Print

رواية خان الحريرالفصل الأول

ياحيف عليك يا سعيد..

(سعاد تبكي زوجها المتوفى)

الله يبلي ويعين...

( من أقوال الشيخ علي الضرير)

ياوردة الحب الصافي...

( أغنية لمحمد عبد الوهاب كانت تتردد في خان الحرير)

خروف..فستق خروف..

( مناداة اللحام أبو حسن الذي يعلق شقق الخواريف المذبوحة على باب خان الحرير)

كسر احتكار السلاح يعني أنه ليس فقط من الغرب يمكن أن نتزود بالسلاح...

(هكذا كان يقول أبو نعيم لزبونه عندما أصيب بالسكتة القلبية)

جوز الحبلة لا تنغش، هادا ورم بكره بفش.

(أطفال يشاكسون امرأة حامل في الطرقات)

حدث ذلك في إحدى ليالي الصيف، لم تكن السماء تبرق وترعد، ولم تكن السيول تنهمر لتغرق طرقات حي الجبيلة الضيقة، ولم يكن الأطفال يتمسكون بأطراف أمهاتهم وهم يخبئون رؤوسهم تحت الأغطية خوفاً من غضب السماء. بل كانت ليلة سعيدة، ليلة من ليالي يوم الخميس التي اعتاد فيها بعض تجار خان الحرير وأصدقاؤهم السهر مع مطربهم المحبوب بكري كردي. كانت الألحان وكلمات المغني تنطلق محلقة من أحد بيوت الجبيلة لتدخل بيوتاً أخرى من نوافذها التي أشرعها أصحابها لهذه الغاية، فجعلوا يسهرون ويطربون، وهم متكئون، كأنهم جالسون أمام المغني العظيم الذي يعرفه معظم أهالي هذه المدينة التي أحبت الطرب منذ الأزل. كانوا يستمعون أيضاً إلى التعليقات وكلمات الاستحسان التي كان يطلقها بعض الحاضرين في الحوش، وربما تبسمت امرأة وهي ترفو جورباً الى جانب نافذتها لكلمة بذيئة ومرحة أطلقها أحدهم..وربما ضحك رجل مخضرم كان حضر يوماً سهرة مع المغني الذي اعتاد أن يحور كلمات أغنياته، في بعض الأحيان، ليضحك جمهوره، فما أبسط أن يهيج مستمعيه الغارقين في ألحانه وأغانيه عندما يصل الى جملة: جود بوصلك، في دور بين "الدلال والغضب"، ليحورها الى (كذا) في أصلك..

كان المغني قد بدأ للتو بدور " حرج علي البابا ما روحش السينما " حين قرع الباب، لم يسمعه أحد من الحاضرين سوى أحد أبناء صاحب البيت الذين ما كانوا يهدأون من أجل تلبية طلبات الساهرين. فتح الولد وإذ بعبد الله، العامل في محل السيد كمال أكبر تجار خان الحرير. سأل عن معلمه فطلب منه الولد أن ينتظر لحظة، ثم عاد من جديد الى الحوش التي كان فيها بكري كردي يجبر مستمعيه على النهوض من كراسيهم وهم يتمايلون طرباً ويطلقون الآهات. اقترب من السيد كمال، أكثر الحاضرين هيبة وجبروتاً، والذي كان جالساً على الكنبة الى جانب الشيخ قدري، صديقه الحميم والشيخ علي الضرير صاحب النكتة الجاهزة والمشهور بحبه للولائم.

كانت هذه هي المرة الأولى التي يأتون في طلبه فيقتلعوه من سهرة من سهرات يوم الخميس. استعاذ بالله ثم لحق بالولد. قرب الباب اصطدم بوجه عبد الله الشاحب:

- تعيش انت يا سيد كمال.

فسأله السيد كمال: من؟ فقال له إن سعيد قد أعطاه عمره. للحظة لم يفهم أن سعيد هو محاسبه وماسك دفاتره.. وعندما تأكد صمت وتراجع..فاصطدم بصاحب البيت الذي كان لحقه ليعرف الأخبار..

كان السيد كمال قد رحل مع موظفه عبد الله، عندما أوقف صاحب البيت الفرقة الموسيقية عن العزف، ثم اعتذر من المغني والحضور وقال:

- يا جماعة..وصلنا خبر مؤسف قبل لحظات، لقد توفي الأستاذ سعيد محاسب السيد كمال. لذا، فأنا أرى أن نتوقف الليلة.

سمعت همهمات الحضور وهم يترحمون عليه..خاصة من الشيخ علي والشيخ قدري، وكذلك من الحاج محمد التاجر في خان الحرير ومن أبو عادل صاحب دكان العرايسية في سوق النسوان والذي يشاع أن الشباب قد عاد إليه من جديد. ترحم أبو عادل على الميت ، ثم تلمس شاربيه وهو يشعر بقلبه يدق بسرعة لم يعهدها منذ زمن بعيد.

لحق بالسيد كمال عدد من الحضور، ليكونوا الى جانبه في هذه اللحظات، وسمعت اقتراحات من الآخرين تقول:

- موعدنا غداً في المقبرة..ومساء في العزاء، وهنا الخميس بعد القادم.

* * *