Print

رواية خان الحريرالفصل الأول - Page 4

. كان قلب أمها ينفرط عليها، وعلى أبنها ناصر الدين الذي كان يبكي لبكاء أمه. لم يكن يرضى الإبتعاد عنها خوفاً من تذهب هي الأخرى.

 

حاولت أم سعاد أن تهدئ ابنتها المثلومة:

- ستموتين نفسك. هذه إرادة الله.

فأجابتها سعاد من بين موعها:

- أوه ياأمي..لو كنت أنا ولا هو.

- بعيد الشر.

مسحت سعاد دموعها وقد ازداد جمالها بازدياد بكائها وقالت:

- سعيد مات..؟؟ مستحيل، فأنا غير مصدقة. هل هذا معقول يا أمي..؟ طوال عمره لم يشتك من شيء، لماذا يموت، لماذا..؟

لم تجد الأم شيئاً لتقوله سوى أن ذلك كان إرادة الله..ثم سكتت لتترك ابنتها تذرف الدموع على حبيبها كما يحلو لها لعلها في النهاية تهدأ وترتاح.

* * *

كان أجمل وقت عند السيد كمال هو عندما يجلس تحت سقيفة محله في الخان ويدخن الأركيلة ويتبادل الأحاديث مع أصدقائه وزواره. أما بعد أن ترملت سعاد فقد أصبح الجلوس هناك أجمل ومدعاة للأمل بأنها ربما فتحت النافذة المغلقة وأطلت بوجهها الصبوح ليتمعن في أجمل ماخلق الله..فهو مايزال حتى الان يذكرها حينما كانت صغيرة، حين كانت تطل من نافذتها لتتأمل الدنيا من مكانها وتدعه يتأمل حسنها وماأبدعه الله في وجهها. أما عندما ذهب ليطلبها من أبيها للأستاذ سعيد، بصحبة الشيخ قدري والسيد منير والشيخ علي، فقد دخلت عليهم لتقدم لهم القهوة، فلم يقو إلا أن يطرق في الأرض ويلعن حظه.

جلس يدخن الأركيلة ويشرب الشاي بصحبة الشيخ قدري، صديقه القديم، وإمام المسجد الصغير القريب من الخان. كانا يتحادثان بود بينما كان يلقي نظرات سريعة الى النافذة المغلقة ويطلق في بعض الأحايين تنهدات لم يسمح لأحد أن يعرف معناها حتى ولو كان صديقه الأقرب الشيخ قدري.

قال الشيخ قدري يشكره لأنه تحمل مصاريف الجنازة والعزاء:

- بارك الله فيك ياسيد كمال، لك الثواب عند الله تعالى، الحاج عبد القادر على قدر الحال وليس لديه مايتحمل به المصاريف.

- أتمنى أن يكون الشيخ علي قد شبع من اللحم بعجين؟

- خرج مثل المرأة الحبلى..أما الآن فهو يدعو لك بطول العمر، وأنت اعلم، الدعاء على قد الشبع.

ضحكا ثم تنهد السيد كمال وقال وكأنه يبث ألمه الى صديقه الشيخ:

- الدنيا فيها موت وحياة ياشيخي، بدأت أقلق، لم يرزقني الله ولداً يحمل إسمي ويستلم من بعدي، ليس عندي سوى ابنتي ذكية، وأنت تعلم جيداً مشكلتها..حتى الآن لم يتقدم لها أحد، والصهر كما تعلم ليس مثل الأبن، وقد يأتي على طمع.

- المال والبنون زينة الحياة الدنيا، فتابع السيد كمال قائلاً:

- مطيعة زوجتي حبلها قليل، أنا الذي كنت أتمنى أن أرزق بدزينة من الأولاد، كأن غضب الله قد حلّ علي.

- لا ياشيخ كمال لا..ليس هكذا..

- كل الذي أطلبه من الله عز وجل صبياً أفرح به في حياتي ويرثني بعد مماتي.

حملق الشيخ قدري في وجهه الحزين وأخبره أن الوقت لم يفت بعد..ولكن كيف لم يفت..؟ بل قل فات الوقت ياشيخ قدري..عندها نطق الشيخ بما كان السيد كمال ينتظره منه، قال له إن عليه أن يتزوج من جديد مادام الهدف هو الخلفة الحسنة. قال السيد كمال:

- ماذا سيقول الناس عني..؟ ابنتي قاعدة في البيت وزوجتي التي وقفت الى جانبي وأعطتني كل شيء.. أنسى الآن جميلها وأتزوج عليها؟..لاياشيخي لا..أنا لست ممن يتحملون مثل هذه الأقاويل..

أخذ الشيخ قدري على عاتقه إقناعه بالزواج. أخبره أنه يجب عليه ألا يخجل، فهو يطلب شيئاً هو في الأساس من حقه وهو الخلفة، والبنين تحديداً، وقال له إن زوجته لم تستطع أن تؤمن ذلك لقصور فيها ثم أضاف:

- وهل الحاج محمد أفضل منك، إنه الآن يشرع في البحث عن زوجة أخرى نكاية بزوجته أم محمود، والا أبو عادل الذي رجع له الشباب كما يقول، وإن زوجته قد هرمت سريعاً..؟

ضحك السيد كمال طويلاً وهو ينظر الى النافذة المغلقة، ثم اختلط ضحكهما بصوت أبو حسن وهو ينادي:

- خروف..خروف.

