Print

رواية خان الحريرالفصل الأول - Page 11

عندما دخل أبو يوسف الى محل أبو نعيم وشاهد الأب والولدين معاً، عرف هذه المرة الفارق الكبير بين التوأمين..فبينما كان نعيم يشبه بطبعه وأخلاقه وانضباطه أباه ، فقد كان مقيم قطعة من نار، بركان قد يثور في أية لحظة، وعرف بحدسه أن أبو نعيم هو الذي يضبط أبنه مقيم ويمنعه من أتيان أي شيء. ومع ذلك استجمع أبو يوسف شجاعته وقال ماكان السيد كمال قد طلب منه قوله لأبو نعيم:

- السيد كمال يبيع الحرير بخمسة وثلاثين ليرة وبالدين لثلاثة أشهر.

صمت أبو نعيم وأجال بعينيه بين ولديه..كان مقيم قد جمع قبضتيه وكأنه سينهال على أبو يوسف بالضرب. عبس في وجهه ثم قال لأبو يوسف :

- وفقه الله.

- عندك أرخص سيد أبو نعيم؟

لم يفهم أحد من ولديه لماذا أجاب:

- نعم..بتلاتين نقداً.

عندها نهض أبو يوسف واستأذن ثم خرج ليقترب من السيد كمال الجالس مع أحد زبائنه خارج محله. شاهدهم مقيم وهم يتهامسون ثم أخرج أبو يوسف سنداً وجرى توقيعه،فقد باع، على مايبدو السيد كمال الى زبونه بسعر منافس لآخر سعر لأبو نعيم..

عاد أبو يوسف الى محل أبو نعيم ثم قال:

- باع السيد كمال بثلاثين ليرة بالدين لثلاثة أشهر..عندك أرخص ياابو نعيم؟

صمت الرجل..كان يشعر بقلبه ينتفض ويهز كيانه كله..شعر أيضاً بحاجة ماسة الى الهواء. سمع أبو يوسف يسأله:

- ماذا قلت ياابو نعيم..هل عندك أرخص؟

قال أبو نعيم لا..نهض أبو يوسف وسلم وخرج..عاد الى السيد كمال الجالس بمفرده وجعلا يتهامسان.

هكذا إذن..لقد نجح السيد كمال في توجيه ضربة أليمة له..إنه يعرف السبب..طبعاً السياسة. قال لولديه وكأنه يهمس:

- أمامنا أيام صعبة ياأولاد..

وما إن أتم جملته حتى هجم مقيم باتجاه مكان جلوس السيد كمال وأبو يوسف ، إلا أن أباه أوقفه بصرخة لفتت انتباه كل من كان في الخان. رجع مقيم بعد أن سدد الى السيد كمال نظرة أرادها عوضاً عن اللكمة. وعندما أصبح في الداخل، أمر أبو نعيم أبنه نعيم بأن يذهب الى اليهودي ابراهيم ويطلب منه تأجيل السند بفوائد قد تكون أعلى بكثير.

وفي المساء وبينما كان أبو نعيم جالساً يتحدث مع أحد زبائنه تحت سقيفة محله شعر بضيق في تنفسه وضغطاً هائلاً في صدره..حاول أن ينزع ربطة عنقه فلربما كانت تضغط على عنقه دون جدوى. كان الزبون يسأله عن شيء ما وكان يحاول أن يبدو طبيعياً في بادئ الأمر..ولكن لاجدوى، فقد ازداد شعوره بالإختناق عندها حاول النهوض وهو يعتذر من الرجل. سأله مابه، فسقط على كرسيه وارتد رأسه الى الخلف. صاح الزبون على نعيم ومقيم اللذين كانا في داخل المحل وعندما اقتربا من أبيهما وجداه جثة هامدة..

سمعت سعاد، التي كانت مشغولة بشيء ما في غرفتها، صراخاً وعويلاً. اقتربت من النافذة ثم فتحتها لترى جيداً. كان نعيم ومقيم والزبون بالإضافة الى اللحام أبو حسن يحملون أبو نعيم ويركضون به الى خارج الخان بينما هرع كل من في الخان إما للمساعدة أو للفرجة. كان الولدان يصرخان على أبيهما وهما يبكيان..عرفت سعاد أن شيئاً سيئاً قد حدث، ولم تغلق نافذتها إلا عندما شاهدت السيد كمال ينظر إليها نظرته تلك التي تكرهها..

مات ابو نعيم من جراء أزمة قلبية. مات مختنقاً بعد أن فرض عليه السيد كمال حرباً تجارية خرج منها خاسراً ثم خسر حياته. وفي اليوم التالي شيعوه الى مثواه الأخير في مقبرة الصالحين الى جانب أمه وأبيه. كان الجميع موجودين بمن فيهم السيد كمال. أما في المساء فقد انعقد مجلس العزاء، وقرأ الشيخ علي القرآن على روحه، واستمر لثلاثة أيام.

كانت المصيبة عظيمة على الاسرة ، فأقفل المحل، أما مقيم فكاد يجن بسبب موت أبيه، كان يعرف السبب معرفة تامة. وقد أقسم يميناً أمام أمه وأخيه نعيم أنه لن يهنأ له عيش إذا لم ينتقم من السيد كمال.

* * *