Print

رواية خان الحريرالفصل الأول - Page 2

كان الأستاذ سعيد هو الانسان المتعلم الوحيد في الخان، فقد تخرج من الثانوية التجارية بامتياز، وكان يحلم في دخول الجامعة ليصبح محامياً، إلا أن وفاة والديه المبكر واضطراره للسكن مع عمته الفقيرة، دفعاه الى البحث عن عمل ووأد أحلامه في السفر الى دمشق لدخول الجامعة رغم قبوله فيها. وعندما عرض نفسه على السيد كمال لم يتأخر هذا في قبوله للعمل عنده كمحاسب، ثم راح يعتمد عليه في كل أعماله وأصبح ذراعه اليمنى في السوق..

كان سعيد محبوباً في كل السوق، حتى أنه كان ملطفاً لجبروت السيد كمال أثناء التعامل مع الزبائن. كان لطيفاً بطبعه، متحمساً للعلم ولكل جديد يصل الى أسماعه، ولهذا الأمر بالذات، لم يكن من الغرابة تحمسه لثورة مصر ضد الملك فاروق، والتي أطاحت بعرشه وجاءت بمجموعة من الشباب الى الحكم لا يكبرونه إلا ببعض السنين. كان(رحمة الله عليه) يستمع باستمرار الى إذاعة صوت العرب ويشرح ما تقوله للتجار الذين اعتادوا الجلوس في مقدمة دكاكينهم في الخان.

وفي إحدى المرات، وبينما كان جالساً يستظل بسقيفة المحل، رفع عينيه صدفة الى الجدار المقابل لمحلهم، حيث تصطف عدة نوافذ دائمة الإغلاق..ولكن في هذه المرة كانت إحدى هذه النوافذ مشرعة ووقفت بجانبها أجمل فتاة قابلتها عيناه..اندهش ولم يصدق ما كان يراه. من أين جاءت هذه المرأة..؟ كان أمضى في هذا المحل عدة سنوات دون أن يلمحها أو يسمع عنها؟ هل هي زائرة عند أقربائها ولن تلبث أن ترحل بعد زمن قصير؟

كانت سعاد قد تعبت من شغل البيت ومساعدة أمها فوقفت تسرح بنظرها في أسقف الأسواق الباهتة وفي الناس الذين كانوا يروحون ويجيئون في الخان..لم تكن سعاد منتبهة إلى أنها قد سحرت سعيد، أكثر الرجال لطفاً في خان الحرير، سحرته بوجهها الذي لا مثيل لجماله في كل حلب. وعندما شعرت أن عليها أن تنظر الى مكان معين في باحة الخان، وأن ذلك ضروري كضرورة التنفس واستنشاق الهواء، شاهدته منبهراً بها، لا يرفع نظره عنها.. فتراجعت بهدوء وأغلقت النافذة وهي لا تزال متعلقة بنظرته. لقد عشقها سعيد وأصبح طوال النهار ينتظر انفراج أباجور النافذة من جديد ليثبت لنفسه أن ما رآه لم يكن حلماً بل حقيقة، وحقيقة ستغير مجرى حياته القصيرة جداً. بالتالي، كانت سعاد تسرع دائماً، وحالما تسنح لها الفرصة، لتسترق النظر عبر شقوق الأباجور الى حيث اعتاد ذلك الشاب الجلوس والنظر إلى الأعلى..وعندما فتحت الأباجور للمرة الثانية ، لم تكن تدري أنها بهذا العمل قد دفعته الى السؤال عنها ثم طلبها من أبيها الحاج عبد القادر صاحب أصغر دكان في سوق المدينة.

عاشا معاً ثلاث سنوات فقط..وبما أن الموت الفجائي يأتيهم بالوراثة، وأنه قد أودى بأبيه وأمه، ومن قبلهما بأعمامه وأجداده (لم يبق إلا على عمته التي كان يعيش عندها) فقد مات الأستاذ سعيد بشكل فجائي أيضاً بينما كان ساهراً مع زوجته وأبنه ناصر ذي السنتين في بيت حميه.

لم يتخلف أحد من تجار خان الحرير عن الخروج في جنازة الأستاذ سعيد. دفنوه وترحموا عليه، وفي المساء أقاموا العزاء لمدة يومين على روحه الطاهرة. بينما كانت سعاد، أرملة المرحوم ذات الجمال الخارق، غير مصدقة أن سعيد قد تركها ورحل.

* * *

عندما قدم الشاب كمال الى خان الحرير لم يكن يحمل معه سوى طموحه الذي بدون حدود، وصداقة الشيخ قدري الذي يكن له كل المحبة والتقدير، والذي قدمه الى السيد عبد المجيد التاجر المعروف في كل سوق المدينة باستقامته وحبه للتواضع رغم الثروة التي بناها من محله في الخان. أعجبه في كمال حبه وتفانيه في العمل، أعجبه فيه أيضاً رغبته في إظهار بعض الحزم تجاه بعض التجار الذين كانوا يطمعون بلطف وتواضع السيد عبد المجيد. لذا رغب في الارتباط به أكثر من كونهما معلماً وموظفاً..فعرض عليه تزويجه ابنته مطيعة التي لم تكن على شيء كبير من الجمال، بل كانت كما اعتادت أمها أن تصفها..جميلة العقل والنفس..وهكذا استطاع الشاب كمال أن يكسب ود الأسرة كلها، فأحبته زوجته مطيعة بعنف، وقبل أن يفقد أبوها السيد عبد المجيد وعيه وهو على فراش الموت، همس في أذن صهره الشاب أنه سيترك له كل شيء، وأن مطيعة وأمها (التي لم تلد غيرها لأنها كانت قليلة الذرية) أصبحتا معلقتين في رقبته. وما إن مات السيد عبد المجيد حتى أصبحوا يدعونه بالسيد كمال، وتحول الى مالك للمحل في خان الحرير وكل ما فيه

كان السيد كمال يحب أن يرزق بولد ذكر يرث عنه كل ما صار يملك من جاه ومال..ولكن مطيعة لم تكن سوى ابنة أمها..فقد كانت هي أيضاً قليلة الذرية، فلم تلد له سوى ابنة دميمة أسموها ذكية لعل الاسم يخفي شيئاً من دمامتها..كان السيد كمال دائم التشكي أمام زوجته لأنها لم تلد له ولداً تطيب به خاطره، ولكي تنسيه علتها قدمت له كل حبها واهتمامها، ولكن الرجل هو الرجل، فقد تركها السيد كمال تشعر باستمرار أنها لم تقدم له أعز ما يريد. وعندما مات الأستاذ سعيد، مساعده ومحاسبه، وترك وراءه أجمل أرملة تحتويها بيوت حلب على الإطلاق، شعر بشيء من الأمل، وهو أن الحياة قد تمنحه هذه الفرصة، ولكن ليس من الست مطيعة، زوجته متواضعة الجمال، بل من صاحبة أجمل وجه يمكن أن يضمها رجل.

* * *