أما في البيت فقد أصبح السيد كمال كثير التبرم، لايعجبه العجب، وحينما كان يبحث ذات مساء في الراديو بين الإذاعات صادف صوت عبد الناصر وهو يخطب، ذلك اللعين كم يكرهه ويكره كل من يحبه، أمثال جاره أبو نعيم الذي لايترك مناسبة تمضي دون أن يمتدحه. كانت زوجته الست مطيعة جالسة مع ابنتها ذكية وهما تخيطان. هذا العمل النسائي الذي لاينتهي أبداً..كانت ذكية تحكي لأمها عن أحداث حفلة خطوبة سمعت عنها في أحد الاستقبالات النسائية..كان والد العروس يصر على مهر خمسة بخمسة، ولكن ابا العريس كان يجادل لعله ينزل المهر ولو قليلاً..وكلما كان أبو العريس يقترح مبلغاً ما كان أبو العروس يدخل الى احدى الغرف ليستشير زوجته..ظل يفعل ذلك حتى فقد أبو العريس أعصابه فقلب الطاولة التي كانوا جالسين إليها بصحبة الشيخ وحلف يميناً بالحرام أنه لم يعد يريد هذه الجازة..

كان عبد الناصر يعلن قرار تأميم قناة السويس عندما غرقت الأم وابنتها في نوبة طويلة من الضحك، عندها أطفأ السيد كمال الراديو بعصبية ونهض وهو غاضب ودخل غرفته وصفق الباب وسط دهشة المرأتين. لم يكن غاضباً مما سمعه من الراديو، بل من حظه التعس في هذه الدنيا.

كانت الست مطيعة تشعر بمزاج زوجها الذي تغير في الآونة الأخيرة..همست لابنتها بأن أباها قد تغير، وأنها خائفة من شيء لاتعرف ماهو. هدأت ذكية أمها ثم شرعتا تخيطان من جديد بصمت.

* * *

للسنة الثالثة على التوالي، تقدم أحمد الأخ الأصغر لسعاد ، لامتحانات البكالورية، دون أن يكون أحد ما متأكداً من نجاحه، فقد ترك فيه صهره المرحوم حب السياسة، وبالتحديد حب جمال عبد الناصر. كان اهتمامه الكبير منصباً على الخوض في الأحاديث والصراعات السياسية. وكان التواجد في المدرسة يعني له كسب الأنصار لآرائه السياسية أو الصراع مع خصومه. وعندما تلا عبد الناصر قرار تأميم القناة في خطابه المشهور في مدينة الإسكندرية، لم يسمعه أحمد، لأن إشعال المذياع كان ممنوعاً في البيت بسبب الحزن على الصهر الراحل. لم يسمع بالبيان إلا في اليوم التالي من صديقيه رياض وحسان اللذين تسابقا في سرد كل كلماته لأحمد وكأنهما قد حفظاه عن ظهر قلب..

وعندما كان أحمد ينقل كتبه وأشياءه الخاصة من غرفته تاركاً إياها لأخته لتحتلها من جديد مع ابنها ناصر، كان يتحرق شوقاً لتشغيل الراديو والاستماع الى ماخلفه قرار التأمين، إلا أن أمه منعته هامسة أنهم في حزن وأن تشغيل الراديو يعني إساءة كبيرة لروح المرحوم. ولكن هذا لم يمنع الأب من أن يتمنى على ابنه صراحة أن يهديه أخيراً نجاحاً في الثانوية العامة، وكان يردد على مسامعه باستمرار أن عليه أن يهتم بدروسه بقدر اهتمامه بالسياسة..ولكن أحمد، المتحمس أبداً، كان يصرح بأن لا فائدة للدراسة مادام الوطن في خطر.

كانت سعاد المجروحة بسبب وفاة زوجها الحبيب، تتابع هذه الأحاديث وهي تبتسم ابتسامتها الصغيرة تلك التي لاتشي إلا بمقدار ألمها الكبير على زوجها الذي اختطفه منها الموت..فهي تحب أخاها أحمد، الذي اختصر الحياة وهمومها بقليل من الشعارات والتمنيات التي هي أبسط بكثير مما واجهته وهي في عز الشباب.

 

بعد عدة أيام ذهبت أم سعاد برفقة ابنها أحمد الى بيت عمة المرحوم، حيث كان يعيش مع زوجته وابنه، وأحضرا كل مايمكن حمله من أشياء تخص سعاد وابنها وزوجها..حتى أن أحمد حرص على حمل الكثير من الكتب وأشياء لالزوم لها مثل منفضة سكائر ومصباح مكتب للقراءة، ونظارات طبية كان المرحوم يضعها حين القراءة، كما حرص على انتزاع صورة شخصية مؤطرة لصهره ودسها في الحقائب..ومن أجل ذكراه الغالية، لف مجموعة من ربطات العنق وقدمها الى أخته وهو يبتسم برقة. علقت سعاد الصورة بجانب نافذتها، بحيث تكون أول شيء يمكن أن تقع عليه عيناها حينما تستيقظ، ثم جلست تنظر إليها وهي تشم ربطات العنق متعرفة على رائحة الزوج الراحل..كانت هناك دمعة تترقرق في عينيها، مالبثت أن تحولت الى سيل من الدموع راح ينهمر بغزارة.

* * *