Print

رواية خان الحريرالفصل الأول - Page 3

رغم أن خان الحرير يقع قرب شارع وراء الجامع، حيث يمكن الوصول إليه دون الدخول في شبكة أسواق المدينة المغطاة والضيقة والمكتظة بالناس والبضائع والحيوانات. إلا ان السيد كمال اعتاد أن يركن سيارته بجانب مدخل سوق الزرب المواجه للقلعة، ثم السير في الأسواق محاطاً بأصدقائه يرد التحيات للتجار الذين يعرفون مواعيد مروره، فيقفون للسلام عليه ودعوته للتفضل بزيارتهم. كانت هذه اللحظات من أعز أوقات النهار التي يحرص عليها، فهي تؤكد حب التجار له وأهميته عندهم.

وفي اليوم الرابع لجنازة المرحوم، كان السيد كمال بصحبة صديقه العزيز وجاره في الخان السيد منير، الذي تخصص ببيع ألبسة القرويين، يمران من أمام دكان مغلقة لا يزيد عرضها عن متر واحد، هي دكان الحاج عبد القادر. همس منير الى السيد كمال :

- الحاج عبد القادر ما يزال في حزن على صهره. فقال السيد كمال :

- رحمة الله عليه..

استمرا في المسير يردان التحية للتجار حتى وصلا الى مدخل الخان. هناك اعتاد اللحام أبو حسن أن يعلق شقق الخواريف الصغيرة المذبوحة بعيداً عن رقابة الحكومة، فدخلاه ثم انفصلا في الباحة.

دخل كل الى محله بينما كان اللحام أبو حسن يصيح: خروف..فستق خروف.

وبينما كان السيد كمال جالساً بأبهة خلف مكتبه الضخم، يراجع آخر ماسجله محاسبه المرحوم، دخل الدلال أبو يوسف متأبطاً حقيبته الجلدية المنتفخة بشلل الخيوط التي يقوم بالتوسط لدى التجار من الباعة والمشترين لبيعها فيعقد الصفقات لقاء دلالة بنسبة متفق عليها بين التجار. سلم الرجل وجلس على مقعد أمام السيد كمال ووضع الحقيبة في حضنه. لم يكن الطقس حاراً بعد في الخارج ومع ذلك فقد تشربت حافة طربوشه بالعرق حتى اسودت. كان عليه أن ينتظر قليلاً، فقد رن الهاتف وكان المتحدث يرجو السيد كمال ليبيعه قليلاً من بضاعة شديدة الأهمية بالنسبة إليه، إلا أن السيد كمال كان يرفض بيعه الكمية التي يطلبها رغم قلتها، وأخيراً وافق السيد كمال بشروط، وأغلق الهاتف..طلب من عبد الله أن يرسل ثوبين من الدسان الجديد الى التاجر عبد الرحيم. ترك عبد الله، مابيده وراح يؤمن الطلب. عندها تذكر السيد كمال أن الدلال ينتظر ليكلمه. فقال له:

- تفضل ياأبو يوسف..؟

- يزيد فضلك..هل عندك شيء لنا ياسيد كمال؟ فقال السيد كمال :

- ماعندي شيء حالياً.

- أنت سيد السوق ياسيد كمال..أعطنا شيئاً نشتغل به. فقال السيد كمال وهو يبدي انزعاجاً من إلحاح الدلال:

- لا يوجد شيء والله ياأبو يوسف..كما ترى، توفى الأستاذ سعيد وأنا بمفردي، أصبر علي مدة.

وبما أن أبو يوسف اعتاد ألا يستسلم، فقد أخذ المبادرة وعرض على السيد كمال شيئاً من عنده:

- لك عندي شرية حلوة ومستعجلة ستربح منها قرشين نظيفين.

هز السيد كمال رأسه مستفسراً ولكن دون شهية، فهو يعرف عادات الدلالين، فقال أبو يوسف:

- عشرون طناً من الحرير.

- عند من؟

- سوف ينزلها جارك أبو نعيم.

- بكم؟

- ببلاش..بأربعين ليرة . أبو نعيم محتاج للسيولة.

استحسن السيد كمال الصفقة، فالسعر مناسب جداً..قال للدلال وهو لايبدي حماسة:

- اشتغل بها..سآخذها.

عندها انتفض الدلال أبو يوسف فرحاً، فالصفقة ستدر عليه نسبة لابأس بها، وعندما يطلب السيد كمال من أحد الدلالين أن يشتغل بصفقة معينة، فهذا معناه أن الصفقة قد تمت مئة بالمئة. قال قبل أن يخرج:

- مافي مثلك ياسيد كمال..أنت سيد السوق، السلام عليكم.

* * *

في ذلك الوقت، كانت سعاد التي لم تصدق في البداية أن سعيد قد مات فعلاً، تعي شيئاً فشيئاً ماحدث. وكلما كانت تعي أكثر أنه لن يعود ، كانت تزداد حزناً وألماً على زوجها الذي لم تر منه إلا ماتحبه المرأة من زوجها..لقد مات ألطف الناس وأرقهم قلباً. ذهب أعظم زوج في الدنيا ولن يعود بعد اليوم. لذا، لم تكن سعاد تتوقف عن