد فرصة سانحة. فقد كانت سعاد في غرفتها تحاول تنويم ابنها. جلس على الكنبة الى جانب زوجته ثم همس أن أبو عادل قد مر عليه اليوم في الدكان. سألته أم سعاد عن السبب، كانت تحسب أنه قد أتى الى زوجها ليحكي له، كعادته، عن زوجته التي هرمت سريعاً وعن شبابه الذي عاد اليه من جديد. قال:

- يفكر بالزواج مرة ثانية. فقالت أم سعاد متعاطفة مع أم عادل:

- قال شفت العجب في الطرق..أسمر وعينو زرق.

- احزري بمن يفكر؟

- بمن؟ اقترب منها أكثر ثم همس:

- بابنتنا سعاد..

- سعاد؟؟

هز رأسه وهو يبتسم ابتسامة المرتاح بعد عناء كبير..كان همه عظيماً بعد أن عادت سعاد اليه، فهي جميلة وأرملة، وهذه مشكلة كبيرة له ولأمها..أضاف وهو ينفث الدخان من فمه:

- قال إنه سيشتري لها بيتاً ويفرشه أحسن فرش..قال إنه يريد أن يستشيرني في هذه الأمور.

- وبماذا أجبته؟

- قلت له نتشرف به ولكن الوقت غير مناسب لطرح الموضوع.

أعجبها جواب زوجها..كانت متحمسة للموضوع، ولكن شيئاً خطر في بالها جعلها تصفق يداً بيد:

- ياترى هل ستوافق سعاد..؟ سنطلب منه أن يكتب البيت بإسمها..ولي عليكي ياأمينة، ستصبحين ضرة ابنتي..

- كل هذا الكلام سابق لأوانه. يجب أن ننساه مؤقتاً..الوقت غير مناسب بتاتاً..إياكي أن تفتحي الموضوع مع أي كان..

- اطمئن.

* * *